العدد 56 - كانون الأول 2014 - السنة الخامسة
بانتظار الانتفاضة الجديدة
طلال سلمان
تجيء الذكرى العاشرة لغياب القائد ياسر عرفات مجللة بدم الشهيد زياد أبو عين صاحب السيرة النضالية الأسطورية في مقاومة الاحتلال مقاتلاً وأسيراً في سجون الولايات المتحدة الأميركية ثم في سجون الاحتلال... بل لعله أشهر أسير فلسطيني،
ولقد اغتال الاحتلال الإسرائيلي هذا المناضل في وضح النهار ليلتحق بموكب الشهداء الذين قدموا حياتهم فداءً للأرض المقدسة.
ومن أسف فإن الجريمة الإسرائيلية الجديدة ضد الشعب الفلسطيني بغير عقاب، كما مرت سائر الجرائم والمذابح الجماعية التي ارتكبها الاحتلال ويرتكبها يومياً، فردياً وجماعياً بشهوة الحروب المفتوحة على غزة والمطاردة المفتوحة للمناضلين.
هذا الواقع المأساوي الذي غرقت فيه القضية المقدسة يطرح أسئلة موجعة من نوع:
• هل اغتيلت الثورة يوم اغتيل قائدها أم قبل ذلك بكثير، وبالتحديد يوم اتخذ قراره الصعب "بالدخول" كرئيس لسلطة كان يعرف أنها لن تكون "سلطة" فعلية لمشروع دولة، بينما العدو الإسرائيلي يحتل الأرض ويخضع الشعب الفلسطيني وقيادته ضمناً، لإراداته؟
• وهل تعاملت القيادة الفلسطينية التي ورثت السلطة بمنطق انها امتداد "لحركة الثورة" أم كنتيجة لانطفاء الثورة عند حدود ما أمكنها انجازه، تاركة للأجيال الجديدة أن تواصل مسيرة النضال من اجل التحرير.
فهرس العدد
 
عيون الأسرى فوتوغرافية
حسن ياسر حسن كراجة
 
الطريق إلى الانتفاضة
د. علاء العزّة
 
الساعة، والاستعمار!
د. علاء العزّة
 
هذه الهبّة المقدسية اليوم..
القدس- عبد الرؤوف أرناؤوط
 
 
نبض الضفّة: وابلٌ من الحجارة!
رام الله – سائد أبو فرحة
 
ذكريات رجل قديم
منذر جوابرة
 
النسرُ والفهدُ والقيادة السياسية
رام الله – علي دراغمة
 
المستعربون
حسن صفدي
أرشيف الأعداد
لغويــــاً
العبريّة.. لتفادي بابل جديدة
ياسمين حاج
الملحق كانون الأول 2014
في بداية القرن العشرين، ولمنع بابل جديدة في فلسطين، خلقت الحركة الصّهيونيّة هيمنة لغويّة على أتباعها. على الرغم من اشمئزاز قادتها من ثقافات الشتات ودياناته، اضطرّت الحركة لتبنّي لغة التّوراة، لغة الدّين، فتجمع بين الخلفيّات والثّقافات المتعدّدة. وقد نجحت في جعل العبريّة لغة المستوطنين الجدد، عن طريق غسيلٍ لغويّ قاسٍ، سهّل من عمليّة الاندماج الاستعماري، لكنّ نتائجه ما زالت قيد الانجلاء، رُبَّ مُبَلبلة.

