| 

بين نابلس ودمشق عروة وثقى ما انقطعت يوماً. فنابلس كانت دائماً تدعى «دمشق الصغرى»، وكثير من عائلاتها أمثال آل طوقان والنمر وغيرهم يتحدرون من سورية. وحي الصالحية في دمشق أنشأه، في الأصل فلسطينيون من نابلس والقدس، وفيه عاش فقيه الشام الكبير عبد الغني النابلسي. وواصف كمال هو واحد من ذلك الرعيل الفلسطيني الذي إن اضطرته مصائب الأيام إلى هجران فلسطين، فإن خطواته ستقوده نحو دمشق تلقائياً. غير أن واصف كمال في حبه للشام تجاوز حدود الحب إلى الوله، وأراح فؤاده لدى امرأة سورية هي قمر الشيشكلي.

***
كان عضواً في أول لجنة قومية في نابلس التي دعت، فور انتخابها، إلى اضراب عام يبدأ في 1/4/1936 ولا يتوقف إلا حين تتوقف الهجرة اليهودية. وقد اعتُقل آنذاك وسيق إلى معتقل صرفند وبقي فيه حتى 10/11/1936. وبعد اغتيال حاكم لواء الشمال الجنرال أندروز راح البوليس البريطاني يتعقبه ويترصد رفاقه، فتمكن من الافلات، واللجوء إلى دمشق. ومن دمشق راح يعمل على تأمين السلاح والأموال وإرسالها إلى الثوار، ثم تسلل إلى شمال فلسطين والتحق بقيادة أبو إبراهيم الكبير بناء على قرار من «الحركة العربية» السرية، وقاتل ضد القوات البريطانية والصهيونية.

***
في سنة 1935 كان فريد زين الدين (سوري من أصل لبناني) مديراً لمدرسة النجاح. وتمكن من تنظيم تجمع سري في المدرسة يعتنق فكرة الوحدة العربية والنضال ضد الاستعمار. وكان فريد زين الدين عضواً في «الحركة العربية» السرية التي أسسها قسطنطين زريق في بيروت في تلك الفترة. ونتيجة لوحدة الأفكار بين أعضاء التجمع السري الفلسطيني والحركة العربية جرى عقد اجتماع في حيفا في 8/5/1937 حضره قسطنطين زريق وفؤاد مفرج وعادل عسيران وواصف كمال وفريد السعد وفريد يعيش، وانضم التجمع إلى الحركة. وبناء على ذلك أعيد تأليف مجلس قيادة الحركة العربية، فأصبح واصف كمال «ركن الداخلية» في مجلس الأركان فيها.

******
عاش في دمشق حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية، فبدأت سلطات الانتداب الفرنسي تضيّق الخناق على الفلسطينيين نزولاً عند طلبات بريطانيا، فاضطر إلى مغادرة سورية إلى العراق. وفي بغداد طلب إليه ان يدرّس اللغة الانكليزية والتاريخ الأوروبي في الثانوية العسكرية التي تؤهل الطلاب للدخول إلى الكلية العسكرية. وقد تمكن من تنظيم مجموعات سرية في هذه الثانوية كان من أفرادها عبد السلام عارف، وتمكن من جذب عدد من الطلاب إلى «الحركة العربية» منهم يونس السبعاوي وسليم النعيمي وناجي معروف وجابر العمر وعبد الحميد الهلالي. وفي تلك الأثناء شارك في ثورة رشيد عالي الكيلاني سنة 1941. واضطر، بعد فشل الثورة، إلى مغادرة بغداد سراً إلى سورية.
لم يكد يرتاح في سوريا حتى كانت القوات الانكليزية تدخل إليها لطرد قوات فيشي الفرنسية منها، الأمر الذي اضطره إلى الذهاب إلى القنصلية الايطالية في حلب التي منحته وثيقة سفر باسم «واصف السعيد» باعتباره ليبياً من طرابلس الغرب. وهكذا تمكن من الدخول إلى تركيا وأقام في اسطمبول. غير ان السلطات التركية ألقت القبض عليه وطلبت منه مغادرة تركيا. ولما كان غير قادر على العودة إلى فلسطين أو سورية أو العراق، فقد وجد نفسه مرغماً على الذهاب إلى سفارة ألمانيا في اسطمبول، ونال تأشيرة دخول إلى ألمانيا. وعلى الفور غادر اسطمبول إلى برلين بالقطار وكان يرافقه كامل مروة ورشاد البربير ومحيي الدين الطويل، ثم انتقل إلى روما التي كان وصلها الحاج أمين الحسيني ورشيد عالي الكيلاني.

