| 

لا يزال الحاج إسحق أبو يعقوب يحتفظ بذاكرة قوية، وتفصيلات متعددة عن طفولته في مدينة اللد المهجرة، على الرغم من اقترابه من العقد التاسع، فهو يتذكر كيف رحل والده الذي كان يؤمن البنائين بـ«الحصمة»، وبأن مدرسته كانت «تابعة للانكليز»، وكيف اتجه نحو بيع الدخان على بسطة حتى دخول الجيش الأردني إلى اللد، ومعلومات أخرى نسردها عن ذاكرة اللداويين، أبناء «الدولة الثامنة»، كما كانوا يطلقون عليها. وقال أبو يعقوب، وهو يعيش اليوم في بلدة الرام القريبة من القدس: تزوجت في الخامسة عشرة، في سنة 1947، وكنت أعمل على بسطة لبيع السجائر، حتى دخل الجيش الأردني إلى المنطقة .. قبل النكبة بعام قامت مجموعات من اليهود والبدو الموالين لهم بقتل فلسطينيين وسوريين. كانت المجزرة. «كان لحم السوريين معلقاً على الأسلاك».

مجزرة الجامع

قال أبو يعقوب، بصوت غير واضح المعالم: اليهود دخلوا من الجهة الشرقية، كل اللدادوة (أهل اللد)، اعتقدوا أن اليهود هم عناصر في جيوش الدول العربية، والجميع خرج من منازله مرحباً ومهللاً لاستقبالهم، لكنهم سرعان ما بدأوا بقتل السكان، وهو ما أصابنا بالذهول، كما بدأوا يصرخون علينا للخروج من منازلنا. لم يمنحونا الفرصة لأخذ أي حاجيات خاصة من المنازل، وجمّعونا في جامع اللد. بعد أن جمّعونا بحراسة عساكر من اليهود، خرج أحد الثوار ورمى عليهم قنبلة، فقتل 17 جندياً، وهنا بدأوا يطلقون النار «عن جنب وطرف»، فقُتل من قتل، وهرب من هرب. أتذكر أن أخي عاد إلى المنزل وحمل كيس طحين، وكاد يقتل بسببه.. حاول الثوار اللدادوة ومن تبقى من جنود أردنيين حماية المدينة، لكن فارق المعدات والعدد لم يمكنهم من القيام بالكثير. كنت تزوجت منذ سنة، وكنت أصغر عريس، حيث كان عمري 15 عاماً، والعروس 11 عاماً، وعند وقوع النكبة بعت مصاغ العروس واشتريت سلاحاً، وقاتلت في رأس العين والسلمة والرملة، قبل معارك اللد.
يتذكر أبو يعقوب بيته الواسع الذي هدم في سبعينيات القرن الماضي، ولا تزال بقاياه على مقربة من سكة الحديد التي أقيمت هناك، ويتذكر عمله الأول في مستشفى صرفند مساعد ممرض، ومدرسته التي درس فيها حتى الصف الخامس، وقد تحدث عن «الدولة الثامنة»، وأسباب إطلاقها على اللد، فقال: كانت اللد مركز المنطقة كلها، وكان الناس ييجوا علينا كل يوم ثلاثاء عشان سوق «البرين». كانوا يأتون من بلاد الشام ومن اليمن ومصر يعرضون بضاعتهم، ويبيعون ويشترون. كان السوق مليان بضاعة، بقر، غنم، قماش وحبوب، وليس هذا فقط، بل أطلق على اللد اسم «الدولة الثامنة» لأننا سطونا على مدافع الانكليز، وهاجمنا الانكليز واليهود بذات المدافع، حيث هاجمنا قطاراً للجنود الانكليز، وخطفنا ثلاثة مدافع.
عن رحلة التهجير، قال أبو يعقوب: الغالبية كانوا يتوجهون إما إلى الأردن، أو إلى طولكرم أو جنين أو نابلس، لكننا توجهنا مشياً في رحلة صعبة إلى قرية بلعين قرب رام الله. هناك من مات عطشاً في الطريق، وبعض الأطفال مات جوعاً. مكثنا في بلعين يومين، ثم انتقلنا إلى رام الله، وعانينا استغلال التجار، واستهتار البعض، لكن كيس الطحين الذي اصطحبه أخي معه من اللد أنقذنا من رفع الأسعار في رام الله، وأطعمنا كل من رافقنا في رحلتنا، قبل أن نتوجه إلى القدس لنستأجر منزلاً في حارة الشرف، حيث كان شباك منزلنا يطل على حائط البراق، ولكن بعد أن هدمت الحارة عقب احتلال القدس في العام 1967، انتقلنا إلى حوش الشاي، وهناك هدم الاحتلال المنزل على رأس مسنة رفضت مغادرة منزلها، ومن ذاك الحي انتقلنا إلى الرام، حيث نحن الآن.

