العدد 9 - السبت 15 ك2 2011 - السنة الأولىمن نحن | للاتصال: palestine@assafir.com | أرشيف
مؤسسات العمل الأهلي والتمويل: رؤية نقدية

«ادعموا حق الفلسطينيين في العودة»
«ادعموا حق الفلسطينيين في العودة»
تعمل المنظمات الأهلية الفلسطينية في سياق تاريخي وسياسي تفرض وتحدد حيثياته ومستجداته عليها تغيير استراتيجياتها ومهامها وفقا لطبيعة هذه المستجدات، خاصة تلك المتعلقة بالظروف السياسية. إذ تعتبر البيئة السياسية والاجتماعية التي تعمل بها المنظمات الأهلية الفلسطينية في الوقت الحالي بيئة معقدة، حيث لا يزال الاحتلال الإسرائيلي يسيطر على مساحة واسعة من الأراضي الفلسطينية من جهة، ومن جهة ثانية توجد على الأرض الفلسطينية، لأول مرة، سلطة وطنية فلسطينية ذات قدرات مادية ومهنية محدودة تتولى معظم الصلاحيات المدنية في المناطق التي تحت سيطرتها. إن هذه الحقائق تفرض على المنظمات الأهلية تحديات جديدة على المستوى الاستراتيجي وعلى مستوى الأدوار الرئيسية وعلاقتها بالسلطة؛ هذه الأدوار التي تتراوح بين مشاركة السلطة في تقديم الخدمات المجتمعية إلى الارتقاء بالمجتمع قيميا ومواصلة المساهمة في العمل الوطني للتخلص من الاحتلال.
غير أن من المفيد الإشارة إلى أن المجتمع الفلسطيني تعرض ويتعرض منذ عقود لتشوهات اجتماعية واقتصادية متراكمة أوجدت في محصلتها المجتمع الفلسطيني الذي يتأرجح ما بين القبلية والمجتمع. الأمر الذي عكس نفسه إلى حد كبير على طبيعة وهيكلية بعض هذه المؤسسات وشكل الانطباع المجتمعي عنها.
وعلى الرغم من الظروف الصعبة التي عاشها الشعب الفلسطيني، ومن أهمها غياب الدولة، تمكنت المنظمات الأهلية الفلسطينية من التعويض، ولو جزئيا، عن غياب الدولة بتقديم جزء من الخدمــات لفــئات المجـــتمع المختـــلفة، وشــهدت فترة السبعينيات، وبخاصة بعد انعقاد قمة الرباط 1974 الــتي أعلنت فيها منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للـــشعب الفلسطـــيني، تحسنا ملحوظا على صعيد تنظيم العمل الأهلي الفلــسطيني، وقد عملت منظمة التحرير على إنشاء العديد مـــن الاتـحادات واللجان التطوعية، وكانت هذه التكوينات بمثابة أذرع اجتماعية للفصائل السياسية، ومع ذلك لم تتمكن هذه المنظمات والاتحادات من تجاوز دورها الإغاثي. أما عام 1982، وهو عام خروج منظمة التحرير من لبنان، فقد اتخذت المنظمات الأهلية شعار «التنمية من أجل الصمود» في إشارة واضحة إلى مزج العمل الوطني بالتنموي. وبعد اندلاع انتفاضة العام 1987، بدأت هذه المنظمات الأهلية بالعمل على التحضير لبناء الدولة والاستقلال، لكن الحد الفاصل في عمل المؤسسات الأهلية الفلسطينية جاء بعد إعلان اتفاق أوسلو (1995) وإنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية، ولهذا فإن الملامح الأساسية للمنظمات الأهلية الفلسطينية قبل أوسلو تختلف تماما عما بعده.
ما قبل أوسلو
فقد اتسمت مرحلة ما قبل أوسلو، أي مرحلة الانتفاضة الأولى، بارتباط الأجندة الوطنية بالأجندة التنموية والإغاثية في عمل المؤسسات الأهلية، والتنافس بين المؤسسات الأهلية كان على أسس سياسية إلى حد بعيد، وقد لوحظ وجود تأثير كبير على توجيه المؤسسات الأهلية من قيادة منظمة التحرير الفلسطينية. وحتى القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة كانت على تماس مباشر مع هذه المؤسسات.
