| 

خسر الفلسطينيون عند تهجيرهم قسراً من وطنهم عام 1948، إلى الأردن، الكيانية السياسية التي لم يجدوها في وحدة الضفتين عام 1950، أو في منح فلسطينيي المملكة المواطنة الكاملة، رغم محاولات الأخيرة استيعاب الحشد الفلسطيني الكبير في أطر المجتمع الأردني ضمن عملية تحول مديني ترافقت مع تنمية غير متوازنة بين الضفتين الشرقية والغربية.
سببت عملية «الاستيعاب» نمطاً من الصراع نشأ جراء خشية سكان شرق الأردن من «استيلاء» الفلسطينيين على مصادر رزقهم و«اختطاف» السلطة، وبفعل سياسة التمييز الايجابي التي اتبعتها السلطات تجاه تعظيم مشاركة الشرق أردنيين في القطاعين العسكري والحكومي، مقابل تضييق فرص الوجود الفلسطيني فيها، والتسامح مع تعيينات محدودة لهم في مناصب وزارية، أغلبها بلا سلطة، لإبراز تمثيلهم في أجهزة الدولة، ظاهرياً على الأقل، ومنع تنامي أي بنية سياسية فلسطينية متميزة، بدافع هاجسي الأمن والشرعية، ما أوجد هوّة واسعة، دفعت الفلسطينيين إلى التململ تعبيراً عن مظالم اجتماعية واقتصادية، وأخرى سياسية لما اعتبروه تقصيراً رسمياً تجاه القضية الفلسطينية، بموازاة مطالبات شرق أردنية بإعادة النظر في سياسة الدمج لتبعاتها السلبية عليهم.
وقد شهدت فترة 1956 ـ 1958 أزمات داخلية بسبب علاقة الأردن ببريطانيا ومشاركته في حلف بغداد، فعمت البلاد تظاهرات قادها السكان الشرق أردنيين في الأساس، أتبعت باحتجاج أهالي الضفة الغربية خلال عامي 1965 ـ 1966 على رفض السلطة تسليح القرى الأمامية أو استخدام الجيش للدفاع عنها حين انتقم الاحتلال للعمليات العسكرية التي نفذتها التنظيمات الفدائية الفلسطينية.
مرّت علاقة الفلسطينيين المقيمين في الأردن، أو كما يطلق عليهم الأردنيون من أصل فلسطيني، بمنظمة التحرير الفلسطينية بفترات متقلبة، من دون مبارحة ناصية تمثيلها لهم ككيان سياسي. غير أن مفاعيل العلاقة الثنائية تأثرت إلى حدّ كبير بتبعات وجودهم في الأردن، حيث يحمل جلهم الجنسية الأردنية، قبيل مباشرة السلطات حملة سحب الجنسية بعد قرار فك الارتباط عام 1988، ما ترك بصماته على إشكاليات «التمثيل» والهوية والمواطنة، في ظل مسار علائقي مضطرب بين النظام الحاكم والمنظمة.
نظر هؤلاء الفلسطينيون المقدر عددهم اليوم بأكثر من نصف المجتمع الأردني، إلى منظمة التحرير بصفتها إيذاناً ببلورة حقل سياسي وطني فلسطيني منظم وتمثيلاً لقضيتهم، وتعبيراً عن نهوض الوطنية الفلسطينية بعد النكبة ومحاولة إعادة تكوين الوجود الوطني وإعادة صوغ الهوية الوطنية، ومدخلاً لتحويل كارثة التشتت والتهجير إلى حركة تحرر وطني لاستعادة حقوق اللاجئين في وطنهم وتحرير الأرض ودحر الاحتلال وتقرير المصير.
إذا كانت الفترة السابقة للعدوان الإسرائيلي عام 1967 قد شهدت محاولات تطويق النظام الحاكم لمساعي تبلور هوية وطنية فلسطينية خارج النطاق الأردني والالتفاف على امتداداتها التمثيلية، وإحكام السيطرة على المخيمات، فقد فاقمت مرحلته اللاحقة حدة التوتر مع تنامي المقاومة الفلسطينية ومواصلة بناء مؤسساتها السياسية والإدارية وتأسيس قاعدة أكثر صلابة واستمرارية لأحزاب المعارضة الوطنية، واتساع دائرة الأنصار والمؤيدين من داخل المجتمع الأردني نفسه، تزامناً مع إعادة تشكيل المنظمة عام 1969 لضمّ الفصائل الفلسطينية المقاتلة، ومنها فتح، وتأليف لجنة تنفيذية جديدة سيطرت عليها حركة المقاومة، فضلاً عن انتخاب ياسر عرفات رئيساً للمنظمة.
دشنت معركة الكرامة عام 1968 نقطة تحول في مسيرة حركة المقاومة الفلسطينية وفي طبيعة العلاقة الفلسطينية - الأردنية، تماهت مع تجدد إطلاق فكرة الهوية الوطنية الفلسطينية المنفصلة عن الإطار الأردني، ما أثار قلق العرش ومخاوف شرائح من المؤسسة الحاكمة التي وجدت فيها تهديداً لأسس الشرعية السياسية للنظام الحاكم ومصدراً بديلاً من الولاء والهوية الوطنية بين سكان الأردن الفلسطينيين، بزعم تمثيل الأردن، نظرياً، لهم.