"القادمون الجدد" لا يتكلّمون العبريّة
في الموجة الرّابعة (1924-1928) والخامسة (1929-1939) من الهجرة اليهوديّة إلى فلسطين، واجه قادة الحركة الصّهيونيّة إشكالًا في دمج "القادمين الجدد" داخل المستوطنات الزّراعيّة. غالبيّتهم كانوا أوروبّيين من أصحاب رؤوس الأموال والطّبقة الوسطى الذين افتقروا إلى المعرفة بالزّراعة، كما الرّباط مع الثّقافة اليهوديّة واللّغة العبريّة. فحتّى بعد استيطانهم في فلسطين، ظلّت اللّغات والثّقافة الأوروبّيّة تربطهم مع الخارج. (عام 1943 كان هنالك قرابة 300,000 شخص من سكّان المجتمع اليهودي في فلسطين ممّن لا يتكلّمون اللّغة العبريّة بطلاقة). كانت القدس، مثلًا، تحوي عددًا كبيرًا من اللّغات داخل المجتمع اليهودي، من بينها الإسبانيّة والعربيّة (بلهجاتها الفلسطينيّة والمغربيّة وغيرها) والشّرق أوروبّية، كالييديش، التي تمزج ما بين العبريّة والألمانيّة. فآثر سكّانها التّكلّم بلهجاتهم ولغاتهم الأمّ على العبريّة، والّتي كانت تعتبر لغة الدّين لا غير - لغة قديمة ولا محلّ لها من التّعامل اليومي. أيّ، تمسّكوا بجذورهم الأوروبّيّة والعربيّة، وبالتّالي لم يتماثلوا مع فكرة المستوطن اليهودي المثالي المرسومة في خيال قادة الحركة الصّهيونيّة.
الأسرى.. معركةٌ مستمرة
عيون الأسرى فوتوغرافية
حسن ياسر حسن كراجةالملحق كانون الأول 2014
صباح يوم الزيارة، بدأت كالعادة بتجهيز نفسي لاستقبال أمي في السجن. جميع الأسرى يتوقعون زيارات أهاليهم لهم في اليوم ذاته، ننتظر رؤية الأهل وسماع الأخبار، وننتظر ما يجلبه لنا الأهل من دخان أو مصروف أو صور. الصور والأخبار تمثّل بالنسبة إلى الغالبية أهمّ ما يمكن حمله إليها. فالمال والدخان، سوف يتم استهلاكها. وزيارة الأهل مدتها محدودة، 45 دقيقة وتنتهي. وبسبب نسيان غالبية تلك الأخبار في ظلّ الحياة اليومية للأسير، ترى الصور وحدها هي التي سترافقه حتى نهاية المدّة الاعتقالية، طالت أم قصرت.
في ذلك اليوم، أمي "حبيبتي" جلبت لي معها كل ما أحتاجه من حنان أولاً، وحاجيات تالياً، ومجموعة الصور التي سرقت منها نظرة سريعة قبل أن ينقلها السجّان من قاعة الزائرين إلى قاعة الأسرى، نظرةً أكحّل عيوني بها، بعد الكحل الذي زيّن العين مع رؤية الأم الغالية. انتهت الزيارة.
عدنا إلى الزنازين، وذهب كلّ منا للاستلقاء على سريره. كلٌّ يغمض الجفنين، ليحافظ قدر المستطاع على صورة الزائر/ة في عيونه، ويحفظ في ذاكرته كل ما جرى خلال الزيارة. وهي وظيفة تحترفها الصور، أكثر من العيون ومن الذاكرة. تنقضي هذه الحالة التي تصيب كلّ أسيرٍ بعد الزيارة، بمجرد حدوث أيّ مستجد داخل السجن أو الزنزانة أو مع الأسير نفسه. بدأتُ بتقليب الصور التي جلبتها الأم، للتدقيق في تفاصيلها، عارفاً قيمتها... فالصورة تعبّر - فعلياً في حالنا - عن ألف كلمة.
ينتظرون إلى ما لا نهاية.. والفرح لا يأتي
خالد فرّاجالملحق كانون الأول 2014
في ذروة إضراب أخي وصديقي عبد الرازق ورفاقه الإداريين عن الطعام صيف هذا العام، عملتُ مع أصدقاء لي من الإعلاميين والقانونيين في فلسطين والولايات المتحدة ولبنان ومصر على متابعة قضية الإضراب على مستويين: الأول إعلاميّ، بهدف ايصال رسالة إلى العالم مفادها أن معتقلي رأي فلسطينيين يخوضون إضراباً مفتوحاً عن الطعام وأن مطالبهم سياسية وقانونية؛ والثاني قانونيّ، بهدف مناصرتهم في مؤسسات حقوق الإنسان العربية والدولية، بالإضافة إلى تمثيلهم في المحاكم الإسرائيلية، بما يلبّي هدفاً ثالثاً مضمونه أنهم ليسوا وحدهم في هذه المواجهة.
نجحنا ولو بعض الشيء في تداول قضيتهم عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، كما تمكّن العديد من المحامين من زيارتهم في أثناء الإضراب، ومتابعة قضيتهم في المحاكم العسكرية الإسرائيلية. كذلك، تعاملت "منظمة العفو الدولية" وغيرها من المؤسسات الحقوقية العالمية مع القضية وتبعاتها. لم اكتب، في تلك الفترة، عن شقيقي وصديقي عبد الرازق المضرب عن الطعام، وآثرتُ أن أنشط للحديث عن عدم قانونية الاعتقال الإداري الذي ورثته دولة الاحتلال عن دولة استعمارية أُخرى (المملكة المتحدة) كقانون طوارئ يفتقد أية صفة قانونية محترمة، ويفتقد أيضاً أية قيمة أخلاقية ممكنة.
نظريـــــاً
قراءة مكانيّة للهويّة الإسرائيليّة
عبد الله البيّاري
الملحق كانون الأول 2014
المكان له مفاتيحه الأساسية كالاتجاه والمساحة والشكل والنمط والمسافة والبنية، إلا أن التجارب الذاتية الهوياتية (فرادى وجماعات) بوسعها أن تهندس إدراكنا وخيالنا وتعاملنا معه. ما أدّى إلى إنتاج أمكنة وخرائط في الذهن، لا تقلّ واقعيةً عن تلك الواقعية، وهو ما كان منوطًا بالخرائط كأداة إمبريالية، تضع الأماكن ضمن تصور خرائطي/مكاني تؤسس له عين الإمبريالي، حيث لا يمكن لتلك العين أن تدرك المكان وتتعامل معه بمعزل عن زمنيتها الحداثية الخاصة بها، والتي ارتأت لنفسها الحق في ادعاء تشكيل واستغلال "المكان" كما تريد، بدوافع حداثية: كاكتشافه علميًا وتصنيف سكانه، ونشر الدين فيه والتقانة وغيرها. وهنا لا بد لنا أن نعود إلى مواريث الاستشراق في إدراك فلسطين – كغيرها - مكانيًا ورسمها في المخيال الغربي أولًا واليهودي ثانيًا، لجعلها مكانًا هوياتيًا غير محايد وغير موضوعي.

