| 

وثيقتان رسميتان تثبتان أني وُلدت في مدينة يافا في فلسطين، وذلك في الثالث عشر من كانون الثاني 1932، وأن اسمي «شفيق»، واسم والدي «إبراهيم»، واسم والدتي «تحفة» وشهرة العائلة «الحوت». والوثيقتان صادرتان عن حكومة الانتداب البريطاني لفلسطين: الأولى عن دائرة الصحة، وهي شهادة الميلاد، أو ما كان يسمى «الكوشان»؛ والثانية عن دائرة الهجرة والسفر، وهي جواز السفر الفلسطيني الذي كان يحمل الرقم 212023. وليس في حيازتي الآن أي من الوثيقتين؛ فقد خلفت «كوشاني» في درج مكتبي في منزلنا في يافا عندما غادرنا المدينة فجأة تحت وطأة الإرهاب الصهيوني سنة 1948. أما جواز سفري فقد صادره الضابط الإسرائيلي من درج مكتبي في منزلنا في بيروت عندما اقتحم الصهاينة القطاع الغربي من العاصمة اللبنانية في سنة 1982.
أحسست بأول تماس مباشر مع «مشكلتي» كفلسطيني، حين كنت في السادسة أو السابعة. ففي فجر ذات يوم من صيف سنة 1938، صحوت مذعورا نتيجة طرق على باب منزلنا، من جانب زمرة من الجنود البريطانيين، بصحبتهم مجندة يهودية. أمر ضابطهم أبي وأشقائي الأكبر مني بمغادرة المنزل إلى ساحة الحي حيث كان سبقهم إليها العشرات من شباب الحي ورجاله. وأومأ أحد الجنود إليّ بحربة بندقيته كي أجلس على حصيرة مفروشة قرب الحديقة، ففعلت وعيناي معلقتان بوالدتي التي كانت تتعارك مع المجندة رافضة السماح لها بتفتيشها لأنها صائمة ومتوضئة! قلبوا البيت، ومزقوا الفرش، وخلطوا الزيت بالرز والدقيق والكاز، وسرقوا ما عثروا عليه من القليل الذي كانت والدتي تدخره وتعتز به من ذكريات عرسها.
بعد ساعات طويلة أفرج الجنود عن الموقوفين في الساحة وعاد الرجال إلى منازلهم، بمن فيهم والدي وأشقائي. وبعد أن اجتمع الشمل، وتأكدنا من رحيل الجنود، أخرجت والدتي من صدرها جسماً غريباً وسألت: «ما هذا.. ولمن هو منكما»، مشيرة إلى أخويّ الأكبر مني، مصطفى وجمال.
«هذه قنبلة»، قال والدي وهو يتناولها من والدتي، بينما أنكر أخواي أي علاقة لهما بها. غير أن غريزياً كنت واثقاً بأنها تخص الأصغر منهما، أي جمال، وكان لا يزال في الرابعة عشرة.
تلك الليلة استشعرت أننا في خطر، لا كأسرة، وإنما كشعب، وأن لنا أعداء، وأنهم قساة لا يرحمون. كما استشعرت أن من الممكن مقاومة هذا العدو، وهناك من يقاومه فعلاً، وأن أخي واحد منهم. عندما صحوت في اليوم التالي كان جمال قد أصبح مثلي الأعلى.