ولعل احتكام علاقة الطرفين إلى سوء الفهم المتبادل يفسر ما آلت إليه الأمور، حيث نظر النظام إلى ذلك الحراك على أنه استهداف لحكمه، بينما وجدت فيه المنظمة وحركات المقاومة منطلقاً لمواصلة حركة التحرر الوطني ومقاومة الاحتلال الإسرائيلي الذي يشكل تهديداً للأردن وفلسطين والمنطقة بأسرها في إطار الصراع العربي ـ الصهيوني، ما يستوجب تعاوناً وتنسيقاً عربياً لمواجهته والتصدي له، إذ من المفترض أن الأردن يقع داخل دائرة الصراع وليس خارجها.
أدى الفهم المغلوط هذا إلى مواجهة مسلحة بين الطرفين عامي 1970 ـ 1971، أسفرت عن خروج المقاومة إلى لبنان وسوريا، الأمر الذي ترك تأثيراته على المنظمة وامتداداتها التمثيلية في الساحة الأردنية، حيث تم منعها عملياً ولم تسمح الحكومة إلا بوجود مكتب وكتيبة نظامية واحدة تابعة لجيش التحرير ومكتب تابع للشؤون الاجتماعية كان يعمل من خلال مكتب المنظمة، فاعتبرته الأخيرة وجوداً رسمياً فلسطينياً لتمثيل فلسطينيي المملكة، حتى وإن كان محدوداً.
وامتد توتر العلاقة بين النظام الأردني ومنظمة التحرير إلى قضية «التمثيل»، إذ امتنع الأردن عن تأييد المنظمة ورفض تمثيلها للفلسطينيين المقيمين في المملكة باعتبارهم مواطنين فيها، ولكنه لم يجد تأييداً عربياً لذلك حيث أعلن مؤتمر القمة العربية في الرباط عام 1974 اعترافه الصريح بالمنظمة «ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني» أينما تواجدوا، تبعه اعتراف دولي مماثل بعد أيام معدودة، فاتخذ الأردن، كردة فعل غاضبة، إجراءات لتخفيض المشاركة الفلسطينية في الحياة السياسية للبلاد وإرغام المواطنين على تحديد ولائهم.
غير أن متغيرات، كان بينها الدعم العربي والدولي الواسع للمنظمة، وقفت خلف هدنة الطرفين من ثم تطورت في صيغة تنسيق على وقع نتائج العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 1982 وخروج المقاومة الفلسطينية منه وتصدع كثير من بنى المنظمة ومؤسساتها في الشتات، وتغير الموقف القيادي الفلسطيني حيال إدارة الصراع، فضلاً عن تنامي فكرة «الوطن البديل»، فأعيد افتتاح مكاتب المنظمة ومؤسساتها في الأردن عام 1986، وشارك الجانب الفلسطيني في إطار الوفد الأردني لمؤتمر مدريد 1991، تزامناً مع موقف أردني رسمي بعدم وجود مطامع له في الضفة الغربية وبتأييده الكامل لمنظمة التحرير وحق العودة ورفض التوطين، من دون أن يلغي ذلك التباسات العلاقة حيال الحق الأردني في تمثيل اللاجئين، حاملي الجنسية الأردنية، في مفاوضات الوضع النهائي، بدعوى الدفاع عن حقوق مواطنيه ومصالحهم وحقوق الدولة الأردنية المضيفة.
أحدثت التغيرات المصاحبة لعدوان 1967 وقعاً في جوهر الأهداف الفلسطينية، بانتقال استراتيجية المنظمة من تبني تحرير فلسطين التاريخية إلى إزالة آثار العدوان وتحرير الأراضي المحتلة عام 1967 وإقامة الدولة الفلسطينية على الضفة الغربية وقطاع غزة، التي تجسدت عملياً في البرنامج السياسي عام 1974، ورسمياً خلال دورة المجلس الوطني في الجزائر عام 1988 بتبني «حل الدولتين». وقد نظر الفلسطينيون في الأردن، خاصة اللاجئين منهم، إلى تلك التغيرات بعين الحذر والتساؤل عن مدى تمثيل المنظمة لوجودهم ولقضاياهم، وفي مقدمتها حق العودة، في ظل شعورهم المتنامي بالتهميش جراء تغييب المنظمة، وعدم تمثيلهم الكافي في مؤسساتها وهياكلها وأطرها، رغم تشكيلهم مع أقرانهم من فلسطينيي الشتات ثلاثة أرباع الشعب الفلسطيني، وحملهم معاً عبء النهوض الفلسطيني منذ أواسط الستينيات حتى مطلع الثمانينيات. وقد تعاظمت إشكاليات الهوية والكيانية عندهم مع تدرج تهميش مؤسسات المنظمة في الخارج، ومنها دائرة اللاجئين، منذ منتصف الثمانينيات، أي من مرحلة الحراك الغربي النشط لتسوية الصراع، وصولاً إلى أوسلو، الذي أجل قضية اللاجئين إلى مفاوضات الوضع النهائي.
وقد دفع التهميش إلى حراك نشط داخل مخيمات الأردن وخارجها لملء الفراغ السياسي بتكوين لجان شعبية للدفاع عن حق العودة وعقد المؤتمرات وإصدار الوثائق والخرائط والكتب عن اللاجئين وحقوقهم غير القابلة للتصرف، والتصدي لمحاولات التفريط في الحقوق الفلسطينية مثل التوطين و«حل الدولتين» الذي يتناقض بنيوياً مع تطبيق حق عودة اللاجئين إلى ديارهم وأراضيهم التي طردوا منها عام 1948، ما ولّد تساؤلات دونما إجابة عن مصير حق العودة ومنظمة التحرير.


*كاتبة من الأردن.