| 

حيدر عبد الشافي قامة باسقة في التاريخ الفلسطيني الحديث، وطراز نادر في الحركة الوطنية المعاصرة. كان وجهه ذو القسمات الحادة والملامح الجادة يخفي وداعة عميقة ومرحاً مكتوماً وشيئاً من الطفولة المفقودة. والمكانة الرفيعة التي سعت إليه، ولم يسعَ إليها على الإطلاق، تسنّمها بنضاله المشهود، وبمبدئيته المعروفة، وبجرأته التي قصّر كثيرون عنها، وبوعيه الاجتماعي الذي راح يتبلور منذ دراسته في الجامعة الأميركية في بيروت، فاختار أن يكون في صف اليسار والعدالة الاجتماعية، معادياً للنازية والفاشية. ولبث على هذه المواقف طوال حياته، فجابه الاحتلال بشجاعة، وناوأ الجماعات الدينية بقوة، ولم يتردد في نقد الظواهر المعيقة للتقدم، والسياسات التي لا تؤدي إلى التحرر الوطني وإلى حرية المواطن في الوقت نفسه.
أنضجت النكبة الفلسطينية في سنة 1948 وعيه السياسي، فانخرط في غمار السياسة الوطنية والنضال الاجتماعي معاً، فكان أول من تسلم مسؤولية مديرية الصحة في قطاع غزة سنة 1957، ولما اصطدم بالحاكم العسكري المصري اللواء أحمد سالم في سنة 1960 ترك موقعه بلا أسف. ولما تخـــاصـــم مع أحمد الشقيري في سنة 1965، لم يتردد في إشهار موقــــفه الذي لا يهادن أو يساوم. وفي ما بعد تجرأت السلطات الأردنــــية عليه فمنعته من دخول الأردن في سنة 1978. وعندما انتخــــب عضواً في المجلس التشريعي الفلسطيني في أول انتخابات سنة 1996، لم يتوانَ عن الاستقالة بعد نحو سنة احتجاجاً على الفساد الإداري؛ فكان أول نائب فلسطيني يستقيل من المجلس. ومع ذلك احترمه الجميع، وهابه كثيرون، وأحبه الشعب الفلسطيني بجميع فئاته عدا قلة من الغوغاء والظلاميين، وقلده الرئيس عباس وسام نجمة الشـــرق في سنة 2007.

******
اسمه يشابه مهنته تماماً، وأيامه منسوجة بالتواريخ الصعبة والفواجع التي لا تحتمل. إنه حيدر عبد الشافي الذي طالما شفى أوجاع اللاجئين والناس في غزة، لكن الناس إياهم أوجعوا فؤاده كثيراً، وأورثوه أسقاماً ومواجع شتى.
رحل حيدر عبد الشافي بعدما ناء جسده المنهك بأحمال ثقيلة جداً. وهذا الطبيب الذي عارك الاحتلال طويلاً، وعركته صروف الدهر بقوة، كان مرصوداً، منذ بداياته، لأبناء شعبه اللاجئين إلى غزة من يافا واللد والرملة وغيرها، وللنكبات المتمادية. ولعل المخيمات الفلسطينية المنثورة هنا وهناك، لم تعرف طبيباً «آدمياً» ومتفانياً مثل حيدر عبد الشافي. إنه طراز نادر من الأشخاص الذين نكاد لا نعثر على من يدانيهم إلا القليلين جداً أمثال جورج حبش ووديع حداد ونفر من الرواد الأوائل.
كانت حياته محطات لاهبة من التواريخ الحزيرانية. فقد ولد في حزيران 1919، وتخرج طبيباً في الجامعة الأميركية ـ بيروت في حزيران 1943، وانخرط في جهد متضافر مع بعض زملائه لنجدة اللاجئين الهائمين المشردين في حزيران 1948، وأنهى اختصاصه بالجراحة في الولايات المتحدة الأميركية وعاد إلى وطنه في حزيران 1954، وأسس «حركة البناء الديمقراطي» في حزيران 1995، وأطبق الرعاع على ما بقي له من مساحة حرية في الأيام الدامية التي شهدتها غزة في حزيران 2007.
هذا هو طبيب الفقراء، اليساري الذي تجرأ على المجاهرة بموقفه المعادي للفاشية والنازية إبان دراسته في الجامعة الأميركية. ومنذ ذلك الزمان فصاعداً، راح الجميع، من أحزاب ومنظمات، يتقرب منه، ويحاول أن يستدرجه إلى صفـــوفه. ومع أنه لم ينخرط عضوياً في أي حزب إلا أنه كان قريباً من الحزب الشيوعي في قطاع غزة، وتقدمياً في جميع الأحوال.

