| 

ارتكبت إسرائيل ومن يعاونها من اللبنانيين مجزرة صبرا وشاتيلا. معظم القتلى هم من النساء والمسنين والأطفال، إذ كان المقاتلون قد أجبروا على ترك بيروت. لم تكن للمخيمين قيمة عسكرية، وإنما القيمة بالنسبة لشارون وأعوانه هي في تطبيق مبدأ «أرض دون شعب، لشعب دون أرض». سكان مخيم صبرا وشاتيلا فلسطينيون مهجرون بالقسر عن أرضهم المغتصبة، ومع ذلك تلحق بهم إسرائيل، بعد أن تحتل لبنان، لقتلهم جماعياً. لماذا؟ لأن المخيم قطعة من فلسطين، في قسم من شعب فلسطين، تشوق للعودة إلى فلسطين لن تستطيع إسرائيل منع ذلك إلا بإزالة الرغبة بالعودة من ادمغتهم، ثم إزالة أدمغتهم بإزالة أجسادهم. والإزالة تتطلب مجزرة احتفالا بالنصر.

شعب فلسطين الوحيد
على اليهود أن يقتلوا هؤلاء الفلــسطينيين كــي يصيــروا هم (اليهود) شعب فلسطين البوحيد. لا يطيق اليهود أن يــروا في فلسطين شعباً غيرهم ولا في خارجها. وجود الشعب الفلــسطيني يحتم عليهم الضـــغط وإبادة هذا الشعب من أجل أن تصير الأرض خالية إلا منهم بينما لا يستقيم الأمر لإسرائيل إلا بابادة الشعب الفلسطيني اينما كان. والإسرائيليون بارعون في تطبيق سياسات القضم، عضة فعضة، إلى أن يضموا كل الأرض، حتى التي صوّت مجلس الأمن والأمم المتحدة ضد ضمها.
تاريخ دولة إسرائيل والدول العربية هو تاريخ واحد تقريباً. في عام 1917 أعلن وعد بلفور بإنشاء دولة يهودية، وفي ذلك الوقت (في مؤتمر فرساي الذي انعقد بعد الحرب العالمية الأولى) أعلن تقسيم البلدان العربية الخارجة من سيطرة الدولة العثمانية المنهارة.
في فترة الانتداب كانت إسرائيل تحضر لقيام دولتها بمساعدة قوى الامبريالية (الإنكليز) وكان العرب يناضلون من أجل الاستقلال ضد الفرنســيين والإنكـــليز. كـــان العـــرب يطلبون الوحدة السياسية لأمتهم. حرمتهم ذلك دول الامبريالية. فكانت تجزئتهم هي الوجه الآخر لقيام دولة إسرائيل في ظل الانتداب.
لم يكن صدفة أنه، عند انــسحاب البريطــانيين، كانــت كل الأمة العربية ضد إسرائيل، وكانت البلدان العربيـــة شبه المستقلة غير قادرة على تعبئة جيش يوازي جـــيش إسرائيل بالعديد والعدة. كانت الجيوش العربية، مجتمـــعة، أقل من الجيوش اليهودية عدداً وعدة. ما احتاجت إسرائيل إلى أية خيانة عربية، (ولا نقول الخيانة لم تكن موجودة لتتفوق وتنتصر وتختـــصر). لا تـــخوض إسرائيل إلا الحروب المضمونة، وتُفرض على الدول العـــربية حروب غيــر مضمونة، حروب مضمونة الخسارة. يفترض بإســرائيل أن تكون هي الرابحة دائماً، والدول العربية هي الخـــاسرة دائماً، كي يدخل ذلك في الإيديولوجيا هنا وهناك. ويــقرَّر الوعــي هنــا وهناك. الفرق كبـــير بين أيديولوجـــيا الهزيــمة والوعي المنهزم من جهة، وبين ايديولوجيا الغالبـــين من جــهة أخرى. ما تريده إسرائيل هو أرض فلسطين من الــبحر والنهر. وهي تتبع هذه السياسة، ولن تعلن خريطــتها حتى تحصل على ما تريد بسياسة القضم الداخلي (المســتوطنات) والحروب المتواصلة كي تبقى الدول العربية المجاورة وغير المجاورة ذات قدرة عسكرية أقل مما هو مطلوب لتحـرير فلسطين.
الجانب الآخر للقضية الفلسطينية هو سياسة الأنظمة العربية حيال شعوبها. جميع الأنظمة العربية مارست الاستبداد حيال شعوبها. وضعت كلاً منها في قمقم؛ منعتها من التدخل في السياسة، ومن المشاركة في شؤون الوطن، وحتى من المشاركة في أبسط قضاياها. أبعد المواطنون العرب عن المشاركة، بل استبد بهم وضغط عليهم كي لا يصيروا مواطنين، لأن المواطن، بالتعريف، هو من يساهم ولو بقسط صغير، في سياسة بلده. طبقت الأنظمة العربية مبدأ الاستبعاد، استبعاد الشعب، لا مبدأ الاستيعاب والمشاركة. فهمشت الجماهير العربية. على هذا الأساس كان ممكناً توقيع اتفاق أوسلو، باركته الجامعة العربية، دون أن يسمح للشعوب العربية، بمن في ذلك الشعب المصري بإبداء الرأي.