* * *
كثيرون منا حملوا السلاح بعد تدريب بدائي، والتحق كل واحد منا بالمسؤولين عن أمن الحي أو الشارع الذي يقيمون به ليحددوا له مواعيد نوبته في الحراسة. وكان معظم السلاح ملكاً لمن يحمله، ومن النوع الخفيف مثل البندقية أو الرشاش سريع الطلقات. ومنا من غادر يافا والتحق بجيش الإنقاذ في دمشق، وبينهم من احترف الجندية وانخرط بعد النكبة في الجيش السوري، ممن أصبحوا فيما بعد نواة أول قيادة لجيش التحرير الفلسطيني.
المؤسف أننا لم نكن ندرك حينئذ أن شعبنا كان من دون قيادة، وأن من كنا نسمع بهم من مسؤولين كانوا في أحسن الأحوال عواجز ما بيدهم حيلة. ولا أريد أن أقسو على من كانوا مسؤولين عن يافا فيما يسمى «اللجنة القومية»، فمعظمهم كان من ذوي النية الطيبة والسمعة الوطنية، أمثال الحاج خالد الفرخ وكامل الدجاني وأحمد عبد الرحيم والحاج أحمد أبو لبن، لكن كفاءاتهم وإمكاناتهم كانت محدودة، ومواردهم شحيحة.
إن المرارة التي تغص بها نفسي لن تمنعني من الإقرار كذلك بأن حكام العرب أمر وشعوب العرب أمر آخر. وما من شعب عربي إلا وله مَن مثّله في دفع ضريبة الدم من أجل فلسطين. كما لن أغفل دور من جاؤوا باسم الإسلام من مختلف البلاد، وأخص بالذكر أبناء من كان يعرف بالشعب اليوغسلافي، وكلهم من مسلمي البوسنة. لقد شاهدت مجموعة من هؤلاء المجاهدين في الميدان قرب منزلنا في حي المنشية، وما زلت منبهراً بنضالهم البطولي وما تميزوا به من مهارة وشجاعة وإيمان برسالتهم.
وعلى الرغم من فداحة الوضع فقد صمدت يافا حتى استنفد أبناؤها كل ما لديهم من إمكانات ووسائل للصمود والمقاومة. وما زلت أذكر اليوم الذي علت فيه زغاريد النساء وأناشيد الأولاد عندما نجح بعض العمال من «شركة السكب الفلسطينية» في صنع رادع محلي لمدافع المورتر الصهيونية، أطلقوا عليه اسم «راجم الألغام» وحملوه وطافوا به في شوارع المدينة لرفع معنويات الناس. لكن هذا الرادع لم ينجح وأودى بحياة أكثر من طاقم، فتوقف الشباب عن صنعه واستعماله.

* * *
ما من فلسطيني يتذكر الحوادث التي سجلت في يافا ومعظم مدن فلسطين وقراها في نيسان/ أبريل 1948 إلا ويعتصر الحزن قلبه. وكغيري كان لي نصيبي الوافر من هذا الحزن. وكأنه لم يكن يكفيني ما كنت فيه، فقد أراد القدر أن يمتحن صبري وقوة احتمالي عندما فوجئت ظهيرة الثاني من نيسان 1948 باستشهاد شقيقي ومثلي الأعلى «جمال» الذي كان أصبح في الرابعة والعشرين. لم أصدق الخبر أول وهلة، على الرغم من أننا جميعا في العائلة كنا على دراية بدوره في حركة المقاومة، إذ كان رئيساً لسرية متخصصة بإقامة الكمائن وزرع العبوات والألغام على الطرقات الموصلة إلى المستعمرات الصهيونية في دائرة يتجاوز شعاعها ثلاثين كيلومتراً. ولطالما تعرض لهجمات مضادة فدُمرت سيارته أكثر من مرة، وأصيب بجروح. وكان قائد هذه السرايا ضابطاً سودانياً عرف باسم «طارق الأفريقي».
لن أنسى في تلك اللحظات التفاف رفاق صفي من حولي، وفي طليعتهم صديق العمر إبراهيم أبو لغد، وإصرارهم على مؤاساتي وضرورة متابعة دراستي، وكنا قد بدأنا دورة الامتحان ـ المنعطف.
في اليوم التالي لاستشهاد «جمال» كان موعدنا مع امتحان اللغة العربية، في إحدى قاعات مدرسة «الفرير» المطلة على شارع العجمي. وكان كبير المراقبين في القاعة عمي الأستاذ الشاعر محمود الحوت، وكان مفتشاً في دائرة المعارف، وتساعده في المراقبة الآنسة فيوليت ناصر التي أصبحت، فيما بعد، حرم الصديق كامل قسطندي.
فتحتُ ورقة الفحص فوجدت أن علينا أن نختار عنواناً من ثلاثة عناوين ونكتب عنه موضوع إنشاء. من هذه العناوين واحد نصه: «أكتب عن حادثة هزت مشاعرك». ولم أكد أصدق نفسي وأحسست كأن الموضوع اختير خصيصاً من أجلي. نظرت إلى عمي فوجدته قد اختبأ مني وراء نظارة سوداء. أما العزيزة فيوليت فلم تستطع منع دمعها ورفعت منديلها مشيحة بوجهها كي لا أراها تبكي. أما أنا، وكان مقعدي قرب النافذة المطلة على الشارع، فكنت سارحاً كالمذهول أتأمل النعش الملفوف بعلم فلسطين والمحمول على الأكف الغاضبة التي طغت صرخات أصحابها على اللحن الحزين الذي كانت إحدى الفرق الكشفية تعزفه.
بعد أن كتبت ما كتبت مما امتزج مداده بالدموع، هرعت ورفاقي، وإبراهيم أبو لغد في المقدمة، لوداع الفقيد الذي دُفن في تراب تلك الرابية الحمراء المطلة على شاطئ المتوسط. ومن سخريات القدر، أو ربما من مداعباته أحياناً، أن هذه المقبرة التي أقفلها العدو فباتت شبه مهجورة، عادت سنة 2001 ففتحت أبوابها استثنائياً بضغط جماهيري لتستقبل فلسطينياً من يافا أبى أن يدفن خارج وطنه بعد غيابه القسري عنه نحو خمسين عاماً؛ هذا العاشق ليافا هو الحبيب، رفيق الطفولة والصبا والشيخوخة إبراهيم أبو لغد نفسه.

