العدد 5 - الإثنين 20 أيلول 2010 - السنة الأولىمن نحن | للاتصال: palestine@assafir.com | أرشيف
أيلول الأسود ما زال أسود

كلما حل أيلول تنتاب الفلسطيني رعشة تهز بدنه وتجمد إحساسه وتدفعه في الغالب نحو محاولة طرد التشاؤم من رأسه. وبصرف النظر عن أفراح وقعت هنا وهناك في أيلولات الأعوام المتقلبة فإن العنصر المسيطر هو تذكار الأتراح. ويكفي أن أيلول من بين جميع الشهور على مدى سنوات النكبة لقب بـ«الأسود». ومهما يحاول الفلسطيني إبعاد شبح المآسي فإن مأساة «أيلول الأسود» تبقى مهيمنة. ففي أيلول الأسود اختلطت الأوراق كما لم تختلط من قبل, وذوى أمل لم يعمر طويلا بأن تتحد المقاومة مع أهلها وتبدأ طريقا معاكسا لما كان. لكن أيلول الأسود قاد إلى استمرار ابتعاد الفلسطيني عن طريق العودة.
عبد الناصر والملك فيصل وياسر عرفات
عبد الناصر والملك فيصل وياسر عرفات
قبل عام تقريبا أزيحت السرية عن وثائق أميركية رسمية ما أظهر جزءا مما كان خافيا أو على الأقل غير معلن رسميا. وحاول المعلق الأمني في صحيفة «هآرتس» أمير أورن حينها تلخيص جزء من هذه الوثائق والمكاتبات والحوارات واستخلاص بعض العبر منها. وبدأ مقالته التي حوت الكثير من النصوص المقتبسة من الوثائق على النحو التالي: «قرر اسحق رابين أن العرب لا يحبون القتال ليلا, والعاصمة الأردنية, عمان, وفق هنري كيسنجر, مدينة نتنة. والملك حسين, في يأسه, رجا إسرائيل أن ينقذه جيشها من منظمة التحرير ومن سوريا. وقد تسلى أبا أيبان بدولة فلسطينية شرقي نهر الأردن، وقال إنه إذا اختفى الملك حسين عن الساحة «فهذه ليست نهاية العالم». أما الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون, فسعى لإرسال الجيش الإسرائيلي لمهاجمة الجيش السوري, لكنه تردد أمام خيار من اثنين: هل ينبغي الاكتفاء فقط بضربة جوية أو بضربة برية أيضا, وهل تكون الضربة في شمال الأردن أم في جنوب سوريا. لكن في البنتاغون, حيث تم تخطيط التنسيق بين الجيوش, قال مسؤول كبير انه يحسن بالجيش الإسرائيلي أن يعمل أولا على أن ينضم الجيش الأميركي إلى العملية في المرحلة الثانية, لأن ترتيبا معاكسا يمكن أن يظهر القوات الأميركية كأنها عاجزة، وأن الجيش الإسرائيلي تحرك لإنقاذها».
ويضيف أورن أن هذه الأحداث التي جرت في أيلول 1970, (أيلول الأسود), أسميت في الجيش الإسرائيلي بأزمة «جحيليت» (أي الجمرة) وهي الأحداث التي بدأت بالصدامات بين الفلسطينيين والجيش الأردني وانتهت بوفاة الزعيم جمال عبد الناصر. وفي نظره فإن العبر من تلك الأحداث لم تتقادم «لأن الروابط بين السيرورات السياسية والعمليات العسكرية تواصل البقاء ويحوم في الخلفية إمكان استفزاز إيران لتل أبيب أو لواشنطن ودفعهما لتوجيه ضربة لها». ويشدد أورن على أن أهمية هذا التواصل أظهرت أن أيلول 1970 شكل نقطة تحول, أكان ذلك في التخطيط العسكري المشترك بين أميركا وإسرائيل أو في وضع أسس ما غدا بعد ثلاث سنوات، أي في تشرين الأول 1973، الجسر الجوي والبحري الأميركي لتسليح إسرائيل في حربها ضد مصر وسوريا.
وتوفر الوثائق الأميركية المذكورة عن أحداث أيلول 1970 فرصة نادرة للتعرف الى طريقة كل من إسرائيل وأميركا في إدارة الصراعات في المنطقة. وتظهر اختلاط البعد العام في النظرة إلى مسائل الأمن القومي بالبعد الشخصي من خلال المحاضر التي تبين طبيعة الصراعات داخل كل من القيادتين الأميركية والإسرائيلية.
