| 

أجمع مؤرخو عصر النهضة في بلاد الشام على أن نجيب عازوري هو أول لبناني نصراني كتب بالفرنسية عن مشروع الاستيطان الصهيوني عبر كتابه Le Reveil de la Nation Arabe أي «يقظة الأمة العربية» من غير أن يعتمر القلنسوة اليهودية كما فعل شبلي الشميل عبر مقالتين في «الأهرام» أكد فيهما أن أرض فلسطين لمن يعمّرها أي للصهيونيين. ولكن المؤرخين لم ينوّهوا بالنصراني الطرابلسي العلماني فرح أنطون (1875 ـ 1922) ربما لعدم إطلاعهم على مقالته التي احتلت الصفحة الأولى في جريدة «الأهرام». والواقع أن صاحب مجلة «الجامعة» يحتل رأس لائحة نصارى لبنان وعموم بلاد الشام الذين كتبوا عن المسألة الفلسطينية، بدليل ظهور مقاله في 17 كانون الأول 1898، أي بعد أشهر من مؤتمر بال الصهيوني. وبالمقارنة مع عازوري وشميّل يمكن القول إنه اعتمر «القبوعة» اليهودية في القسم الأول من مقالة «الحمام الإسرائيلي ووطنه القديم»، ولكنه تحرر منها في النصف الثاني من المقالة التي أرسلها إلى «الأهرام» من أسكلة طرابلس، وليس من الإسكندرية كما يزعم كاتبو سيرته.
ماذا في افتتاحية جريدة الأخوين تقلا المذيّلة بتوقيع فرح أنطون والمتوّجة بعنوان إلياهو ساسون؟
استهل الكاتب مقالته الطويلة بمقدمة غير قصيرة أكد فيها أن «العالم القديم يتهدم والمستعمرات والأمم المستعبدة المهضومة تتفلت من نيرها وتتقدم.. هذه الملوك تتسابق في حلبة الإصلاح الاقتصادي والسياسي منادية بحقوق الرعية عليها وواجباتها هي نحوها، بعد أن كانت لا ترى الرعية إلا خداماً وعبيداً... وسط هذا البخار والكهربائية ينقضان في مباني العالم القديم نقضاً سريعاً مستمراً، فمَن بَعُد قرّباه، ووقت قهراه، وأقطار بعيدة وقريبة ربطا بعضها ببعض ومزجاها حتى أصبح العالم كما قال فيه أحد الفلاسفة (كرة في يد مشعوذ يصغرها بين أنامله شيئا فشيئا، فإذا استمر كذلك لا يلبث أن يصبح ضيقاً دون نشاطنا واجتهادنا ومن أهم ما طرأ حديثا على العالم من التغيير انقلاب حال شعبين من أقدم شعوبه وهما الصينيون واليهود».
أما لماذا اعتبر أنطون التغيير الذي طرأ على اليهود والصينيين هو أهم التغييرات الحاصلة في أواخر القرن التاسع عشر على كثرتها وأهميتها، فلأن الشعبين القديمين «قد حفظهما من الموت حفظُهما تقاليدهما القديمة وكراهيتهما الاختلاط بسائر الشعوب. لقد كان في نظام الصينيين أن الصيني الذي يخرج من أرض الصين لا يعود إليها. وكان في اعتقاد اليهود أنهم شعب الله الخاص لا يليق بهم الامتزاج بالأمم وترك تقاليد أجدادهم القديمة. لذلك حفظوا أقوامهم بحفظهم لغتهم وعاداتهم بين الأمم التي فرّقهم الله بينها، فكانوا كالزيت في الميت لا يمتزج به جد الامتزاج». إن منهج عدم اختلاط اليهود في المجتمعات التي عاشوا فيها مئات السنين هو الذي «حفظهم وأرسلهم إلينا دون معاصريهم من الأشوريين والكلدانيين والحثيين وغيرهم من أمم التوراة التي انقرضت وبقي بعدها اليهود ومعاصروها بقاء الصخر في مجرى تيار نهر عظيم يأكل منه النهر ولكنه لا يجرفه كغيره من الرمال والحصى التي يجتاحها في اندفاعه». ولما كان منسوب مياه نهر التغيير على ارتفاع واندفاع كبيرين بخلاف نهري بردى وبيروت اللذين تخف مياههما في الشتاء وتجف في الصيف، فقد خاف الصينيون واليهود من هذا «النهر العظيم الذي يكاد يجرفهما سيله العرم إذا لبثوا على مواجهته، ولم يحتالوا لصرفه عنهم بالجري معه أي بالجري مع عادات أهله ومبادئهم العصرية، ففتحوا عيونهم بعد نوم طويل للنور الذي كانوا يحاذرونه ويكرهونه كراهة الخفاش لضوء النهار».
وبالنسبة إلى اليهود الذين هم بيت قصيد هذه العجالة، فقد قرروا الانتقال من أوطانهم الجديدة عبر نهر التغيير إلى «وطنهم القديم» مع الإبقاء على نهجهم التقوقعي «فهبّوا إلى جمع كلمتهم ولمّ شملهم، وأنشأ بعض كبارهم المجمع الصهيوني في سويسرا منذ أشهر وولّوه تمهيد السبيل وإعداد الطريق إلى الغرض الذي يسعون إليه». ويتساءل الكاتب: ما هو غرضهم؟ ويجيب بسرعة أن لا شيء يستهدفونه «غير إعادة التمدن اليهودي، وبعبارة أوضح الاستيلاء على أورشليم». أضاف الكاتب المتقن للفرنسية والمتعمق في آدابها، إن حجة اليهود «في طلب تلك الأرض، أقوى من حجة الصليبيين، لأن الأرض أرضهم وأرض أجدادهم قبلهم، ولا يسع المتأمل المنصف أن يرى حنينهم إلى وادي صهيون وأنينهم عند ذكر المدينة المقدسة وإنشادهم في سبي بابل الأناشيد الوطنية المؤثرة التي ردد راسين صداها في روايته استير الجميلة، إلا وتتحرك أحشاؤه تحركها لمنفي قضي عليه بالعيش بعيداً عن وطن يحبه».