"عذرية الأرض"، مثلاً
السكان الأصلانيون (الهنود) في ما تسمى بالولايات المتحدة الأميركية، اليوم، لا يملكون إزاء المكان (الجغرافي) التصور نفسه الذي امتلكه المستوطنون البيض. ولذا، فإن اتفاقيات "الأراضي" بين الجماعتين قامت على مفهومين مغايرين للمكان ذاته. فإذا كان المستوطنون البيض قد صبوا زمنهم في هذا المكان، والزمن ها هنا بالنسبة إليهم زمن الحداثة البيضاء، والرأسمالية والذكورة/الفحولة الفوقية الثيولوجية أيضًا، فإن المكان اتسع ولو بدرجات مغايرة سردية أخرى موازية بل وأقدم، مثلتها زمنيته الخاصة لسكانه الأصلانيين، في مقابل تلك الآتية مع القادم الأبيض (لا يذكر السرد الاستكشافي والأنثروبولوجي الأبيض ولا حتى علم الخرائط، أنّ سكّان أميركا الأصليين كان لديهم معمار مميز ومتقدم، ناهيك عن منظومة قضائية، بل صَوَّرهم باعتبارهم أشباه عراة متخلفين، يسكنون خيامًا). فمقولة "عذرية الأرض"، مثالًا، هي مقولة تُخضع المكان لنوع من السلطة الجنوسية، حيث يبدأ وجود المكان/الأرض/الجغرافيا فعليًا من لحظة التلقيح/التزاوج الذكوري مع الرجل/الذكر الأبيض، أي زمن الذكر/الفحل هو اللحظة التي يأخذ فيها المكان وجوده ومعناه، بانتهاء عذريته، وتلك المقولة لا تختلف عن مقولة "أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض".
هذه الثورةُ لي.. 27 عاماً على الانتفاضة الأولى (8 – 12 – 1987)
الطريق إلى الانتفاضة
د. علاء العزّةالملحق كانون الأول 2014
في نصّه المعنون "كيف يمكن القول إن الثوار انتصروا؟"، يقول المفكّر والمناضل العالم-ثالثي المناهض للاستعمار إقبال أحمد إن المهمة المركزية للثوار والثورة ليست عملية القتال الفعال أو الانتصار العسكري على الدولة الاستعمارية، بل خلق إدارة بديلة للسلطة الاستعمارية. إن عملية بناء الإدارة البديلة تتطلب إسقاط مجمل آليات السيطرة التي تقوم بها الإدارة الاستعمارية، وإقامة سلطة جديدة لإدارة المجتمع المستعمر، وإعادة تصويب مساره باتجاه عملية مقاومة ممنجهة تسلب الشرعية من سلطة الاستعمار أو تفقده قدرة السيطرة على المستعمرين وضبطهم.
ما يقوله أحمد، في الواقع، هو جوهر ما قامت عليه الانتفاضة الفلسطينية الكبرى في ثمانينيات القرن الماضي. من الصعب على المؤرخ أو الباحث الأنثربولوجي تحديد نقطة القطع التي ساهمت في عملية الانتقال من قبول الواقع الاستعماري إلى رفضه وتجاوزه أو بناء سلطة بديلة، كما يشير أحمد.. إلا أن دارسي المجتمع الفلسطيني تحت الاحتلال يؤشرون إلى مجموعة من التحولات الاجتماعية - السياسية التي عملت على تشكيل واقعٍ ساهم في عملية الانفكاك من هيمنة السلطة الاستعمارية.
الساعة، والاستعمار!
د. علاء العزّةالملحق كانون الأول 2014
في بيان "القيادة الوطنية الموحدة" رقم (38) بتاريخ 14/3/1989، أعلنت القيادة الموحدة عن بدء التوقيت الصيفي، في خطوة رمزية لمعاكسة توقيت دولة الاحتلال الذي كان ليبدأ توقيته الصيفي بعد شهرٍ تقريباً من ذلك. كانت تلك خطوة قمّة في البلاغة الرمزيّة، ساعة الاحتلال تكسر وترمى، لنا ساعتنا الخاصة، نفتح محالنا التجارية ونذهب إلى مدارسنا تبعاً لتوقيتنا لا لوقتكم. أصبحت الساعة موقعاً للمقاومة.
أنا كنت قد حصلت على أول ساعة يد في حياتي هديةً من والدي. كانت من البلاستيك، ومصنوعة في الصين. كتب عليها إنها مضادة للماء، تلك الجملة التي كنت أتباهى أمام أصدقائي بها، رغم أن الساعة مصنوعة لمن يريد السباحة. كنت أعدها بأن تكون رفيقتي، عندما نحصل على بحر بعدما نتحرّر. (مع بداية الانتفاضة، جاء صحافي أجنبيّ إلى المخيم، ولأني كنت أعرف بعض الجمل بالإنكليزية، أحضره أصدقائي لي كي أحدثه. سألني: لماذا تشارك في رمي الحجارة؟ أجبت بأني أريد بحراً. وبعد التحرير، سيكون عندنا بحر).
ساعتي البلاستيكية لم تعمّر طويلاً. وبعد بيان "القيادة الموحدة"، صار الجنود المنتشرون في الشوارع يوقفون أيّ شخص ويسألونه عن الوقت. فإذا كانت ساعته مضبوطة على توقيت فلسطين، كان الجنود يوسعونه ضرباً وتنكيلاً. أنا ضبطت ساعتي كما أصدقائي على توقيت فلسطين. ولأتجنب الجنود، قرّرت أن أقطع حزام الساعة وأبقيها في جيبي. ساعة الحرية في جيبي، أراقب دقاتها وأضبطبها، كما قال لي البيان الذي كتبه مجهول ووزعه مجهول في الليل. بيان حدّد لي ولجيلي ماذا نفعل، وأعطانا الأمل بزمنٍ لااستعماريّ.
الدهس، لما ظهر كسلاح:
غزّة أطلقته.. وتروي حكايته
غزّة - جهاد أبو مصطفى
الملحق كانون الأول 2014
ما أن وصل الخبر أهالي الشهداء، حتى اندلع بركان الغضب الشعبي صباح اليوم التالي من مخيم "جباليا" في شمال قطاع غزّة، حيث يقطن أهالي أولئك الضحايا. وامتد بركان الثورة والغضب ليشمل قطاع غزة برمّته، وترددت أصداؤه أيضاً في الضفّة الغربية المحتلّة، إثر تشييع جنازة الشهداء الأربعة. أتى ردّ الفعل الإسرائيلي عنيفاً إزاء هذه الأحداث، فقد حشدت إسرائيل آلة الحرب العسكرية بكامل إمكاناتها وأسلحتها في مواجهة جموع المتظاهرين الغاضبة. استشهد وأصيب في ذلك اليوم كثيرٌ من المواطنين، وفرضت سلطات الاحتلال نظام منع التجول على بلدة ومخيم "جباليا"، وبعض الأحياء في قطاع غزّة.