******
كان قليل الكلام مثل الحكماء الوادعين، وهم قليلون في أي حال. وخلف ذلك الوجه الصارم ذي القسمات الحادة، طالما انزوت الوداعة اللامتناهية التي تكاد تلامس مرح الطفولة الأولى. ومع وداعته، كان جريئاً بلا تهور، فلم يراوغ ابتغاءَ مصلحة لنفسه أو مرضاة لغيره، لأنه كان غنياً مستغنياً عن المطالب الذاتية. ولم يهادن أي سلطة من السلطات التي عرفها ولم يتعرف عليها؛ فقد اصطدم بالسلطة العسكرية المصرية، وبالتحديد اللواء أحمد سالم، وكان من جراء ذلك ان استقال من منصبه مديراً للصحة في قطاع غزة في سنة 1960. وتصادم مع الإخوان المسلمين في سنة 1980 الذين لم يتورعوا عن اقتحام مقار الهلال الأحمر الفلسطيني وإحراق مكتبه، والذريعة هي أن حيدر عبد الشافي شيوعي. واصطدم مع السلطة الوطنية الفلسطينية مرات عدة، حتى انه استقال من المجلس التشريعي الفلسطيني في سنة 1997، لكن هذه السلطة لم تتجرأ على رميه بوردة، فحيدر عبد الشافي كان عَلَماً من أعلام النضال الوطني، وأحد مؤسسي منظمة التحرير الفلسطينية، وانتخب نائباً لرئيس المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الأولى سنة 1964.
أَليس هو المناضل الذي اعتقل في سنة 1969 وسجن في صحراء سيناء ثم أُبعد إلى لبنان في سنة 1970، وعندما عاد فرض الاحتلال الإسرائيلي عليه الإقامة الجبرية؟

******
كان في طريقه إلى واشنطن في آب 1993 لمواصلة الجولة التاسعة من المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية. وعندما توقف في باريس أبلغت السفيرة ليلى شهيد إليه أن ياسر عرفات يرغب في لقائه فوراً في تونس، وحجزت له تذكرة سفر لهذا الغرض. وفي تونس فاجأه ياسر عرفات بتقديم نص اتفاق أوسلو إليه، قائلاً له: ما رأيك؟ وقال حيدر عبد الشافي رأيه بلا مواربة: إنه اتفاق سيئ لأنه أبطل مرجعية القرار 242، ولأنه صيغ من غير معونة رجال القانون الفلسطينيين. لكنه، لأدبه الجم ولاحترامه الكبير لياسر عرفات، لم يظهر غيظه من «القناة السرية» التي كانت جارية في أوسلو، بينما الوفد الرسمي في واشنطن، وهو رئيسه، يعاني الأمرّين في مفاوضاته مع الإسرائيليين. ولأنه ديمقراطي حقاً، وعميق الإيمان بالديمقراطية، شارك في الانتخابات التشريعية الأولى في سنة 1996 وانتخب نائباً عن غزة بأصوات عالية.

******
كان قليل الكلام؟ نعم. فهو لم يكن ثرثاراً أو قوّالاً أو زجالاً سياسياً. لكنه، عند المواقف الحاسمة، ولا سيما حينما يتصدى لنقد الفساد أو غياب القانون أو التهاون السياسي، كان عالي الصوت حقاً.
لم يرحل حيدر عبد الشافي عن مدينة الإمام الشافعي إلا ليرقد رقدته الأخيرة في مدينته الحزينة التي كثيراً ما اتشحت بالسواد والدم، ومازال صوت الاحتراب وأصوات الرعاع والدهماء والعشائر المسلحة يطغى عليها. إنه تاريخ ينقضي وينطوي.