| 

لم تعرف فلسطين، منذ ان رُسمت حدودها في سنة 1916، بموجب اتفاقية سايكس بيكو، أي حركات دينية صافية على النحو الذي شهدته مصر او السودان او سوريا او الجزيرة العربية على سبيل المثال. ولعل التاريخ المعاصر لفلسطين، ومشاكلته الحركة الصهيونية ومشروعها الخاص في المنطقة العربية، أضفى على أي تيار ديني فيها هوية مختلفة، فالحركات الاسلامية في العالم العربي وضعت الاستيلاء على السلطة في رأس أهدافها، لكن، لم تكن ثمة أي سلطة في الواقع الفلسطيني ليصبح الاستيلاء عليها هدفا مرغوبا فيه. لقد تدامج الدين بالوطنية في فلسطين تدامجا كان من المحال تفريق التخوم بينهما البتة. بينما، في العالم العربي، كانت خطوط الفصل واضحة تماما بين ما هو حركات دينية خالصة وما هو وطني او قومي، حتى لو توسل الجميع السياسة طريقة لنيل المقاصد.
لنتذكر ان الحاج أمين الحسيني، وهو أبرز وأهم زعيم فلسطيني في تاريخ فلسطين الحديث، لم يكن زعيما لتيار سياسي ديني قط، مع انه كان، كما نعلم جميعا، مفتياً للقدس، وعمامته البيضاء واحدة من عناصر شخصيته الكاريزمية. فزعامة الحاج أمين الحسيني استندت الى الإرث الوطني للعائلة الحسينية لا الى الموروث الديني فقط. وهي زعامة خارقة للطوائف وليست مقصورة على المسلمين وحدهم. والدليل على قولنا هذا ان أحد أبرز مساعدي الحاج أمين، بل يده اليمنى حقا، هو إميل الغوري المسيحي. ومن أبرز الذين عملوا معه مباشرة عزت طنوس وعيسى نخلة، والاثنان مسيحيان. وكان سكرتير المجلس الاسلامي الأعلى الذي يرأسه المفتي عجاج نويهض وهو درزي من رأس المتن في لبنان. وأبعد من ذلك فان الحزب العربي الفلسطيني الذي أسسه المفتي بنفسه، وعهد بقيادته الى جمال الحسيني كان موقع نائب الرئيس فيه مرصودا للوطني الفلسطيني ألفرد روك، فضلا عن ان منصب سكرتير الحزب احتله خالد فرح، وهما مسيحيان أيضا. وكان من أعضاء اللجنة التنفيذية للحزب ثلاثة مسيحيين هم: يوسف صهيون وإميل الغوري وحنا خليف. وبرز من بين كبار الفاعلين فيه والناشطين في أجهزته كل من اسكندر حبش وبترو طرزي ونقولا شاهين واسكندر الخوري وصبري خلف وحنا خلف ويعقوب برتقش وفؤاد عطا الله وحنا البطارسة وميشال عازر، وهؤلاء جميعهم مسيحيون كما هو ظاهر حتى من أسمائهم، حتى ان منير أبو فاضل، المسيحي اللبناني كان من أركان جيش الجهاد المقدس، والجهاد المقدس تعبير إسلامي بحت.
قصارى القول ان زعامة الحاج أمين الحسيني كانت تشبه، الى حد ما، الزعامة القيسية او الزعامة اليمنية بين قبائل العرب، أي انها زعامة لا تستند الى المعتقد الديني بل الى الانتماء القبلي العام والزعامة الحسينية، وان كان طليعها مفتيا او رجل دين، استندت الى الانتماء الوطني أولا وأخيرا، وهذا هو الإرث الخالص الذي وصل الى الحاج أمين من مؤسس الحركة الوطنية الفلسطينية موسى كاظم الحسيني. حتى الشيخ عز الدين القسام، وهو رجل دين في الأساس، لم يُطلق على مجموعته اي اسم ديني البتة. وعُرف أنصاره بعد استشهاده في أحراج يعبد في 19/11/1935 باسم «القساميون». وهؤلاء، او الكثير منهم، لم يجندهم الشيخ عز الدين في جامع الاستقلال في حيفا، بل التقطهم من قاع المجتمع، وبعضهم كان من اللصوص مثل حسين الباير الذي دربه الشيخ عز الدين على السلاح ونهاه عن السرقات، ومثل أبو درة الذي كان يبيع الكاز على الطنبر، ومثل أبو خليل بائع الفحم، والغلاييني لحام التنك والحديد الذي صار صانعا للقنابل.