أقفلَتِ المدينةُ أبوابَها
سُميّت الانتفاضة باسمَيّ "انتفاضة الحجارة" و"انتفاضة المساجد"، لأن الحجارة كانت الأداة الرئيسية فيها، ولأن شرارتها الأولى انطلقت من المساجد في قطاع غزة. استمرت الأحداث وتصاعدت يوماً بعد يوم، وكان الفلسطينيّون يستخدمون أسلحة بسيطة لا تتعدّى الحجارة والزجاجات الفارغة وقنابل المولوتوف وأحقيتهم الصلبة في مواجهة جنود الاحتلال المُدجّجين بالسلاح.
مواجهاتٌ حيّة وحقيقية، فأُغلقت المدينة تماماً. أوصدت الطرق بالمتاريس، وتوقفت الدراسة في جميع المدارس والجامعات. انتشر الدمار، وتصاعدت ألسنة النيران والدخان لتغطي سماء القطاع. فاضت الشوارع بالحطام، وانطلق المتظاهرون يرفعون الأعلام الفلسطينية وصور الشهداء، وقد تعالت هتافاتهم المندّدة بالاحتلال وأساليبه الوحشية والقمعية.
هذه الهبّة المقدسية اليوم..
القدس- عبد الرؤوف أرناؤوطالملحق كانون الأول 2014
يجد هذا التشبيه مكاناً له على أرض الواقع: خروج الشبّان إلى الشوارع ملثّمين، إغلاق هذه الشوارع بحاويات القمامة الكبيرة، رشق قوات الاحتلال بالحجارة والزجاجات الفارغة والحارقة، ... كلها مظاهر اعتاد عليها الفلسطينيون في مدينة القدس لسنواتٍ في إطار استذكار ما يطلقون عليه اسم: "انتفاضة الحجارة".
غير أن سنوات طويلة مرّت منذ ذلك الحين. وخلالها، استُحدثت أدوات جديدة للانتفاضة فلسطينياً، وأدوات جديدة لقمعها إسرائيلياً.

جدرانٌ جديدة افتراضية
شعارات الجدران، التي كانت جزءاً لا يتجزأ من الإنتفاضة الأولى، غابت. استبدلت بالتعليقات على جدران صفحات "فايسبوك". وبيانات الانتفاضة الطويلة نسبياً، استبدلت بتغريداتٍ قصيرة على شبكة "تويتر". أما صور المواجهات التي كان يتوق الفلسطينيون لمتابعتها على شاشات التلفاز فقد باتت متاحة على صفحات "يوتيوب".
تحوّل الكثير من الشابات والشبان الفلسطينيين بأجهزتهم الخلوية الذكية إلى صحافيين متنقلين، يصوّرون المواجهات ويبثونها مباشرة على صفحاتهم في وسائل التواصل الاجتماعي، ويعتبرون ذلك جزءاً من الهبّة الجماهيرية.
لم يصدر ولو بيان واحد للقيادة الموحدة للانتفاضة، التي كان الفلسطينيون ينتظرون، بصبرٍ كبير، الاستماع إلى توجيهاتها عبر إذاعة "مونتي كارلو"، أو بنسختها الورقية التي كان يوزعها ملثمون في ساعات الليل.
في المقابل، برزت قيادات شبابية على شبكات التواصل الاجتماعي، أحياناً بأسماء مستعارة وأحياناً بأسماء صريحة، توجّه الشارع إلى مواقع الاشتباك مع الاحتلال أو تنقل الرواية الفلسطينية لأحداث ميدانية. لقطات الفيديو القصيرة على "يوتيوب" أو الصور على "انستغرام" لعمليات قمع شابات وشبان فلسطينيين، كانت كفيلة في كلّ مرة بتحريك الشارع من جديد.
الرحلة السريالية من القدس إلى السجن!
رام الله - خالد حورانيالملحق كانون الأول 2014
نعم، كنت متردّداً. هل أراجع دفاتري القديمة، واختار منها نصّاً عن الانتفاضة الأولى كتبته في حينها؟ أم أكتب نصّاً جديداً من الذاكرة، ولكن أين هي الدفاتر وأين منها الذاكرة‫؟
إن بعض القصص والحكايات التي كنا نتداولها شفاهة ونستمتع بها مرات بسبب طرافتها أو بسبب البهارات التي نضيفها ويضيفها الزمن عليها، تستحق أن تروى.. وهذه واحدة منها.