* * *
في الثالث والعشرين من الشهر نفسه، نيسان/ أبريل 1948، وجدت نفسي على ظهر سفينة يونانية تسمى «دولوريس» متوجهة من يافا إلى بيروت. اخترت ركناً على متن السفينة في مقدمها؛ ورحت أحدّث نفسي كالمجنون متسائلاً عما حدث لنا ولماذا حدث، وإن كان لهذه الرحلة من عودة أم أنها الوداع الأخير؟
مستحيل! مستحيل أن يكون ذلك وداعاً ليافا. فالقصة لا تعدو أن تكون إجازة قصيرة، أو استراحة محارب عائد بعد أيام لن تصل إلى أسابيع، لا بد أننا عائدون.. أسبوعان أو ثلاثة على أكثر تقدير ونعود. عائدون لا شك عائدون.
لا بد أننا عائدون... وسنجد يافا في استقبالنا عند مدخلها قرب نبع الماء المعروف بـ«سبيل أبو نبوت» المحاط ببساتين البرتقال على مد النظر، ومينائها التاريخي، والباخرة تشدني بعيداً عنها إلى عرض البحر من دون أي رحمة أو تعاطف.
مع مغيب شمس الثالث والعشرين من نيسان/ أبريل 1948، كانت يافا قد غابت عن ناظري، والبحر يحيط بنا من كل جانب.
غير أن البصيرة أقوى من البصر، والقلب أحن من العين. وما كنت لأقول هذا القول لولا كل هذا العمر، ولا تزال يافا ملء نفسي وذاكرتي. وما من مرة ألتقي فيها واحداً من أصدقائي القدامى إلا نبادر إلى سباق في الذاكرة عن اسم هذا الشارع، أو ذاك الزاروب.. من كان يسكن في هذا الحي، وفي أي ركن يقع ذلك المطعم أو ذاك المنتدى.. وما أكثر ما كنا نصاب بالدهشة عندما نكتشف أننا لا نزال نتذكر من معالم المدينة ما كان لا يهمنا أو يثير اهتمامنا يوم كنا نقيم بالمدينة الحبيبة، مثل لون بناية بالذات، أو اسم بائع متجول لـ«النمورة» أو تخشيبة بائع بطيخ.

شفيق الحوت، بين الوطن والمنفى، بيروت: رياض الريس للكتب والنشر، 2007.