هنا، انتزع أنطون القلنسوة عن رأس قلمه لأن «في الحقوق لا مجال للعواطف. فإن الفساد السياسي الذي أصابهم ـ اليهود ـ فأخرج ملكهم من أيديهم إلى الرومان فاليونان فالفرس فالعرب فالصليبيين فالمصريين فالأتراك، قد قضى على ملكيتهم وقضى بتشتتهم بين جميع الشعوب». لذلك لم يبق لتحقيق غرضهم إلا «ثلاثة طرق عرفية وهي: الشراء كما هم طالبون، وبالقهر وهم عنه عاجزون، وبالاستيلاء الأدبي يليه الفعلي كما هم صانعون». وهذا الأخير أدى، برأيه، إلى سيطرتهم الاقتصادية على القدس وزاد من عددهم فيها حتى بلغ «ستين ألف نفس». وأضاف بعد أن تخلص نهائياً من «القبوعة» اليهودية: «إذا استمرت الحال على هذا المنوال، أي إذا بقيت الدول على اضطهادها هذا الشعب في روسيا وألمانيا والنمسا والجزائر وغيرها، وأطارته كما تُطار أسراب الحمام عن مواقعها لتقع في بلاد أخرى، أصبح هذا الاستيلاء الأدبي ذا خطر، لأن الحمام الإسرائيلي المطرود من تلك المواقع لا يجد موقعاً أحب إليه من أورشليم وطنه القديم». وعزز الكاتب نظريته بما كان يجري على أرض فلسطين، حيث دخل اليهود الروس «خلسة إلى فلسطين» بعد أن طردتهم روسيا في عهد الإسكندر الثالث، وقد سهّل دخولهم «سوء سلوك بعض المأمورين».
واستبعد الكاتب إمكانية استيلاء اليهود على القدس عنوة لأنها «بفضل كثرة طلاّبها وخطّابها ثابتة إلى ما شاء الله». أما شراء فلسطين «فأمر نظن فيه المجمع الصهيوني هازلاً». وتساءل متهكماً ومستنكراً: «متى صار عباد الله أنعاماً يباعون ويشرون في سوق المزاد؟ وهل تكون نفوس الوطنيين العثمانيين ـ أي الفلسطينيين ـ غير الإسرائيليين، داخلة في كونتراتو البيع والشراء»؟ ولم يبق في الميدان إلا حديدان، أي مسألة «الاستيلاء الأدبي التي يخشى منها، إن لم يكن على فلسطين فعلى سكان فلسطين». وهنا يستشرف صاحبنا في العام 1898 ما استشرفه عازوري في العام 1905، حين يتقدم بشكوى مرفقة بطلب. أما الشكوى «فمن بعض الدول التي تطرد اليهود من بلادها وتحميهم في فلسطين استخداماً لهم في قضاء مصالحها، وإن كان في ذلك ضياع مصالح الوطنيين». وأما الطلب فيضمنه «سؤال حكومتنا العثمانية أن لا تدع رعيتها في فلسطين بلا سند يستندون إليه بإزاء الأجانب الهاجمين لاستعمار قطعة من بلادها تدر لبناً وعسلاً كما قيل عنها في التاريخ القديم». وختم مشترطاً ومتنبئاً: «إذا لم تساعد الحكومة العثمانية الفلسطينيين، فلا يلبث المستعمرون الأجانب أن يصبحوا سادة الأرض والوطنيون خدامها».
وتبقى الملاحظات الثلاث التالية:
1 ـ لقد وقع ما تخوف منه صديق محمد عبده اللدود، لأن السلطان عبد الحميد الذي رفض على الورق استيطان اليهود في فلسطين سهّل، خلال ولايته الممتدة من 1876 حتى صيف 1908، لعدد كبير منهم التسلل إليها وإنشاء عشرات المستعمرات فيها.
2 ـ ثمة فارق كبير بين التغيير الذي أحدثه الصينيون واليهود. فهؤلاء سببوا بمشروعهم الاستيطاني تعاسة شعب بكامله حين استوطنوا أرضه بعد أن طردوه منها، وهددوا ويهددون سلم الشرق الأدنى على الأقل بحروبهم المتواصلة، علاوة على بمساهمتهم عبر لوبياتهم، في الضغط على ساسة أوروبا والولايات المتحدة لممارسة سياسة تناقض تلك التي اتبعها ودرو ولسون وشارل ديغول. في حين أدى التغيير الصيني إلى إسعاد ملايين الصينيين من غير إتعاس سائر الأمم والشعوب.
3 ـ إذا ختمنا بما بدأنا به، يكون فرح أنطون حيال فلسطين كالمعتزلة في منزلة ثالثة بين المنزلتين العازورية والشميلية. لعل ما يمنحه أسباباً تخفيفية عن القسم الأول من مقاربته للمسألة الفلسطينية، أن حبر مؤتمر بال لم يكن قد جفّ بعد.


* باحث وكاتب لبناني.