لكن؛ حتى اتفاق أسلو كان أقل بكثير مما أراده الإسرائيليون. منعوا تطبيقه إلا بمقدار ما تبقى فلسطين تابعة لإسرائيل وجميع النواحي الاقتصادية والمالية والعسكرية والدبلوماسية... الخ.
بعد أيام قتلوا اسحق رابين الجنرال الذي وقع على اتفاق أوسلو. وجيء بالمحافظين الجدد الأميركيين لرسم برنامج جديد هو Clean Break، ليكون برنامج نتنياهو إلغاء اتفاق أوسلو والبدء من جديد. بعدها شُنت الحرب على الضفة الغربية من أجل إجلاء سكانها، ثم شنت حرب أخرى على غزة من أجل مذبحة جماعية هناك. وما بينهما شنت الحرب على لبنان في 2006.
في المقابل قمعت البلدان سكانها، منــعت الشعوب العربية من المشاركة في كل ما يتعلق بالتحرير. على العكس من ذلك قدمت الجامعة العربية في مؤتمر بيروت، 2002، مشروعاً للاعتراف بإسرائيل اعترافاً كاملاً، في مقابل قيام الدولة الفلسطينية. رمى الإسرائيليون هذا العرض في سلة المهملات؛ وفي اليوم التالي افتعلوا مذبحة في الضفة الشرقية. ولا يريدون من الدول العربية شيئاً سوى قمع شعوبها للحفاظ على أمن إسرائيل. صار أمن إسرائيل هو الوجه الآخر لقمع الشعوب العربية.
ما فعلته إسرائيل، ولا تزال تحاول فعله، هو إزالة، أو إخراج شعب فلسطين كي تبقى لها وحدها الأرض من النهر إلى البحر. وما تفعله الأنظمة العربية هو الموافقة تدريجياً مع إسكات شعوبها ومنعها من المشاركة. والقـــوة الأمبــريالية الكبرى تدير الأزمة» للتأكد من حسن سير الخطة الإســـرائيلية، مع عدم وجود اعتراضات على ذلك في المؤســـسات الدوليـــة. حتى صارت الجامعة العربية واحدة من هذه المؤسسات الدولية، لا مؤسسة تحاول إرضاء شعوبها، حتى بالاحتيال عليها.
بالقمع والاستبداد نفذت الأنظمة العربية ســـياسة الامبريالية وإسرائيل الرامية إلى إخراج الشعوب العربية من السياسة. كان المطلوب خلال العقود السبعة الماضية، هو استبعاد الشعوب العربية عن القضية الفلسطينية، كي تتفرغ الأنظمة العربية لتوقيع معاهدات الصلح، ولو على حساب الحقوق العربية والفلسطينية. بواسطة الاستبداد، يقدمون فلسطين على طبق من فضة للدولة المغتصبة. ويهللون للاغتصاب.
مع انهيار دول الطغيان العربي، تعود قضية فلسطين إلى الواجهة. مع كل ثورة عربية تزداد المطالبة بفلسطين، وترفع الشعارات للتعبير عن ذلك. نرى ذلك كل أسبوع في مصر، حيث يصر الثوار على طرد السفير الإسرائيلي، وعلى نزع علم إسرائيل عن العمارة.
ما زالت قضية فلسطين قضـــية مركزية عند العرب. هي قضية من أهم قضايا العرب. هذا ما يقـــوله الشعب، وقد أصبح شعباً بالثورة. هذا ما تقوله الأمة، وقد أصبحت أمة بالثورة.
نعرف أن الثورة العربية طريقـــها طويل، وكلفتها عالية. نعرف أن قضية فلسطين سوف يؤدي طرحها على ايدي الشعوب العربية (بمن في ذلك الفلسطينيون) إلى استرجاع فلسطين ولو بعد وقت طويل وكلفة عالية. نعرف أكثر من ذلك، لدرجة اليقين، أن القضية العربية وقضية فلسطين قضية واحدة.
سعى المجرمون الذين ارتكبوا الجريمة في مخيمي صبرا وشاتيلا إلى إلغاء، بل إفناء الشعب الفلسطيني لتحقيق مقولة «أرض بلا شعب». تعود الشعوب العربية إلى الوجود عن طريق الثورة. وتعود فلسطين مع الثورة العربية ومع عودة السياسة إلى أرجاء الوطن العربي.