لكن لا يقل أهمية عن ذلك أن الوثائق تبين مقدار الترابط بين ما يجري إقليميا وما يحدث عالميا في صراع بين الأقطاب. فقد كانت إسرائيل رأس حربة لقوة عالمية هي الولايات المتحدة، تعادي قوة عالمية أخرى هي الاتحاد السوفياتي التي كان بعض العرب وتحديدا المقاومة الفلسطينية على قرب منها. وقد لعبت في مواقف الأطراف من أحداث أيلول الأسود خلفيات تاريخية إقليمية ودولية لم تكن بعيدة في حدودها الزمنية مثل نتائج حرب 67 والتورط الأميركي في حرب فييتنام.
غير أن ما لا يقل أهمية في القراءة الراهنة لتلك الأحداث هو الترابط بين السياسي والحربي وكيف أن محاولات الاختراق السياسي كانت تستدعي, على الأقل ظاهريا, تحقيق اختراقات عسكرية. وهكذا يصعب الفصل بين أحداث أيلول الأسود ومبادرة وزير الخارجية الأميركية وليم روجرز لوقف حرب الاستنزاف على الجبهة المصرية وما رافقها من مباحثات غير مباشرة بوساطة دولية عبر المبعوث غونار يارنغ، وأميركية عبر رحلات جوزيف سيسكو.
وبنظرة إلى الوراء تبدو الأحداث كأنها تجري فوق رقعة شطرنج. فقد تم إعلان وقف النار ضمن مبادرة روجرز في السابع من آب 1970. وقلة كانت تعلم أن بين دوافع قبول مصر عبد الناصر تلك المبادرة الرغبة في تعزيز قدرات الدفاع الجوي بنصب صواريخ أرض جو. وهو ما قاد إلى توتر الأجواء الأميركية المصرية من جديد بعدما تبين أن تقديم مصر لقواعد الصواريخ على خطوط المواجهة تم بتشجيع سوفياتي بل بحماية جوية سوفياتية.
ورأى فلسطينيون في مبادرة روجرز محطة من محطات تصفية القضية الفلسطينية، فرد بعضهم بتصعيد العمليات وبينها اختطاف أربع طائرات إلى مطار في الأردن. ومن الواضح أن الرد الأردني الرسمي على ذلك لم يكن محصلة قرار فجائي وإنما نتيجة استعداد مسبق. وتفتح أحداث أيلول 1970 الباب واسعا على تجربة مميزة يختلط فيها المرتجل بالمخطط والعفوي بالمقصود. لكن من شبه المؤكد أن تلك الأحداث شكلت نقطة تحول مهمة في المنطقة عموما.

صراع متراكم
مما لا ريب فيه أن أحداث أيلول هذه كانت ذروة صراع دام بين المقاومة الفلسطينية والنظام الأردني استمر حوالى عامين وانتهى بأحداث جرش وعجلون في العام 1971. فالاشتباكات بين المقاومة والجيش الأردني بدأت قبل ذلك بكثير. إذ لم يرق للنظام أن تحظى المقاومة بما حظيت به بعد معركة الكرامة في العام 1968 من تعاطف شعبي عربي عام عزز الانطباع بأنها بديل من النظام. وأسهم فلسطينيون هنا وهناك في تعزيز هذا الانطباع. وكانت هناك قناعة متناقضة في الجانبين بإمكان حسم الصراع بسرعة لمصلحة هذا الطرف أو ذاك. إذ كان في الجانب الأردني من آمن بالحسم خلال أيام وفي الجانب الفلسطيني من اعتقد بالقدرة على إسقاط الملكية.
وكانت المحاولة الأولى لاستعادة النظام الأردني السيطرة على الوضع في تشرين الثاني 1968 عندما توصل لاتفاق لتنظيم العلاقات مع المقاومة يبعدها عن المدن والقرى ويقيد حركتها الميدانية. لكن المقاومة التي كانت في تصاعد نفذت في العام 1969 وحده, وفق المعطيات الإسرائيلية, 3170 عملية عسكرية عبر نهر الأردن. وفي هذا العام بالذات كانت المقاومة في تصاعد وكذلك حرب الاستنزاف على الجبهة المصرية الأمر الذي دفع الولايات المتحدة في ربيع ذلك العام للشروع بمبادرة سياسية لحل الأزمة.