غير أن الوضع ما بعد اتفاق أوسلو تغير إلى حد كبير في الأجندات وطبيعة العلاقات مع الأحزاب السياسية، وحتى في بعض القيادات الحزبية التي حسمت أمرها لصالح المؤسسات الأهلية، وقد أدى هذا الوضع إلى بروز رؤى اجتماعية وتنموية بعيدا عن الرؤى السياسية، والعمل بشكل تقني في العديد من البرامج بعيدا عن المحتوى السياسي وبدء الانفكاك بين هذه المؤسسات والفصائل السياسية والتعارض في المواقف والانفصال في أكثر من حالة.
وانتقلت المؤسسات الأهلية من العمل في التأثير السياسي إلى العمل في التأثير السياساتي التقني، وبدأت هذه المؤسسات بالتحول إلى الطابع التكنوقراطي، ما أدى إلى أن تصبح عرضة كبيرة لتأثير الأجندات الأجنبية عليها، لأن المقاييس أصبحت ذات مؤشرات تقنية وليست سياسية.
وفي الوقت الذي بدأت فيه العلاقة بالضعف التدريجي بين المؤسسات الأهلية وفصائل العمل السياسي، تعززت العلاقة بين المؤسسات الأهلية الفلسطينية والحركات الاجتماعية والمؤسسات الأهلية الدولية، لأن المؤسسات الأهلية الفلسطينية بدأت ترى في هذه الحركات حليفا استراتيجيا لتجنيد التمويل من جهة، ولمواجهة السلطة الفلسطينية من جهة ثانية.
الحقل السياسي
الصورة وحدها تتكلم
الصورة وحدها تتكلم
عطفا على ما سبق، فإن المؤسسات الأهلية الفلسطينية تتأرجح في علاقتها مع الفصائل السياسية من الصراع أحيانا إلى التحالف أحيانا أخرى، وفقا لظروف السياسة والمصالح في كثير من الأحيان. كذلك الحال مع السلطة الفلسطينية، فهي مشاركة على مستوى المشاريع، وصراع على المستوى الاستراتيجي، حيث ان السلطة تنظر بتوجس كبير لعمل المؤسسات الأهلية كمنافس على التمويل وكقوة اجتماعية لها حساب، وتبادل المؤسسات الأهلية السلطة هذا التوجس من حيث انها ترغب (السلطة) بالسيطرة عليها وتريد تجفيف منابع التمويل وتمركزه في يدها، وهذا أحد الدوافع لتشكيل الشبكات (في محاولة لتوحيد الجهود وتعظيم القوة أمام السلطة). وقد ظهرت هذه التوجسات بشكل جلي بعد حالة الانقسام الفلسطيني في حزيران 2006، حيث تزايدت حالات إغلاق المؤسسات والمضايقات وتجميد الأرصدة على أسس سياسية في كل من الضفة وقطاع غزة، وأصبح قانون المؤسسات أداة قمعية في يدي كل من السلطتين، وذلك بخلق مبررات كثيرة لسوء استخدام القانون.
وقبيل حالة الانقسام الفلسطيني، تم تسجيل المئات من المؤسسات الأهلية، لأسباب سياسية، الأمر الذي برر لكل من السلطتين في رام الله وغزة التعدي (والإغلاق في كثير من الأحيان) على هذه المؤسسات ما بعد الانقسام، نظرا للاعتقاد أن معظم هذه المؤسسات سجلت لخـلق حقائــق سياســـية، وباب آخر لكل من التنظيمين (فتح وحماس). لكن هـــذه الحالة الفوضوية من إنشاء المؤسسات الأهلية بشكل غـــير منضبط، وبروز ظاهرة الشللية في هذه المؤسسات، وتســـجيل عدد من المؤسسات بأسماء رجال أمن وغير ذلك، أدت إلـــى شبه انهيار لمفهوم المجتمع المدني على وجه العموم، والمؤســـسات الأهلية على وجه الخصوص، وأصبحت تعانـــي المؤســـسات الأهلية الأصلية والكبيرة من النظرة المجتمعـــية والاتهام بالفساد والعمل لأجندات أجنبية. وهذا بالفعل ما كانت تسعى إليه جهات عديدة، ومنها بعض المانحين والسلطتان في رام الله وغزة.
هذا كله أدى إلى عدم تمكين المجتمع الفلسطيني من بلورة رؤية واستراتيجية تنموية موحدة، وأصبحت السلطة الفلسطينية والمؤسسات الأهلية عرضة لابتزاز الممولين الذين لديهم قدرة على التلاعب بالطرفين، ولديهم مصلحة سياسية بإبقاء كل من السلطة والمؤسسات الأهلية في اعتماد مباشر على التمويل الأجنبي لما لهذا من نتائج سياسية.
