| 

مشهدٌ جذلت له الأعين، وهو ما حصل في غزة ظهر الرابع من كانون الثاني 2013 الفائت في الذكرى الثامنة والأربعين لانطلاقة حركة فتح. عرسٌ حاشد جمَع أطياف الشعب الفلسطيني كلّها، ولا سيما أنه جاء بعد نيل الفلسطينيين اعتراف الجمعية العامة للأمم المتحدة بدولتهم، وبعد الحرب «الإسرائيلية» الأخيرة على غزة.
احتشدت الرايات الصفراء في ساحة السرايا في مدينة غزة، ليؤكد أنصار فتح، إصرارهم على تمسّكهم بقضيتهم وبالوحدة الفلسطينية كشعار رئيس، وبإيمانهم بأنّ قادة فتح الذين قادوا الكفاح المسلّح، وقادوا المفاوضات السياسية في العشرين سنة الماضية، وجالوا في بقاع الأرض كلها جاعلين من قضية فلسطين بنداً رئيساً في المحافل السياسية الدولية.
ثمة جماهيرٌ فلسطينية في مكان آخر هتفت أيضاً بضرورة الوحدة قبل نحو شهر على تظاهرة فتح، حين تجمهر مناصرو حماس وقادتها في الذكرى الخامسة والعشرين لانطلاقتها، ليؤكّدوا أمام العالم إصرارهم على الوحدة، مشدّدين على ضرورة العمل كشركاء في الوطن، وعلى اعتراف كلّ طرفٍ بالآخر.

******
ليست الوحدة شعاراً مترفاً، لكنها قد تصبح كذلك إذا ما أفرغت من مضمونها ومحتواها الوحيد الذي هو قضية فلسطين. ولن يكون ذلك ضربًا من الخيال، فالمعركة الحالية الدائرة في الشرق الأوسط لم تقل كلمتها بعد، وكل ما جرى حتى الآن من حرب وسلم منذ ما يزيد على الأعوام الستين، كان عبارة عن مقدّمات لانفجار هائل وساحق. معارك اليأس أكثر شراسة من معارك الحلم، وخير دليل على ذلك، ازدهار مهنة حفاري القبور الجماعية في معظم دول عالمنا العربي. وفي هذا السياق فإن الاحتراس من النزعات الإيديولوجية أمرٌ ضروري، إسلامية أكانت أم مسيحية أم علمانية أم يمينية أم يسارية... فهي تعطينا شعوراً بيقين زائف كما لو أنّ الدروب إلى فلسطين تكمن في سلوك هذه المسالك، في حين لا يصحّ القول بأن «الطرق كلها تؤدي إلى روما» في أيّ مكان، كما تنطبق على مسألة القضية الفلسطينية، حيث من المفترض أن الهدف في الوصول إلى فلسطين هو التجمّع لا التفرّد، وإذا ما وصلنا وبنينا تلك الدولة، فمن الطبيعي ساعتئذٍ ألا تكون دولة محكومة أو أسيرة لبعدٍ واحد من دون غيره، لأننا سندخل حينذاك في إشكالية الديكتاتورية التي ندفع ثمنها حاليًا في العالم العربي.
مسألة الوحدة بين «متصارعَين» ستنهي شوائب كثيرة، على رأسها عدوى انتقال الصراع بين حماس وفتح أو كلّ صراع آخر إلى المخيمات حيث اللاجئين.
الإشكالية تكمن في أن نستمرّ في انتشال هؤلاء المنقسمين على أنفسهم في المخيمات من صراعات هامشية لا تخدم وجودهم حيث هم، بل تجعلهم مشرّدين، مضطهدين، ما لا يخدم القضية نفسها، وكأنه قد كتب على الفلسطينيين أن يكونوا هم دائماً الضحية، وكبش الفداء في كلّ أزمة تشهدها الساحة العربية! فها هم دفعوا ثمنًا غاليًا في معركة مخيم نهر البارد في الشمال اللبناني بعدما وجدوا أنفسهم فجأة محاصرين بين نيران «فتح الإسلام» ونيران الجيش اللبناني، في معركة لا ناقة لهم فيها ولا جمل!!! وها هم أيضاً وأيضاً واجهوا ـ ولا يزالون ـ معارك مفتوحة في مخيم اليرموك في سوريا بسبب الاشتباكات التي وقعت بين المسلحين المتسلّلين من جهة، والجيش السوري من جهة أخرى، من دون أن نغفل معاناتهم المستمرة في غزة حيث يشهدون أوضاعَا معيشية غاية في الصعوبة.