قصّة الباص والتفاحات الحمراء
الأحد، تشرين الأول ١٩٨٩، في باب الزاوية - مركز مدينة الخليل، لم يكن يوماً عادياً، إذ كانت تقف الحافلة التي تقلّ المسافرين إلى القدس عند ناصية المكتبة، بعدما أُغلق كراج الباصات القريب من البلدة القديمة والدبويا بسبب الاستيطان وتمدّده. تم نقل الكراج برمّته إلى منطقة وادي التفاح، البعيدة نسبياً عن حركة الناس. والحال كانت أن تأتي حافلة واحدة كل ساعة لتحميل الركاب من وسط المدينة المكتظّ، ثم تنطلق إلى وجهتها.
اشتعلت في هذه الأثناء مواجهة مفاجأة بين بعض الشبان وجيب عسكري إسرئيلي كان يعبر شارع الشلالة باتجاه الباب، وقد كان الجنود فيه يجاهدون للخروج من أزمة السير بينما تنهال عليهم الحجارة من الأزقة والأـسطح الملاصقة‫. وبينما يجيبون على الحجارة بالرصاص المطاطي وقنابل الغاز المسيل للدموع، احتمى الجنود حينها بمحطة بنزين مجاورة. وفي لحظاتٍ، تحوّل مركز المدينة، وبلا أية مقدمات، إلى ما يشبه ساحة حرب‫.
الإنتفاضة وتأثيراتها المتناقضة على النساء والحركة النسوية
د. إصلاح جادالملحق كانون الأول 2014
فوجئ كثير من المراقبين مع اندلاع الأحداث التي فجرت الانتفاضة في 9 كانون الأول عام 1987 بصور المرأة الفلسطينية كمشاركة وبقوة في الأحداث. (..) لم يكن الدور السياسي المباشر الذي قامت به المرأة جديداً عليها خاصة في حالات المدّ الوطني. ولكن ما كان جديداً قد يكون حجم هذا الدور وتنوع أشكاله، حيث ظهرت النساء في شوارع المدن والقرى والمخيمات، وشاركت في الأحداث من كل الخلفيات الاجتماعية والفئات العمرية، ألقين الحجارة على جنود الاحتلال، وأقمن الحواجز على الطرق ورفعن الأعلام الفلسطينية، وحرقن الإطارات، كما حمين بأجسادهن المتظاهرين من الاعتقال. وقد تصعدت وتكاثفت تلك الأنشطة بين النساء في الأحياء الفقيرة في المدن كذلك في القرى والمخيمات.
وبالرغم من بعض المواجهات العنيفة، وكما دور النساء بشكل عام يتمحور حول أشكال مقاومة سلمية، نظّمت عدد من النساء تظاهرات احتجاجية من دون إلقاء حجارة على الجيش لتجنب المواجهات الدموية، علما أن ذلك لم ينجح دائماً. مع اتساع حجم مقاومة الشعب، صعدت قوات الاحتلال من قمعها سواء بزيادة عدد القتلى والجرحى وإغلاق المدارس في الضفة الغربية في شباط 1988 ملقية بثلاثمئة ألف طفل في الشوارع. وبادرت النساء إلى تنظيم صفوف منزلية لكثير من الأطفال، وساهمن بقوة في تشكيل لجان شعبية لهذا الغرض. كذلك، عندما تم عزل المدن الرئيسية بعضها عن بعض، وعزل القرى عن المدن، تم إطلاق شعار الاعتماد على الذات، وهو ما استلزم العودة لاستخدام طرق قديمة لتخزين الأطعمة وزراعة الأرض قامت بها أساساً النساء. ونشط الآلاف من النساء في حملات مقاطعة للبضائع الإسرائيلية ومراقبة عدم استهلاكها.
مطلوب: 18 بقرة لإنعاش الشعب
علاء حليحلالملحق كانون الأول 2014
لو دقّق المرء قليلاً، فسيرى أنّ شريط "المطلوبون الـ 18" لعامر الشوملي، يتشارك في إحدى ثيماته الأساسيّة مع شريط "سينما باراديسو" لجوزيبي تورناتوري: العودة إلى الماضي الجميل من أجل قول شيء ما عن الراهن (الأقلّ جمالاً). في "براديسو"، يستخدم تورناتوري موضوع سينما القرية القديمة مكانًا وفضاءً تُروى من خلاله قصّة الماضي وانعكاسه في الرّاهن، فيما يستخدم الشوملي موضوع البقرات الـ18 وقصّتها في بيت ساحور إبان الانتفاضة الفلسطينيّة الأولى لرواية قصة الحلم الفلسطينيّ بانتفاضة شعبيّة وإرادة جماعيّة ومقاومة مدنيّة ناجعة ومُربكة للمحتلّ. ومع أنّ شريط "المطلوبون الـ18" مليء بلحظات الفرح والضحك والابتسام (حتى الحزين والأسود منها)، إلا أنه يبدأ في الصحراء وينتهي فيها. إنها الصحراء ذاتها التي نعيشها اليوم كفلسطينيّين، رغم أنّ الشوملي يُصرّ على التمسّك بالأمل والاستمرار بالبحث.

البقرات الناطقات
سيناريو "المطلوبون الـ18" (والأصحّ: المطلوبات الـ18!) من أفضل السيناريوهات المكتوبة لشريط فلسطينيّ والتي شاهدتها على الشاشة في السنوات الأخيرة. لقد نجح بول كوان بجدارة ومهنيّة عالية بتدعيم قصة الشوملي وبناء سيناريو مشوّق وغنيّ بالتفاصيل، رشيق وسلس، وفي الوقت ذاته عميق ومثير للمشاعر والانفعالات والتفكير. نصّ سينمائيّ نادر في قدرته على التقاط الأقوى والأذكى والأفضل لتطوّر الحبكة، ولا أذكر أنّ عينيَّ دمعتا في نهاية شريط سينمائيّ منذ زمن بعيد. "المطلوبون الـ18" شريط وثائقيّ/ تسجيليّ وفق تعريفه، إلا أنّه يجنح في الكثير من لحظاته وفي الانطباع العام الذي يتركه نحو النمط الروائيّ، وبالإمكان تصنيفه (بشكل عامّ وغير دقيق للغاية) تحت فئة "المُوكيُومِنتاري" (التوثيق الساخر). وتنبع قوة السيناريو أيضًا من أنسنة البقرات الـ18 والتعامل معهنّ بطبيعيّة كاملة ومن دون تكلّف أو مبالغة أو خجل من أنّ تلك البقرات هي في النهاية بقرات ناطقات، تمامًا كما في "كليلة ودُمنة" و"ألف ليلة وليلة". ولذلك، أنا أرى أنّ الجانر (Genre) الذي يُعبّر بأفضل شكل عن هذا الشريط هو جانر "الواقعيّة السحريّة"، وهو بهذا من الأفلام الفلسطينيّة النادرة التي تتّخذ هذا المنحى. وبهذا المعنى، فإنّ الشوملي ينضمّ إلى إيليا سليمان الذي أبدع بدوره حتى الآن ثلاثيّته المتينة التي استندت في أساسها إلى هذا الجانر، وخاصّة "يد إلهيّة".
نبض الضفّة: وابلٌ من الحجارة!
رام الله – سائد أبو فرحة
الملحق كانون الأول 2014
قادت الانتفاضة إلى سلسلة تطورات، لعل أبرزها عقد مؤتمر مدريد (1991)، وتوقيع اتفاق أوسلو (1993)، أدّت بمجملها إلى الواقع الراهن. لكن الانتفاضة لها قصّتها الخاصة، قبل أن تصبح نتائج سياسية وحسابات خاسرة. هي قصة صنعها الفلسطينيون، بأجسادهم وبالحجارة.
اندلعت الانتفاضة بتاريخ 8-12-1987، وأسهمت في إحداث تعاطفٍ عالميّ لم يكن مسبوقاً حينها مع القضية الفلسطينية، من تجلياته أن أصبحت كلمة "انتفاضة" مصطلحاً معروفاً عالمياً، يرمز إلى كفاح الشعوب المقهورة حول العالم، وليس الشعب الفلسطيني فحسب.
في الانتفاضة الأولى، استشهد حوالي 1300 مواطن فلسطيني على أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلي، مقابل سقوط نحو 160 قتيلاً إسرائيلياً على أيدي الفلسطينيين، فضلاً عن مقتل نحو ألف فلسطينيّ آخر على أيدي فلسطينيين أيضاً، بتهمة تعاونهم مع سلطات الاحتلال. ومن أغرب ما سجّلته الانتفاضة الأولى هو تفجرها العفوي: فوجئت به القيادة الفلسطينية، التي كانت في وضعٍ لا تحسد عليه حينذاك.