وكان واضحا أن النظام الأردني على استعداد للقبول بالمبادرة. لكن ما فاجأ المقاومة هو الموقف المصري الذي أعلن قبول المبادرة. وهنا تصاعد التوتر بين الطرفين إلى حدود لم يسبق لها مثيل. ووصل الملك حسين إلى القاهرة في شباط 1970 ما أوحى بأن الخطوات اللاحقة تجري بتفاهم مع الرئيس عبد الناصر. وفي شباط أصدر الملك الشروط العشرة التي حظر فيها على المقاومة الظهور المسلح والنشاط السياسي. وهذا ما اعتبرته فصائل المقاومة في الأردن مقدمة للقضاء عليها... وبدأت الاشتباكات.
في 16 أيلول 1970 بدأ الملك حسين رسميا حملته على المقاومة وأعلن تأليف حكومة عسكرية، ودخلت الدبابات والمدرعات عمان من جميع الاتجاهات. ودارت معارك من بيت إلى بيت. وبعد يومين دخلت وحدات مدرعة سورية شمالي الأردن ودارت معارك بينها وبين القوات الأردنية المدرعة. الوثائق مجدداً
يكتب أورن ملخصا بعض ما جاء في الوثائق الأميركية: في العشرين من أيلول أبلغ هنري كيسنجر السفير الإسرائيلي في واشنطن اسحق رابين أن الملك حسين يطلب, في رسالة وصلت عبر السفير البريطاني في عمان, أن يقصف سلاح الجو الإسرائيلي المدرعات السورية التي غزت الأردن واحتلت إربد وتستعد للتقدم جنوبا. وفيما كانا يتحادثان وصلت برقية كان أرسلها قبل ساعتين السفير الأميركي في عمان وفيها ان الملك حسين هاتفني طالبا من الرئيس نيكسون «تدخلا ماديا مباشرا في الجو والبر للمحافظة على سيادة واستقلال وسلامة أراضي الأردن. ومطلوب هجمات جوية فورية على القوات الغازية, من أي مصدر كان, إضافة للغطاء الجوي. الرجاء إبلاغي بأسرع وقت متى يمكن لقواتكم أن تصل».
وقامت الطائرات الإسرائيلية بتحليق استطلاعي فوق منطقة العمليات ما أثار مخاوف مبررة لدى السوريين باحتمال التدخل الإسرائيلي, فأمروا قواتهم بالانسحاب. وخشية من تصعيد النزاع الإقليمي انسحبت قوات عراقية كانت منتشرة في الأردن، وهذا ما أعاد الصراع إلى طابعه المحلي.
فسر كيسنجر في حديثه مع روجرز طلب الملك حسين على أنه دعوة لتدخل جوي إسرائيلي وتدخل بري أميركي. ووافق روجرز على هذا التقويم وقال: لا مفر أمامنا. ينبغي لسلاح الجو الإسرائيلي أن يعمل وإلا فإن كل شيء سيتفكك.
نيكسون لكيسنجر: «أيا تكن الحال, فعلينا أن نعمل, إما نحن وإما الإسرائيليون. خسارة أننا لا نملك المزيد من القواعد البرية. ينبغي لعملنا أن يكون سريعا وحادا».
كيسنجر: «وساحقا. محظور علينا التورط مع السوريين الملاعين هؤلاء بحرب أخرى لثلاثة شهور».
نيكسون: للإسرائيليين دوافع مشتركة. ولدى المؤسسة الأمنية اليوم متعة وواجب. إنهم يريدون الدخول واحتلال بعض الأرض».
كيسنجر: «إنهم يريدون أن يمزقوا السوريين, وهو ما لم يتح لهم حتى الآن».

نيكسون: «يا ريت»!
وكان لدى الأميركيين تقدير للموقف يرى أن الملك حسين في جميع الأحوال في ورطة. فمن دون الإسناد الإسرائيلي سيفقد حكمه, لكنه قد يواجه مصيرا مشابها إذا تدخلت إسرائيل لأنه سيدان كعميل. ولهذا حار نيكسون بين تفضيل ضرب القوات السورية في الأردن أو في جنوب سوريا بما ينطوي عليه الأمر من مخاطر. ومع ذلك فضل أن تكون الضربة الإسرائيلية في سوريا. غير أن اسحق رابين قرر أنه إذا كان الهدف تدمير القوة السورية المهاجمة فلا داعي للعمل في قطاع آخر.