******
لا يقف موضوع فلسطين عند كيفية الردّ على العقل الصهيوني، إنما على كلّ عقل لا يزال يفكر باضطهاد الشعوب. إنه تاريخ القضية الفلسطينية. فلنرجعْ إليه. قد يكون دهاء عرفات الذي أنشأ الحركة الأكثر تأثيراً في التاريخ الفلسطيني المعاصر، وهي الحركة التي قادت النضال والكفاح المسلّح والعمل الفدائي وقدّمت قوائم الشهداء التي لا تنتهي، لتطلق بعد ذلك مشروعا آخر يقوم على التفاوض وصولاً إلى الأهداف المنشودة، الأمر الذي نُظر إليه على أنه إجهاض لتاريخ الشعب الفلسطيني الثوري والنضالي طوال العقود الماضية.
ثمة معيارٌ واحد إذاً اسمه الوحدة الذي هو مبدأ شرطيّ، إذ لا يستقيم أيّ نضال يشكّل القاسم المشترك بين أطياف المجتمع الفلسطيني إذا تسبّب بأيّ شرخ. لأن المواجهة يجب ان تتجه محورياً ضدّ «إسرائيل» لا ضدّ الإيديولوجيات الفتحاوية العلمانية أو الحماسية الإخوانية. وما يعنينا جميعاً هو وحدة الشعب الفلسطيني، وليس تمحورها حول الإيديولوجيات، بل اعتصار هذه الإيديولوجيات كلّها في أكثف عنوان لها أي: «القضية الفلسطينية».
لهذا الكلام أساس موضوعي وثوري، لأنه، وبالعودة إلى ما أفضى إليه الانقسام، يتبيّن إلى أيّ حدّ أضحى النضال مرتبكًا ومتشعّبًا وبعيداً عن النقطة النواة التي هي قضية فلسطين، أي نواة الاستقطاب الممسكة بالدوائر المحيطة بها كلّها، لا على أساس إيديولوجيّ، إنما على أساس عقدٍ سياسي اجتُرح بين مناضلين لخدمة الهدف نفسه أي استعادة أرض فلسطين. إن عدم إتمام هذه الوحدة هو ترفٌ غير متاح في ظلّ ظروف شعب فيه لاجئون مشتتون، يفيض عددهم على سبعة ملايين لاجئ.

******
ليس الأمر اذاً ما يخصّ حماس أو فتح، فليس هناك من فلسطينيّ يتمتع بفضيلة الانتماء لأرضه إلا ويعنيه معالجة هذه الشواهد المأساوية ولسبب رئيسي هو أنّ القضية ليست ما يسلّي العقل السياسي ويفتحه على الممكنات المتوافرة كلّها، ونحن نعلم أنه من ضمن هذه الممكنات أطفال فلسطين. وماذا نقول لهؤلاء؟ إن براءة هؤلاء موسومة ببراءة الحجارة التي لا تفاخر بنسب أو انتماء، بل تذهب مباشرة لإصابة هدفها. كذلك، فإن صرختنا لا تستقيم بوجه العالم وهي تتبرع من تلقاء نفسها بدفع العالم إلى التعامل معها بسلبية، نتقدم إلى العالم بمشهد التمزّق والتخلّع والتآكل والتناقض، ثم نتجرأ ونقول لهذا العالم: «إدعم قضيتنا»!!!
انطلاقاً من هذه الفرضية «القطيعة»، من يدعم إذاً هذه القضية الآن، فتح أم حماس؟ فتح التي شهدت تراجعات متتابعة منذ عام 1982 مع خروج منظمة التحرير من لبنان، ولا تزال تعاني شرخاً بين منطلقاتها الثورية ومآلاتها السلطوية وكفاحها من أجل إنجاز أقلّ القليل من أهدافها الوطنية التحرّرية؟ أم تُراها حماس التي لا تمتلك إلى الآن إستراتيجية واضحة على الإطلاق، بل مجرّد تصورات إيديولوجية ذات طابع ديني؟ كيف سنتمكن في النهاية من إقامة دولة فلسطينية، والجميع في حالة شيخوخة، أو ربما فقدان القدرة على تحويل المواقف إلى استراتيجية فاعلة؟

******
في السياق هذا، تظهر أهمية أبو عمار لو نُظر إليه نظرة مستقلة عن أيّ تقديم آخر إيديولوجي سياسي، فهو لا يزال حاضراً كأداة قياس لمن ورثوه من السياسيين عند كلّ مفصل ومنعطف، بدءاً بالانقسام الداخلي الذي مزّق مناطق السلطة بين حركتي فتح وحماس، مروراً بالحرب «الإسرائيلية» على قطاع غزة، وحتى موقف انتظار المفاوضات. كما أنّ فكرته عن جمع القوى السياسية في إطار حركة واحدة، مكنته من تأمين هذا الحشد الكثيف ووضعه على مسار واحد لخدمة الهدف نفسه أي قضية فلسطين بصفتها جامعة الشعب الفلسطيني كلّه. وباتباع المنهج عينه، يمكن الإمساك بجريمة المنقسمين أو الانقسام نفسه الذي اقترف أبشع ما يمكن أن يُقال بحقّ القضية الفلسطينية، حتى بات مبتذلاً أن يُقال إن تحرير الأرض إنما يمرّ من خلال الإسلام السياسي وحده. بل سيكون كلامًا أكثر ابتذالاً القول إنه لن يمرّ إلا بحلّ آخر. لن ينفع البعد الواحد في مسألة النضال من أجل قضية فلسطين. قد تتحول جميع الأبعاد الى منابع تتغذى منها القضية في ظرفها التاريخي الراهن، إذ لا توجد أولوية تسبق مواجهة «إسرائيل»، وأيّ صراع خارج هذه القضية المحورية إنما هو استنزاف للقضية نفسها.
من حقنا أن نطرح السؤال التالي: هل ستكتفي الجماهير بصرختها المطالبة بالوحدة، هل سيكون الشعب الفلسطيني قادراً على إنجاز وحدته التي هي الأمل الوحيد لقيام فلسطين موحدة لا فلسطينات عديدة؟ أم سيتعيّن على هذا الشعب الحلم بهذه الوحدة وهو متفرغ للفوضى والصراع وغارق بها؟

كاتبة لبنانية.