الضفّة عشيّة الانتفاضة
يذكر الشاب أمجد سلطان (40 عاماً - من سلفيت، وسط الضفّة) أن الأحوال في الضفّة والقطاع كانت هادئة قبل تفجر الانتفاضة: "فالعمال مثلاً كانوا يعملون داخل الخط الأخضر بلا تصاريح، وطلاب المدارس يذهبون في رحلات إلى مدن الداخل، مثل عكا، وحيفا، ويافا، وغيرها. وحتى منطقة "جبل الشيخ" بالقرب من الحدود مع لبنان وسوريا، كانوا يقصدونها من دون الحاجة إلى تصاريح".
ذكريات رجل قديم
منذر جوابرة
الملحق كانون الأول 2014
• مشهد ضباب

بعد حروب الردّة الثقيلة والمتأخرة في ثمانينيات القرن الماضي، اعتلت أبراج "الأنتين" رايات سوداء في المخيم، حداداً على أرواح الشهداء خارج الوطن، ذُبحوا حينها كالخراف، ولم يصلنا إلا الأخبار البسيطة، وبعض صرخات الأمهات التي شاهدناها على تلفزيون ليس وطنياً، بل من دولةٍ أخرى.

• مشهد غياب

ذاكرة فارغة ما بين 1982 ولغاية 1987.
الكل مُعرّض للمعركة راضياً أو مُجبراً، والدليل أن لا حقيبة تخلو من رأس البصل.

• مشهد الصف الخامس

مجموعة من الشباب الملثمين، طلاب في المدرسة، يخرجون يومياً لمواجهة المحتلّ بصدورهم، وما يثير اهتمام الطلاب أن امتحان اليوم مؤجل، وهي فرحة للذين لم يحفظوا الدروس جيداً.
يحملون حقائبهم ويهربون، بعضهم يعود إلى البيت برأس البصل الذي لم يُستعمل بعد، والبعض الآخر يهيم في الشوارع يستنشق الغاز المسيل للدموع، ويجري مقارنة بينه وبين البصل. علّه يأتي سؤالاً في امتحان الغد. أما البعض الأخير فيلتحق بالشباب ليشاركهم الغضب، ويجدّد دورته الدموية بالتبرّع بدمه للأرض.

• مشهد خيانة

تحايل على الأمهات، وبحث عن كوفية الأب المزركشة في سلّة الغسيل لسرقتها ووضعها في الحقيبة بين الكتب، والخروج مبكراً للمشاركة بإخراج الطلاب من المدرسة وليس الانتظار.
اختيار "زقة" صغيرة، عابروها قليلون، واعتمار الكوفية، والسير في مجموعةٍ تحاول أن تنظّم نفسها، وتضرب بأرجلها بقوةٍ على الأرض، كأنها جيشٌ جرّارٌ آتٍ لتحرير الطلاب من صفوفهم العفنة.
رمزي، أيقونة "الأمعري":
هذه يوميات الحجارة
رام الله - عماد الرجبيالملحق كانون الأول 2014
الجاكيت الحمراء
تظهر الصورة التي لم يعرف مصورها حتى الآن، الطفل رمزي وهو يرتدي بلوزة صوف وفوقها "جاكيت" ضيق أحمر اللون، ويحمل بيديه حجرين مستعداً لالقائهما على قوات الاحتلال الإسرائيلي.
هذه الصورة تحكي يوماً عنيفاً شهده المخيم، وسوءاً في الوضع الاقتصادي بسبب الهجرة. يقول رمزي لـ"السفير" إن جده كان يحدّثه دائماً عن منزلهم وأراضيهم في قرية النعاني التي هجّروا منها، وإنه لمّا رأى قوات الاحتلال أمام عينيه تقتحم المخيم، ربط بين الهجرة والاحتلال فما كان منه إلا أن انتفض ليطردهم من مكان إقامته في المخيم.
يتذكر "أيقونة الانتفاضة" أنه، يومها، كان في منزلهم المتواضع مع عائلته، وأصرّت جدته أن يرتدي "جاكيت" أحمر اللون وصغير الحجم كان جدّه قد جاءه به بعدما وجده في أحد الشوارع في أثناء عمله في بلدية البيرة.
ويتابع: "ذهبت بعد ذلك إلى وسط المخيم ووقفت وأصدقائي عند قهوة الـمعري حيث بدأت قوات الاحتلال باقتحام المخيم واطلاق القنابل المسيلة للدموع، في حين رد الشباب والاطفال بضرب الحجارة وإحراق إطارات السيارات لحجب الرؤية عن تلك القوات".
ويعلق أبو رضوان على الصورة بالقول: "في ذلك اليوم، عمّت التظاهرات الضفة الغربية، وطلع الشباب وولعوا عجال، وجاء الجيش وأطلقوا القنابل المسيلة للدموع، والأرض كانت وسخة وشحبار بسبب العجال والدخان عشان هيك ما كانت الصورة واضحة".
وبعد أشهر من ذلك اليوم، تفاجأ الطفل بقدوم أقرانه ومعهم مجلة "عبير"، وعلى غلافها صورته التي أصبحت رمزاً من رموز الإنتفاضة الأولى. حينها، انبهر وبدأ بتصفح المجلة، فوجد العديد من الصور له وللأطفال وشباب المخيم وهم يرشقون الاحتلال بالحجارة.
فنانو الأغنية الشعبية الوطنية:
إنها روح الانتفاضة الأولى!
جاد سمحانالملحق كانون الأول 2014
جلس الحضور ينتظرون دخول صاحب الكوفية. كان المسرح ممتلئاً عن بكرة أبيه. للرجل، برمزيته وحضوره وصوته وتاريخه، حكاية بدأت مع انطلاق ثورة الكفاح المسلح، وازداد الغرام بها يوم بدأت الانتفاضة. لحظات قليلة كان المسرح خلالها يهدأ حيناً ويستسلم للوتوتات أحياناً، ثم يدخل، ومن ورائه فرقة لامست قلوب الثائرين على مدار الثورة الفلسطينية. ولما أطّل على وقع "توتة الدار"، انقلب المسرح بركانا، وبدأ الجميع يغنون مع الراحل أبو عرب "هدي يا بحر هدي".
حكاية الغرام مع أبو عرب من جهة و"فرقة العاشقين" و"ترشحيا" وغيرها من الفرق الفلسطينية من جهة أخرى، بدأت بشكلٍ حقيقيّ مع اندلاع الانتفاضة الثانية في العام ١٩٨٧. لكنها لم تتوقف إطلاقا بل استمرت مع حناجر احمد قعبور وجوليا بطرس وسميح شقير، ثم واصلت مع صوت أبو نسرين وكاميليا جبران وثائر البرغوثي ووليد عبد السلام، وغيرهم من الأصوات ذات الأغاني التي عاشت معنا على مدار سنوات الانتفاضة، وكانت بمثابة البطارية التي كلما نفدت طاقتها، أعيد شحنها مجدداً، لتشحن بدورها طاقات المنتفضين، وهو أمر "لم يعد واقعياً في الزمن الحالي".
النسرُ والفهدُ والقيادة السياسية
رام الله – علي دراغمةالملحق كانون الأول 2014
نشأت لجان محلية داخل المخيمات عملت على تنظيم الغضب غير المسلح ضد الاحتلال الإسرائيلي المسلح، والشد من أزره والتقريب بين صفوفه وذلك عن طريق توفير المؤونة والتعليم والأدوية وباقي الخدمات الضرورية للمخيمات والمناطق التي يطبق فيها حظر التجول.
عملت هذه اللجان في البداية بشكل مستقل، ولكن سرعان ما توحدت في هيئة تضم "فتح" والجبهتين "الشعبية" و"الديموقراطية" وحزب "الشعب" الشيوعي، وكانت لهذه الهيئة علاقات تنظيمية مع "منظمة التحرير الفلسطينية" التي كانت حينئذ تتخذ من تونس مقراً رئيسياً لها.

