أنشئت بطريركية القدس الأرثوذكسية سنة 451، وعندها أصبح للكنيسة الأرثوذكسية أربع بطريركيات هي من حيث تدرجها الكهنوتي: القسطنطينية (عاصمة الدول البيزنطية) والإسكندرية (وكانت كنيسة الحبشة تتبعها حتى قبل نحو عقدين من السنين) وإنطاكية، التي كانت إنطاكية مركز كرسيها. لكن لما انحطت المدينة انتقل الكرسي البطريركي إلى دمشق (1529)، إلا ان الاسم الأصلي احتفظ به. وأخيراً بطريركية القدس.
وكان البطاركة الذين يجلسون على كرسي البطريركية، منذ أول إنشائها، من أبناء البلاد العرب. ومنهم على سبيل المثال صفرونيوس، الذي سلم المدينة المقدسة إلى الخليفة عمر بن الخطاب، لما استولى العرب المسلمون على ديار الشام.
حري بالذكر انه لما استولى الصليبيون على بيت المقدس سنة 1099، ألغوا البطريركية الأرثوذكسية وأقاموا في البلاد بطريركية لاتينية تابعة للبابا، واستولوا على أوقاف الكنيسة الأرثوذكسية. لكن الكرسي البطريركي الأرثوذكسي ظل قائماً إذ كان البطريرك لاجئاً دائماً في القسطنطينية، إلى ان جلت الغمة.
ولعله تولى الكرسي المقدسي في المنفى أحياناً بطاركة يونان، بحكم الواقع، لكن بعد عودة البطريركية إلى القدس، عاد تولي الكرسي البطريركي إلى العرب، على نحو ما كان عليه الحال في الإسكندرية وإنطاكية.
في سنة 1534 اعتلى السدة البطريركية جرمانوس، وكان يونانياً، لكنه كان يجيد العربية ويستعملها في المناصب الكنسية التي تولاها، فاختلط الأمر على ناخبي البطريرك واختير جرمانوس.
ظل جرمانوس بطريركاً في بيت المقدس من 1534 إلى 1579، وخلال هذه الفترة الزمنية التي قاربت نصف قرن، قام بخطوات آلت في النتيجة إلى ان أصبح البطريرك يونانياً على الدوام.
كان بطريرك الأرثوذكس اليوناني يلقى الدعم من السلطات العثمانية المحلية أو من العاصمة بالذات بسبب تقرّب بطريركية الفنار من رجال الدولة في العاصمة لتظل البطريركية حكراً لهم ولها مطلق السيادة، وكانت أخوية القبر المقدس اليونانية هي اليد القوية المنفذة للسيطرة المباشرة على شؤون البطريركية.
ثمة استثناء حدث سنة 1788 إذ انتخب انثيموس الأول بطريركاً وكان عربي الجنس من إنطاكية.
لكن الأمر لم يعد هذا الاستثناء فقد عاد اليونان يعتلون السدة البطريركية على عادتهم. على ان الشعب الأرثوذكسي الفلسطيني لم يتوان عن مناوءة أخوية القبر المقدس والبطريركية، لكنه لم يلقَ العون والتأييد من السلطات التي قد تمكنه من النجاح، ولو في استعادة القليل مما كان لها قبل أيام جرمانوس.
يبدو أن الخلاف الذي وقع بين البطريرك بروكوبيوس الثاني (1873 ـ 1875) وأخوية القبر المقدس أدى إلى قيام الجمعية الأرثوذكسية في القدس وأصبحت تتناول نفقات مدارسها وكنائسها من مقام قنصل دولة روسيا، فاستقلت في إدارة الأبرشية وقطع الوطنيون كل علاقة لهم مع أخوية القبر المقدس.
في 1897 تولى داميانوس السدة البطريركية، وظل يحتلها إلى سنة 1931، ذلك مع انه حرم مرتين من القيام بواجبات المنصب من نوع من الإبعاد، لكنه كان يحتال دوماً على الأمر الواقع ـ وبطريركية داميانوس كانت فترة نضال قامت به الطائفة أيام الحكم العثماني ثم استمر هذا أيام حكومة الانتداب البريطاني. وقد عينت حكومة الانتداب لجاناً لدرس الشكاوى المقدمة ضد البطريرك، ومع انه أدين، فقد استمر في طغيانه. وبسبب من تراكم الديون على البطريركية، وكان من أسبابها سوء تصرف بعض أعضاء الأخوية في بعزقة الأموال على أسر يحتضنونها وتؤويهم، وأنا أقول هذا بناء على تصرف بعض أعضاء الأخوية الذي تمّ أيام إقامتي في القدس وزياراتي المتعددة لها، ومن بينهم اغناطيوس ترجمان البطريرك الذي اهتمّ بي لأن خالي إيليا ديب (فيما بعد المطران إيليا ديب متروبوليت صور وصيدا ومرجعيون وتوابعها في الفترة التي تدور حول سنة 1900) كان معلم اغناطيوس في مدرسة المصلبية (دير الصليب) في القدس!
والمعروف ان داميانوس باع كرم الرهبان (أو كرم الزيتون) وهو قطعة أرض واسعة تقع إلى جنوب غرب مدينة القدس مباشرة إلى اليهود، حيث أقاموا فيها مستعمرة كبيرة. كان يقطعها شارع الملك جورج (الخامس).
وقد رفع الأساقفة المعارضون لداميانوس (ومن هؤلاء الأساقفة كانوا من اليونان في غالبيتهم) عريضة اتهامية بالبطريرك داميانوس إلى حكومة فلسطين والكنائس الأربع (والى رئيس وزراء اليونان فنزيلوس) وطالبوا بعزله وأوردوا الاتهامات التي توجب ذلك.
وبعد صدور الدستور العثماني ثانية سنة 1908 فكر أبناء الطائفة الأرثوذكسية في نوع من التحلل من قيود البطريركية والأخوية، لكن المساعي ذهبت هباء وبعد الاحتلال البريطاني لجنوب فلسطين بما فيه القدس (1917) ثم إتمام احتلال فلسطين (1918) وأصبحت الإدارة بريطانية عاد الوطنيون إلى مطالب الإصلاح بل كان هناك طلب بتعريب البطريركية.
وعقدت مؤتمرات أرثوذكسية وطنية عربية كان يمثل فيها الطائفة في فلسطين وشرق الأردن أفراد من أعيانها وزعمائها: المؤتمر الأول عقد في حيفا (أيار ـ مايو 1923)، الثاني 20 تموز (يوليو) 1923 ووضع لائحة بالمطالب في تقرير رفع إلى حكومة فلسطين وكان بين المطالب التي تلح الطائفة على الحصول عليها تعيين مطارنة عرب. ولم تقبل بذلك البطريركية ووافقت الحكومات التي تعاقبت على فلسطين على موقف البطريركية.
وحدث سنة 1923 ان توفي مطران الناصرة (كليوبا) وكان منفياً في الإسكندرية. فطالب أهل الناصرة بمطران عربي ولما احتجت البطريركية بأنه ليس ثمة من يليق بهذا المنصب، كان جواب الطائفة ـ هناك المطران إيليا ديب. لم يلق هذا الكلام أذناً صاغية، فغضبت الأكثرية من أبناء الطائفة في الناصرة ورفضت ان تحتفل بعيد الفصح المجيد في كنيسة البشارة برئاسة وكيل المطران، واحتفلت به في مقبرة الطائفة الأرثوذكسية.