******
وحين سقطت ايطاليا وكذلك ألمانيا بأيدي الحلفاء عاش في قلق واضطراب، وكان رجال المخابرات الأميركية يتعقبونه في كل مكان. وظل على هذه الحال حتى أتيح له ان يرسل صورته إلى السفير السوري في باريس عدنان الأتاسي الذي استخرج له وثيقة سفر باسم «محمود القضماني». وبهذه الوثيقة غادر روما إلى باريس، ثم إلى بيروت فدمشق مجدداً. وفي دمشق اختاره الحاج أمين الحسيني ليكون عضواً في الوفد الفلسطيني إلى مؤتمر الطاولة المستديرة في لندن. لكن السلطات البريطانية رفضت منحه تأشيرة دخول لأنه شارك في القتال ضد قواتهم في فلسطين في ثورة 1936.
ثم اختاره الحاج أمين ليكون عضواً في الوفد الفلسطيني إلى الأمم المتحدة سنة 1947، فرفضت السلطات الأميركية منحه تأشيرة الدخول نزولاً عند طلب البريطانيين. فما كان منه إلا ان توجه إلى الرئيس السوري شكري القوتلي الذي منحه الجنسية السورية على الفور، واستخرج له جواز سفر سورياً، وتولى الدكتور فريد زين الدين، الاستحصال على تأشيرة دخول له إلى الولايات المتحدة الأميركية.

******
عاش بين أخطر شخصيتين في دمشق. فقد أقام في مبنى من ثلاث طبقات يشغل الطبقة الأولى حاكم مصرف سورية المركزي ويشغل الطبقة الثالثة عبد الحميد السراج. آنذاك عرضت عليه الحكومة السورية تعيينه سفيراً لسورية في العراق، فاعتذر. وفي تلك الأثناء أيضاً تسلم 25 مليون فرنك سويسري لمصلحة الثورة الجزائرية، وأودع المبلغ باسمه في بنك الاتحاد السويسري. وبعد الاستقلال نقل الحساب إلى اسم محمد خيضر. وقد أطلعه عبد الحميد السراج على محاولة رشوته بالمال لاغتيال جمال عبد الناصر وإجهاض الوحدة، وقال له ان الرئيس عبد الناصر سيفضح المحاولة السعودية هذه في خطاب سيلقيه في دمشق. لكن واصف كمال قال له: يجب ان نحصل المبلغ أولاً (مليون وتسعمئة ألف جنيه استرليني)، ونودعه في البنك. وحينذاك يمكنك ان تفضح القصة لأن الدليل سيكون بين يديك. وقام بتحصيل المبلغ وإيداعه باسم السراج في البنك العربي بدمشق، وجرى تأخير خطاب عبد الناصر قليلاً إلى ان تم التأكد من الإيداع القانوني.

******
أصيب بصدمة كبيرة وخيــبة أكـــبر وكآبة طاغية بعد سقوط فلسطين، فانزوى في منزله في دمشق وانطوى على آلامه. وظل على هذه الحال حتى عرض عليه عبد المجيد شومان الانضمام إلى أسرة البنك العربي، ثم أصبح لاحقاً عضواً في مجلس النقد السوري الذي أنشأ مصرف ســـورية المركزي، وتوفي في سنة 2007 بعد مئة سنة حافلة بالنضــال والعنفوان.