الكفاح المسلّح
على الرغم من أن الانتفاضة عرفت بطابعها السلمي، فإن النشاط المسلح كان موجودا بنسبة 15 في المئة منها، وقد استهدف أساساً الجنود الإسرائيليين والمستوطنين والمتعاونين معهم.
تم إنشاء القوات الضاربة، بعد تكوّن "القيادة الوطنية الموحدة"، وكان أعضاء "فتح" و"الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" أول من تمت الاستعانة بهم. ومن ثم تشكل تنظيمي "الفهد الأسود" التابع لحركة "فتح" و"النسر الأحمر" التابع لـ"الجبهة الشعبية".
تمثّلت مهمة هذه القوات في تطبيق توصيات "القيادة الموحدة"، ومعاقبة من يبتعد عن نداءات الوطن. لكن تعدّد القوات المسلحة بعد ذلك لم يلق قبولاً من الجميع، وتمكن ملاحظة ذلك من خلال منشورات كل فصيل.
وشهدت الانتفاضة عدداً من العمليات ضد الأهداف الإسرائيلية، مثل عملية ديمونا في النقب (1988) حيث تمت مهاجمة حافلة تقل عاملين متوجهين إلى مفاعل ديمونة.
المستعربون
حسن صفديالملحق كانون الأول 2014
تشكّلت وحدات المستعربين مع بدء الهجرة الصهيونية إلى فلسطين، فقد كانت بمثابة رأس حربة لمنظمة "الهاجاناه" الصهيونية في اختراق المجتمع العربي الفلسطيني. عملت هذه الوحدات على اطلاع القيادة الصهيونية على المعلومات كافة حول القرى الفلسطينية وتعداد سكانها وطبيعة حياتهم، ووفّرت لها معلومات أخرى كثيرة تسهّل اختراق هذه القرى تمهيداً لتهجيرها. بعد إنشاء دولة الاحتلال إثر نكبة فلسطين في العام 1948، دمجت وحدات المستعربين في جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي "الشاباك" وجيش الاحتلال الإسرائيلي.

عن الوحدة
تمّ تفعيل الوحدة في العام 1988، لإخماد الانتفاضة الفلسطينية الأولى. ويقول أحد المستعربين الذين قابلتهم قناة "الجزيرة" في الوثائقي "الصندوق الأسود" في آذار 2014، إن وحدة المستعربين الخاصة أقيمت في نهاية العام 1988 وبدأت عملها في ذروة الانتفاضة الأولى، فيتجوّل عناصرها في المناطق الفلسطينية كافة متخفّين بزيّ مواطنين فلسطينيين مدنيّين في بعض الأحيان، وتراهم يظهرون بالزيّ الرسمي في أحيانٍ أخرى، ويتم الاختيار تبعاً للمهمة واحتياجاتها. راهناً، توجد وحدتان رئيسيتان من المستعربين، الأولى تدعى "دوفدوفان" وتعمل في الضفّة الغربية، والثانية "شمشون" وتعمل في قطاع غزّة.
كيف تقرأ مخابرات إسرائيل الانتفاضة الأولى
أنس أبو عرقوبالملحق كانون الأول 2014
كانت الانتفاضة الأولى، ولم تزل، محل خلافٍ سياسيّ وبحثيّ في إسرائيل، خصوصاً في ما يتعلّق بتساؤل: هل كان بالإمكان منع اندلاعها؟ وهل كان بمقدور الاجهزة الاستخبارية الإسرائيلية توقّعها؟ في خضم تلك السجالات، يبقى في الإمكان ملاحظة إجماعٍ بحثيّ وسياسيّ إسرائيليّ على أن انطلاقة الانتفاضة كانت أمراً عفوياً، وأنها اتخذت في بدايتها طابعاً شعبياً.
مع ذلك، تربط الأدبيات الإسرائيلية اندلاع الانتفاضة الأولى بتحرير أسرى ضمن صفقة جبريل في 20 أيار/مايو 1985، التي أدّت، بحسب يوفال ديسكين، الرئيس السابق لجهاز المخابرات الإسرائيلية "الشاباك"، إلى نمو قيادة جديدة وأكثر فاعلية في الضفة وغزة.