أزمات متتالية
وقد خلصت دراسة أعدتها مؤسسة «بيسان» عام 2002، ودراسة أخرى أعدها معهد أبحـــاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني «ماس» عام 2009، إلــى نتائج متشابهة تقريبا، وهي انتشار الأزمة المالية لدى المؤسســـات الأهلية وتحول عدد كبير من هذه المؤسسات للعمل بشكـــل دؤوب على أن تكون بؤر جذب تمويل بدون أي رؤية سياســـية أو تنموية، وقد أوجد هذا تأثيرا سلبيا على البيئة الاجتماعـــية والسياسية لعـــمل هذه المؤسسات، ولهذا أصبحت بدون بعــد جماهــيري أو محتوى سياسي كما كانت الحال في أوائل السبعينيات والثمانينيات. كما أظهرت هاتان الدراستان أيضا حدة التنافس بين المؤسسات الأهلية والسلطة الوطنية على التمويل وليس على بناء شراكة حقيقية؛ هذه الشراكة التي تعزز صمود الشعب في مواجهة التحديات، خاصة الاستيطان وتهويد الأرض.
المنظمات غير الحكومية واليسار
ساهمت المنظمات غير الحكومية الجديدة، جزئياً، في إضعاف اليسار الفلسطيني. فكثير من أعضاء المنظمات الوطنية اليسارية المنضوية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، والذين أسسوا منظمات أهلية كواجهة للعمل الاجتماعي، وجدوا أنفسهم بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وتراجع حضور اليسار في الواقع الفلسطيني، أنهم صاروا خارج أحزابهم وفصائلهم اليسارية الأصلية، وعلى رأس المنظمات الأهلية التي أسسوها في السابق لمصلحة أحزابهم وفصائلهم، فاتجهوا نحو جهات مانحة غربية، وتحوّل كثيرون من هؤلاء من الماركسية إلى الليبرالية. وفي هذا الميدان يلاحظ أن معظم مسؤولي المنظمات غير الحكومية هم من الذين تلقوا تعليماً عالياً في الخارج، ويتقنون اللغات الأجنبية التي اكتسبوها في أثناء ابتعاثهم إلى الخارج لمصلحة فصائلهم. غير أن بعض هؤلاء باتوا يقدمون قيم الديموقراطية وحقوق الإنسان وحقوق المرأة على القضايا الوطنية، ويقيمون علاقات وثيقة بالجهات المانحة الأوروبية والأميركية التي كانت، إلى عهد قريب، أعداء «تاريخيين» لأصدقائهم الجدد.
وتأسيسا على ما ســبق، فإن ملامح المؤسسات الأهلية الفلسطينية وسمات علاقتـــها بالسلـــطة الوطنية ليست في أحسن حال، وهي انعكاس ليس لحالة الانــقسام فقط بل أيضا لحالة الإحباط والتقهقر نتيجة الفشـــل في تحقيق نتائج سياسية، سواء بالعمل المقاوم أو العمل السياسي والتفاوض.
ولهذا، فإن الأسئلة الجــوهرية عــن عمــل المؤسسات الأهلية، وكذلك اعتراف السلطة بشرعيتها وآليات فحص الشفافية والمحاسبة وأدوار هذه المـــؤسسات وطبيعة الشراكة بين كل منهما، تبقى رهينة محــددات أساسيــة، أهمها التطور السياسي، حيث ان الصراع مع الإسرائيليـــين سيــنمي الدور الوطني لهذه المؤسسات، والمحور الآخر هو دور ومستقــبل السلطة الفلسطينية من حيث كونها سلطة تعيــش على التمويل الأجنبي أو دولة طبيعية. والعامــل الآخر هو تعامل المجتمع الدولي والممولين مع كل من المؤسســات الأهلية والسلطة الوطنية، وفي ظننا أن هذا هو الــذي سيلعب دورا أساسيــا فــي تحــديد خيــارات كــل منهـما، لأن التاريــخ لا يعــرف مولــودا صنع لأسباب أخلاقية بل إن كل مولود تاريخي هو نتاج عملية قيصرية، والمصالح هي الرفيق الدائم لهذا المولود.
عبد الرحمن التميمي مدير جمعية الهيدرولوجيين الفلسطينيين وناشط في المجتمع المدني.
 
إضافة تعليق
الإسم
البريد الإلكتروني
الدولة
التعليق
تثبيت الرمز

تغيير الرمز
  يتم حذف أي تعليق يمكن أن يتنافى مع الآداب العامة