| 

في شارع القُدس، في إحدى مفارقه الرئيسيَّة، والحافلَّة متوقِّفة، أنظرُ من النافذة لأرى حافلةً أخرى تقفُ في وسطِ الشارع، وأخرى إلى يمينها تقفُ بالعرضِ مغلقةً أحد المنافذ أمام السيَّارات الآتية من الاتجاه المعاكس. الجَميعُ يصرخُ على الجميع، الجَميعُ في حيرةٍ من أمرهم، الركَّاب يتململون في مقاعدهم، وجوهٌ من النوافذ للسيَّارات الأخرى مستاءة، وأخرى لا تهتم، تنظرُ بتعاسةٍ لامباليَة إلى الأزمة المروريَّة الخانقة التي افتعلتها إحدى السيَّارات أو ربَّما أكثر من سيَّارة واحدة لأنَّها أرادت القَفز فوقَ الوقت أو القانون أو الإثنين معاً. السائق يقول: "عرب! شو بدّك تعمل!"، يردُّ الآخر: "ولا شي، خليها على الله". ويتمتمُ السائق في سرِّه: "عرب! والله عرب". وتستمرُّ الأزمة المروريَّة لمدة نصف ساعة بعدما تكاثرت السيَّارات فوق بعضها البعض وامتدّت الأزمة لتشمل مفارق أخرى في وسط الشارع ونهايته.
لَم يَكن ممكناً في صلب هذا المشهد سوى التفكير في الوقت، في الزمَن حين يتوقَّف، حين تتعارضُ عناصرُ الزمن مع بعضها لتخلق توقَّفاً في هذا الزمَن لا يُنتج شيئاً سِوى الدوران في المكان ذاته على مدى طويل، أو جموداً مع لاشيء. ولَم يكن ممكناً سوى التفكير في الزمن الفلسطيني، لما توقَّف منذُ عشرين عاماً توقّفاً تاماً مع التوقيع بالأحرف الأولى على اتفاقيَّة أوسلو، وأعلنَ الجَميع أنَّ السَلام قد عمَّ في المنطقة التي لَم تعرف السلام يوماً. وكان يقفُ هناك، فلسطينيّ، وآخرٌ صهيونيّ، وكان الصهيوني حينها بلا نوم منذ عشرات السنين في حديقته الاستعماريَّة، قلقاً من الزوال وقلقاً من المجزرة المؤجَّلة والرحيل الآخر. كان زمَنهُ يفتقرُ إلى الاعتراف، وكان سعيداً جداً بذلك الاعتراف أخيراً من قبل المُستعمَر، "دولةٌ" مشوَّهة ستنشأ على أنقاضِ جثثهم.
"إنَّها إشارةٌ جيِّدة، هُو توقَّف عن البُكاء وأنتَ أخذت مكانه"، يَقول صموئيل بيكيت على لسانِ إحدى شخصيَّات مسرحيَّته الشهيرة "في انتظار غودو". ويبدو الأمر ذاته هنا، لقد توقَّف الصُهيوني عن القلق من الزوال، وحمَل الفلسطينيُّ معه سُلطته المشكوكُ فيها إلى رام الله ومعها قلقه من الزوال. ومنذ تلك اللحظة، توقَّف الزمنُ الفلسطيني الذي كان قد بدأ في صباح العِشرين من تشرين الثاني في العام 1935 كفاحهُ المسلَّح على يد الشيخ عزّ الدين القسام ورفاقه في يعبد، وبدأ الزمَن الصهيوني يستكمل ملامح مشروعه الاستعماري بنموذج جديد من التعاون ما بين الاستعمار وفئة متعاونة مع الاستعمار "قلقة"، كما حالُها دائماً، من الزوال.

الفخّ الاقتصاديّ
منذ انتهاء الانتفاضَة الثانيَة، وبداية تشكّل العقيدة الأمنيَّة السياسيَّة الإقتصاديَّة للسلطة الفلسطينيَّة في الضفَّة الغربيَّة، يعلن رئيس السُلطة محمود عبَاس مراراً وتكراراً أنَّ زمَن الانتفاضَة قد ولَّى وأنَّه سيحرصُ على أن يظلّ هذا الزمن محتجزاً في الذاكرة الفلسطينيَّة. كان شبحُ الانتفاضة، الكفاحُ المسلِّح، العنفُ الثَوري، هُو الشبحُ الذي يهدِّدُ استقرار مجتمع أوسلو والاستعمار. وقد عبَّر هذا الشبح عن نفسه مراراً منذُ توقيع أوسلو، واتَّخذ عاصمةً لنفسه في قطاع غزَّة، حيثُ تمَّ تكريس هذا القطاع لتعزيز المقاومة المسلَّحة. أمَّا في الضفَّة الغربيَّة، ومنذُ انتهاء الانتفاضَة الثانيَة وتشكُّل هذه العقيدة بصورة جذريَّة حتَّى أصبحَت ما هي عليه الآن، فقد عاد أكتوبر ليعيد هذا شبحَ الكفاح المسلِّح والعنف الثَوري إلى الواجهة.