إسرائيل ترصد الأسباب
بموجب صفقة جبريل، أفرجت إسرائيل عن 1,150 أسيراً، جزء كبير منهم أطلق سراحه الى الضفّة وغزّة. وكان من بينهم الشيخ أحمد ياسين، مؤسس حركة "حماس"، وأسرى آخرون أصبحوا لاحقاً العمود الفقري للانتفاضة كما وصفهم زئيف شيف، المعلّق العسكري لصحيفة "هآرتس" العبرية في كتاب "الانتفاضة"، الذي شارك في إعداده المستشرق والصحافيّ الإسرائيلي الشهير يهودا يعاري.
أما العامل الآخر الذي تواظب الأدبيات الإسرائيلية على ذكره عند تفسير ظاهرة الانتفاضة الأولى فتختصره الأجواء الغاضبة التي نجمت عن معركة الشجاعية في غزّة في 6 أكتوبر عام 1987، والتي أسفرت عن استشهاد أربعة من نشطاء حركة "الجهاد الإسلامي" الذين هربوا من سجن غزّة المركزيّ، قبل عدّة شهور ونفذوا عدّة هجمات.
المقاومة المقبلة.. شعبية أم "فردية"؟
كفاح عبد الحليم
الملحق كانون الأول 2014
في ظل التصعيد الاسرائيلي الأخير وما تشهده المنطقة من عنف ككل، قد تبدو العمليات الفردية التي شهدتها البلاد مؤخراً على أيدي من وُصفوا بالمقاومين أو الفدائيين الجدد، وكأنها تبشّر بانتفاضةٍ ثالثة، ربما تكون قد بدأت كما يعتقد البعض. إلا أن هذه ليست المرة الأولى التي تظهر فيها مثل هذه العمليات الفردية، وقد شهدنا في العامين 2008 و2009 عمليات شبيهة استخدمت في حينها الجرّافات على غرار الاستخدام الأخير للمركبات. ولكن، وبغض النظر عن ذلك، فهذه العمليات تلحّ على الذهن كي يتعامل مع سؤال حول فكرة الانتفاضة، وأشكال المقاومة التي ستعتمدها وبالتالي تعرّف بها. فهل يسلّم الفلسطينيون نهائياً بعدم إمكانية الانتفاضة الشعبية، فتتقلص الانتفاضة حقاً وتدريجياً من انتفاضة شعب إلى انتفاضة فصائل، فانتفاضة أفراد؟

فراغ ثنائية العنف-اللاعنف
أثارت العمليات الأخيرة، وخاصةً عملية الكنيس في القدس، نقاشاً واسعاً بين الفلسطينيين، بيد أن هذا النقاش بمعظمه أظهر الكثير من البلبلة والخلط ما بين شرعية استخدام العنف ومدى أخلاقيته ونجاعته. وقد تكون هذه البلبلة مفهومة على خلفية حالة الانقسام التي يعيشها الفلسطينيون اليوم، وغياب الإجماع حول أساليب المقاومة المطلوبة (وليس الشرعية).
لحظة تحوّل الصورة، في الإعلام السائد الغربي
ريم عبد الحميد
الملحق كانون الأول 2014
صورة الفلسطيني قبل 1988
هيمنت صورة اللاجئين الفلسطينين "المغلوب على أمرهم" في الإعلام الغربي، خصوصاً بعد النكبة 1948، وهي صورة صامتة لا يرافقها سرد أسباب هذا اللجوء وقصصه، من وجهة نظر الفلسطينيين. ولم يستخدم الإعلام الغربي، بما فيه الأوروبي، مصطلح "فلسطيني" حتى الستينيات، إذ تمّت تسمية الفلسطينيين بـ"عرب فلسطين"، "العرب الفلسطينيين"، أو "السكّان العرب في فلسطين". تغيرت التسمية في 1960 إلى "الأردنيين" و"عرب إسرائيل".
على نقيض صورة الضحية، هيمنت على التغطية الإعلامية الغربية وخصوصا الأميركية في السبعينيات صورة "الإرهابي"، كما استخدم مصطلح "فدائي" بلا ترجمة. يقول إدوارد سعيد في مقاله عن الانتفاضة الأولى (1990): "على الرغم من حرية الصحافة، اقتصر الفلسطينينون على الإرهاب والتطرّف من دون تحديد دقيق أو مراجعة نقدية".
من جهتها، ميّزت صحيفة "لو موند" الفرنسية بين المقاتلين الفلسطينيين داخل فلسطين وخارجها. وسمّت العمليات داخل فلسطين بـ"المقاومة " فيما أدانت "بالإرهاب" باقي العمليات التي حدثت في الخارج. في المقابل، أصرّ الإعلام الأميركي على وصف الفلسطينيين "بالإرهابيين" حتى منذ ما قبل الانتفاضة الأولى. فمثلاً، نشرت مجلة "التايمز" في 14 أبريل 1980: "صورتهم (الفلسطينيين) الشائعة في الغرب: حشد من الإرهابيين واللاجئين". كما بنت إسرائيل على صورة "الإرهابي" لتقدّم روايات في إعلامها والإعلام الغربي مفادها أن الدول العربية والفلسطينيين "الإرهابيبن" يشكلون خطراً على وجود "اليهود" في دولتهم الصغيرة "المحاصرة بالأعداء".
بعد حرب 1967، لم تعد الرواية الإسرائيلية مقنعة مع هزيمة الجيوش العربية، ووصفها كـ"كفؤة وغير نظامية"، في المقابل وصف الجيش الإسرائيلي بالتفوق. هنا، بدأ الإعلام الغربي بمعالجة القضية الفلسطينية كمشكلة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وليس بين الدول العربية وإسرائيل، خصوصاً أن إسرائيل كانت تواجه شعباً أعزل هذه المرة، وليس جيوش الدول العربية.
المادة البصرية