«الحكيم»

لا يزال العديد من أهالي اللد، وخاصة كبار السن، يتذكرون جورج حبش (الحكيم)، مؤسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ومن بينهم ميلاد حبش قريبه الذي يملك متجراً في رام الله، إذا يقول: ولد جورج حبش في اللد، لعائلة ميسورة الحال تتألف من سبعة أولاد، وتمتلك أراضي زراعية ومحلات تجارية، حيث كان والده تاجراً معروفاً في فلسطين. لكن نكبة العام 1948 كانت منعطفاً تاريخياً ونقطة تحول في حياته، إذ قطع دراسته في الجامعة الأميركية ببيروت، واندفع نحو فلسطين التي بدأت تسقط في أيدي العصابات الصهيونية.. في تلك الفترة عمل جورج طبيباً متدرباً في مستوصف اللد، حيث عالج الجراح، لكن الجرح الكبير كان سقوط اللد واستشهاد شقيقته الكبرى في تلك الهجرة القاسية، تاركة وراءها ستة أطفال.
أراد جورج حبش أن يبقى مع أسرته، التي أصبحت لاجئة في الأردن. لكن أمه توسلت إليه أن يعود إلى الجامعة الأميركية ببيروت، وحينما يصبح طبيباً فإنه سيكون أقدر على مساعدة أهله وشعبه المثخن بالجراح النفسية والبدنية. فأذعن لرغبة أمه التي كانت لا تزال بملابس الحداد، مكلومة على ابنتها التي رحلت قبل أسابيع.

بين الموت والتهجير

تتذكر سليمة فرطوس (أم سليم)، يوم النكبة، فتقول: الحرب في البداية بدأت في سلمة ويافا والمنشيّة، حيث كان اليهود يطردون الناس إلى اللّد سيطر اليهود على المطار، وأخذوا يطلقون النار علينا بواسطة المدافع. كان العرب يقاومون، لكن من دون سلاح يذكر. اللد قاومت بشراسة من الجهة الغربية، لكن اليهود هاجموا المدينة من الجهة الشرقية أيضاً، ومنها تمكنوا من الدخول إلى اللد. كان أول ما قاموا به مذبحة بجامع دهمش، حيث قتلوا 97 واحداً هناك، غير الذين قتلوهم عند «بير الزيبق». الناس هربت .. في الحرب الكل بيصير يهرب.
وتابعت روايتها بعامية ترتجف مثل يديها التي ظهرت عليها تجاعيد الزمن: «الدبّابة كانت ترُش على الجهتين، ذبّحوا الناس وصاروا يطرّوا فيهم (يطردوهم). في وحدة كانت حاطه ابنها عم بتحممه بالطشط .. تركت ابنها بالمي». وأضافت أم سليم: والدي رفض مغادرة اللد، وبقيت معه ومع عدد قليل من كبار السن، لكنا في النهاية هاجرنا بعد أن هددنا بالقتل، وكانت رحلة التهجير صعبة للغاية. وأشارت إلى أن هناك من بقى في اللد والرملة وغيرها رغم كل المصاعب والتهديدات، وبقاؤهم منذ النكبة يعطي أملا بالعودة للاجئين من أهل اللد. وهذه المرأة بصمودها اليوم تعيد تذكيرنا بكلمات الشاعر توفيق زياد في قصيدة «هنا باقون»:
كأننا عشرون مستحيل
في اللد، والرملة، والجليل
هنا .. على صدوركم، باقون كالجدار
وفي حلوقكم
كقطعة الزجاج، كالصبار
وفي عيونكم
زوبعة من نار
هنا .. على صدوركم، باقون كالجدار

* صحافي فلسطيني يقيم في مدينة رام الله.