لَيست السُلطة الفلسطينيَّة وحدها هي التي ورثت قلق الزوال الصهيوني. فكما أيُّ سلطة، تشكَّل مجتمع أوسلو على أسس أوسلو ذاتها: نبذُ العنف، والتطلُّع نحو مستقبل من السلام الاقتصاديّ مع الاستعمار الصهيونيّ. وكلَّما كانَ الوقتُ يمرُّ منذُ أوسلو، كان المعجمُ اللغوي الفلسطيني المستخدم من قبل بعض الفصائل، المجتمع المدني، الكتَّاب والمثقَّفين، الإعلام الفلسطيني، والكثير من الأطراف والفاعلين في المجتمع الفلسطيني، ينقص حرفاً ويمحوه من كلمتيَّ الكفاح المسلَّح، حتى أصبحت بعض الكلمات تشكِّل إحراجاً حقيقياً للبعض، ويندرُ استخدامها. بَل وربّما أصبحت ثقيلةً على اللسان الفلسطيني الرسمي وغير الرسمي، مثل: الكيان الصهيوني، الاستعمار الصهيوني، الكفاح المسلَّح، الثَورة، الانتفاضة المسلَّحة.
منذُ هبَّة أوكتوبر الأخيرة وحتَّى اللحظة، بدا واضحاً تماماً، كما كان الأمرُ منذُ فترةٍ طويلة، أنَّ الجميع يقفُ على مسافةٍ صفريَّةٍ واحدة من عدم الإقدام على أيِّ فعلٍ سياسيّ أو ثوريّ، حتَّى من جانب الفصائل المقاومة. إنَّ حالةً من الكآبة السياسيَّة، التي تختلف أسبابها من طرفٍ لآخر، لا تخفى على أيّ مراقب للساحة السياسيَّة الفلسطينيَّة. ويبدو أنَّ الزمَن الفلسطيني لَم يعد يدور في مكانه على قدمٍ واحدة، بَل صار جامداً. إنَّ الجَميع يراقب ويكتفي بتلك التعبيرات التي تصف "العنجهيَّة الإسرائيليَّة"، من دون الإقدام على أيّ فعلٍ سياسيّ أو ثوريّ على مستوى الاندماج بهذا الحراك الشبابي، أو لجهة وجود "السلطة الفلسطينيَّة". هذا الجمود، ينبعُ من اعتقاد الجميع بأنَّ الإقدام على أيّ فعلٍ الآن هو بمثابة إمَّا انتحار سياسي أو قلب الطاولة على الجميع، وهو بالذات ما يبدو واضحاً أنَّ لا أحدَ يرغبُ بحدوثه.
إنَّ أخر ما يريد وقوعه الفاعلون السياسيون الفلسطينيون هو العنف الثوريّ. ما حصل منذ العام 2007 تقريباً، أي منذ استقدام النموذج النيوليبرالي إلى فلسطين على يد مجموعة من الخبراء والسياسيين الفلسطينيين والدوليين، لَم يهدف فقط إلى مجرَّد القضاء أمنياً على المقاومة، بَل هدفَ إلى خلق مجتمعٍ رأسماليّ. ومن حيثُ هو رأسمالي فهو مجتمع متفكك، متعارض في مصالحه وأهدافه. لكلّ قطاعٍ خاصٍ أم عامٍ، فرديّ أم جماعيّ، مصلحة تتعارض مع مصالح القطاعات الأخرى، مجتمع تُصبح فيه المنافسَة والمصلحيَّة أسسه الراسخة في التعامل مع القضايا الفرديَّة والجماعيَّة. والعنف الثوري هنا، لا يتعارض فقط مع هذه المصالح، بل هو يتناقض جوهرياً معها إذ يستهدف في جوهره تدمير هذه القطاعات النيوليبراليَّة التي تتناقض مع طبيعة مجتمع يتبنّى الكفاح المسلَّح والعنف الثوري كسبل للتحرُّر من الاستعمار. ومن المهم القول إنَّ هذه القطاعات لا تمثّل فقط أفراداً، بَل هي تمثّل قطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني، من موظَّفين ومستفيدين. نحنُ أمام فخّ اقتصادي أمني، حيثُ التحرُّر من الاستعمار يتناقض مع أسلوب الحياة الرأسمالي الحديث للكثير من الفلسطينيين.