ومن المفارقات التي تظهرها الوثائق الأميركية كيف أن نائب وزير الدفاع الأميركي دايفيد بكارد قرأ مسودة إعلان صيغ ظاهريا في تل أبيب لكنه كتب فعليا في واشنطن وكان مقررا أن تلقيه رئيسة الحكومة الإسرائيلية غولدا مئير لتبرير «هجمات القوات الجوية والبرية الإسرائيلية على القوات التي غزت الأردن من سوريا بدبابات من صنع سوفياتي, وعلى مواقع إسنادها». ويشير أورن إلى أن الإدارة الأميركية بعد أن صاغت موقف إسرائيل «ترددت» فيما إذا كان ينبغي لها تأييد العمل الإسرائيلي أو التزام الصمت.
في 28 أيلول توفي الرئيس جمال عبد الناصر في ذروة محاولاته منع المأساة في الأردن. وكانت خسارة الفلسطينيين بفقدانه أكبر من أن تقاس. وبقي أيلول أكثر شهر أسود، أو جرحا لا يلتئم، إذ شكل نقطة تحول لم تدرس بعد بما فيه الكفاية.
 
إضافة تعليق
الإسم
البريد الإلكتروني
الدولة
التعليق
تثبيت الرمز

تغيير الرمز
  يتم حذف أي تعليق يمكن أن يتنافى مع الآداب العامة
التعليقات
علي الكبيسي
قطر
7 حزيران 2013
معروف الملك حسين أنه أكبر عميل حق اليهود و الي ما يدري يكون جاهل في السياسة أما الاردنيين كذابين شعب عميل حق اليهود ومسويين نفسهم شرفاء و يقولون الفلسطينيين و الفلسطنيين
احمد العمور
27 أيلول 2012
اريد ان الفت الانتباه الى التالي:
اولا وقبل كل شئ تحيا فلسطين والنصر قادم باذن الله
ثانيا :انا ممن عاصرو فترة ايلول الاسود لقد كان من يسمون انفسهم بالفدائيين هم من جلبو الدمار للاردن وهم السببب بكل ما حدث "لا استثني اي من منظمات التحرير" اخواني قبل ايلول كان الفدائيين اذا رأو جندي اردني يهينونه وكان يامرونه بخلع ثيابه هذا بالاضافة لقتل بعضهم واخرون كانوا يقتلون هم وعائلاتهم فقط لمجرد انه جندي اردني لقد قاموا بتجاوزات كبيرة وصبر عليهم النظام الاردني ايما صبر "لا امتدح النظام ولكن هذا ما حدث"
كان اسلوبهم هو اسلوب همجي كالزعران والبلطجية وكثرت السرقات على زمانهم كانوا ياخذون ما يريدون بالقوة واالتهديد
اخيرا:اود ان الفت الانتباه لم يكن هناك مظاهر من الجهاد الاسلامي فكلهم كانوا قوميين وبعثيين واحزاب لا تشعر انهم مسلمون هذه حقيقة فكيف ينصرهم الله هل كانو بفتح ممن يقيمون الصلاة؟؟
هل كانت شعاراتهم اسلامية؟؟؟
هل كان جهادهم في سبيل الله ؟؟؟؟
ارجوا فهم هذه النقاط فبدونها لن تنتصر الامة ابدن
احمد عبابنه
الاردن
2 ك1 2011
هذا تاريخ اسود للجميع ما في داعي للتجريح في بعض. الفتنة اشد من القتل وكل انسان عنده مخافة الله لازم يمحي هذا الايلول من ذاكرته
المستفيد من خلافنا هم الصهاينة لا فلسطين ولا الاردن
رعد
فلسطين
27 آب 2011
من هم الزعران؟؟؟
وماذا كنتم انتم؟
المجرم حابس المجالي قائد المذابح فر كالارنب من القدس وسلمها للجيش الاسرائيلي عام 1967, ولاكنه قد اصبح اسدا على اطفال ونساء المخيمات.
ان كنتم تسموننا زعران فانتم لم تكونو الا قطعان من الغنم اسسها لورنس واستلمها غلوب باشا يفعل فيها مايشاء مقابل بعض الفتات
غرايبة
الاردن
6 حزيران 2011
الفدائية الفلسطينية بالاردن زعران وقطاعين طرق بس دؤاهم الشهيد وصفي التل اللة برحمك
غرايبة
الاردن
6 حزيران 2011
اللة يرحمك يا وصفي
عمر الزعبي
الاردن
19 آذار 2011
هل كان الفلسطينيون في الاردن ملائكة؟
الم يؤسسوا دولة داخل دولة؟
الم يجلبوا الدمار للبنان بعد الاردن؟
اين الجبهة السورية؟