المعادلة الأمنيّة:
النقد كسقفٍ "ثوريّ"

في قلب هذا كلّه، هناك أبناء دايتون الأمنيِّين، الذين نضجوا وأصبحوا قادرين على تطبيق أساليب السيطرة الأمنيَّة الحديثة في ظلّ مجتمعٍ ليبراليّ رأسماليّ مشوَّه كالمجتمع الفلسطينيّ. تعمل الأجهزة الأمنيَّة الفلسطينيَّة من خلال مجموعة من الضبَّاط المتدرِّبين والدارسين للأساليب الأمنيَّة الحديثة في السيطرة والضبط الأمنيّ، على التحكُّم بالمجتمع الفلسطيني، وخصوصاً الشباب الفلسطيني، بطرق يبدو أنَّها غاية في الذكاء. حين ننظر إلى الفضاء العام الفلسطينيّ، وخاصة الإلكترونيّ، لا بدَّ أن نجد الأجهزة الأمنيَّة لا تقوم بما قد يسمَّى الاعتقال العشوائي لكلّ من يتطاول أو يشتم مسؤولين سياسيين وغيرهم. يبدو أنّ هناك معياراً تعمل من خلاله هذ الأجهزة، وتحدّد متى ومن يمكن اعتقاله /ا، ولأيّ فترة يتمّ الاعتقال. حتَّى تلك الحوادث الأمنيَّة التي يتم فيها اعتقال أفراد على خلفية قدح بالمسؤولين ثم يتم إطلاق سراحهم، هي تكريس لهؤلاء المسؤولين كواجهات للسخرية من السلطة: تكون الأجهزة الأمنيَّة في ذروة السيطرة الأمنيَّة على الفرد الفلسطيني من خلال السَماح بالتعبير عن الرأي والسخرية والقذف والشتم، في مقابل سلبه /ا الفعل الحقيقي الذي يشكّل جوهر العنف الثوري، ألا وهو الكفاح المسلَّح. سلب هذا الفعل من الفرد يأتي في مقابل تكريس السخرية والكتابة وغيرها من الممارسات النقدية كأمورٍ مسموحة قد تغضب الأجهزة من حين إلى حين.
إنَّ ما عفى عليه الزمن هو بالٍ وعتيق، وفي بعض الأحيان هو ضار. ويبدو واضحاً أنّ الضفَّة الغربيَّة تضجُّ بتلك الأجهزة والمؤسسات والأحزاب الباليَة والعتيقة والضارَّة جداً في بعض الأحيان. لقد ضجَّت وسائل الإعلام منذُ أكتوبر وحتَّى الآن بالحديث عن انتفاضة القدس، وقد أشعلَت الوعي الفلسطيني بقضايا بثت فيه الأساطير والخرافات والخوف والبُؤس. إنَّ الوعي الفلسطيني اليوم هو في أغلبه مشكَّلٌ من القلق من المستقبل. أسئلةٌ عديدة، كتلك التي تتعلق بالانتفاضة: هل هي انتفاضة؟ وإذا كانت انتفاضة، فضد ماذا؟ المستوطنات، أم من أجل الأسرى، أم من أجل فلسطين كلِّها؟ يتردد الكثيرون في تحديد سقفٍ رحبٍ لأنفسهم كتحرير فلسطين كلّها. إنَّ مجتمع أوسلو قَد أسرف كثيراً في السيطرة على الزمن والوعي الفلسطيني.
وكما يبدو واضحاً، فإنَّ وجود السُلطة الفلسطينيَّة لَم يعد مجرَّد عائق أمام عمليَّة التحرّر من الاستعمار الصهيونيّ، فقَد أصبحت السُلطة جزءاً لا يتجزأ من هذا الاستعمار. ومحاربة هذا الاستعمار تعني بالضرورة محاربة هذا النمط من السلطة الفلسطينيَّة. وحيثُ أنَّ الثَورة هي الانقطاع، البتر الجذري للمجرى العادي للتاريخ كما يصفها دريدا، فلا وجود لثورةٍ فلسطينيّة جنباً إلى جنب مع بنيانٍ استعماريّ سلطويّ اقتصاديّ لَم يكتف بالسيطرة الأمنيَّة فحسب، بَل يعمل على تحويل شعب بأكمله إلى مجموعات من الموظَّفين المتصارعين اقتصادياً زارعاً الخوف والبؤس في نفوسهم، من المستقبل والحاضر معاً.