المكان: قبالة السفارة الكويتية.
الزمان: الساعة الحادية عشرة من قبل ظهر يوم السبت، في الثامن عشر من أيلول/ سبتمبر 1982.
هناك، في المكان نفسه، في الصباح الباكر شاهد جندي او ضابط إسرائيلي القتلة يأمرون أمهات وأطفالاً بالنزول إلى احدى تلك الحفر، فسارع يصرخ عليهم كي يتوقفوا عن ذلك، فتوقفوا. أما يوم السبت، فلا يبدو انه كان هناك أحد كي يوقف عمليات قتل جماعي مماثلة للشباب والرجال.
من أعماق تلك الحفرة الكبرى، تكتسب رواية الحاج محمود اهميتها، فهو الوحيد ـ بحسب ما نعلم ـ الذي نزل إلى «حفرة الموت» وخرج منها. ولذلك تكلم.
اعتقد الحاج قبل ان ينزل انه بدشداشته البيضاء، وبأعوامه الخمسين، وبذقنه الطويلة، وبالكوفية على رأسه، وبالسبحة في يده، انه معصوم عن تهمة «مقاتل» في صفوف فتح او الجبهة الشعبية او اية جبهة اخرى. لكنه كان مخطئا في اعتقاده. وجل من لا يخطئ.

الحاج يروي
كان في 17 واحد قبلي بالجورة، وأنا كنت 18. ما تسألوني كيف عديتهم. أنا بالعد سريع. وأنا نازل كنت عرفت انهم 17 واحد. كانت الجورة بشكل دائري، بكسم صحن. كيف شكل جاط الشوربة الغميق على السفرة؟ كانوا طامينها رمل، والرمل ما مبين رمل، كان صاير مثل العجين الجامد قد ما قاتلين في الجورة ناس. والوحل بأرض الجورة يا ريته ناشف، كان طري من كتر الدم. وكان قريب من الجورة أربع ملالات من نوع الملالات العسكرية مش المجنزرة، لكن نص المجنزرة، مثل الملالات اللي مع الجيش الإسرائيلي. فيه من قدام دولابين ومن ورا جنزير ملزقينهم بضهر بعض، بضهر بعض...
شوب يومتها، نار حريق جهنم يومتها، والعرق يكدنا كد. كنا من الصباح عم نمشي، وهلّق كانت الساعة صارت تقريباً 11. كان الطابور عم يمشي للمدينة الرياضية، وأنا وحدي أخدني هاالزلمة على الجورة وصار يدعس على راسي، ويقولي: «يا ويلك يا أخو هيك وهيك البعيد إذا بترفع راسك سنتمتر واحد، لحتى خلّيك متل المنخل». معو كلاشن ومخزنين. شو بدّي أحكي. أنا خلص تشهدت. من آخر المخيم من حد ما طلعوني وعم إقرأ أوراد في سري. أخلص من ورد أستلم ورد، ومسلّم أمري لربنا سبحانه وتعالى، ما في مهرب خلص.
أصعب شي شفته، بقصد أصعب شي مر عليّ إني كنت رح اختنق من الريحة، من ريحة التراب المجبول بالدم. ريحة دم بني آدم زنخة بشكل لا يوصف. كيف بدي أوصفها، متل ريحة الغاز لمّا تكون القنينية منفسة، أقوى منها. يعني الريحة تفوت على المعدة تحس كل شي فيك عم يقلب. وما قادر أتحرك هيك وهيك، كان فوق راسي، كانت رجله بالبوط عم تكسرلي راسي. الله لا يوفقه بجاه النبي محمد. الدشداشة بعدها كلها دم من الأرض. بعدني تاركها.
وكان يرجع يصيح فيّ: «خلي بيت الله ييجي يفيدك يا اخو هيك وهيك». ويرجع يسألني تاني: «قلتلي شو بتشتغل؟ خادم بيوت الله؟ طيب و«لا.. شو إسمك؟» وراحت مني عفوية، قلتلو: «إسمي محمود حسن». ما قلتلو إسمي الحقيقي. وما بعرف ليش ما قلت إسمي، وأنا على حفة الموت.
آه... في شي كتير مهم لازم خبره. أنا وعم أنزل بالجورة ضربت عيني بواحد أنا بعرفو وهو ولد صغير. إسمه الياس. وكنت أنا شاغل مع أبوه، وهني في الزمانات جايين على بيتي، وأنا رايح عندهم على بيتهم، وآكل وشارب، وأبوه بعزني كتير. لكن مع ذلك كان أبوه مع الكتايب، فلما تغيرت الدنيا ما عدت شفته. ومرت سنين. وكبر الياس. وهلّق كان واقف مع شباب كتار من القوات مع شي عشرين مجنزرة، لأ، المظبوط نص مجنزرة، وكلها مصفوفة على الشارع.
طبعاً أنا عرفته بس عيني ضربت على عينه. لكن كنت أداري حالي منه. وحسيت أنا إنو هوّ كان يتطلع فيّ مظبوط، ويمكن يسأل حاله إذا كنت أنا ولاّ مش أنا.
وما سمعت غير صوت الياس عم بقلو: «دخلك يا روبير، ببوس إجريك، دخيل إختك، يستر على خيّاتك، دخيل رجليك». راح قلّو: «ولك شو بيك يا للو؟» أنا لمّا قلّو يا للو، فهمت إنو هو بذاته الياس، بس صاير شكله شاب جسيم. صاير كبران كتير. قلو: «هالخدمة يا بيروت». قلو: «شو بيك؟» قلو: «هيدا الحاج، آخر واحد، دخيل إختك هيدا مربيني، وحياة عرضي وعرضك رايحين على بيتهم أنا وبيي وإمي وآكلين خبز وملح. ما بنسالك ياه هاالجميل. دخيل عرضك يا روبير».
يا روبير! هيدا الاسم ما بنساه طول حياتي. الله لا يوفقه. راح قلي: «قوم يا أخو الهيك والهيك، اخو الشرموطة». نكشني وخلعني من كتفي، رحت ارتميت بالأرض. قلي الياس قوم خلصني اركض ما في حدا هلّق. ومشينا. كان هداك، الله لا يوفقه، صرلو شي تلت ساعة عم يدعس على راسي ورقبتي ويذلني. وكان الطابور قدامنا كله ماشي على المدينة الرياضية. ومشينا أنا والياس حتى نلحق بالطابور.
وما مشيت أول خطوة والتانية والتالتة حتى سمعت صوت القواص «تو تو تو تو تو...». درت وجهي على الجورة، ورحت أنا واقف ومتجمد. كانوا عم يقوصوهم كلهم. جمدت خلاص. قلت هلّق رح يرجع ويكمل عليّ وأنا ماشي. أنا شفتهم بعيوني كيف قتلوا التمرجي وهو داير ضهره. وكيف ممكن أقدر أمشي؟ وما شفت غير الياس عم بشدني وبقلي: «ما تتلفت وراك، يلا امشي».
أنا كنت عم أمشي غصبن عني. كنت حاسس كإنو ضهري مكسور من ضربات بوطو لروبير اللعين. الله لا يوفقه. وقلّي الياس على الطريق وهو ماسك إيدي: «هلق بيستلموكم الإسرائيلية ما حدا بقرّب صوب منكم».
وتركني الياس.
وصرت عكز حالي شوي لوصلت للطابور. ولقيتهم واقفين ودايرين وجوهم لجهة بيوت الضباط مقابل المدينة.
وشو طابور؟
من عند الردم جنب السفارة لعند المدينة كان الطابور.

عائلة أبو محمود
أبو محمود من سكان أطراف شاتيلا، على حدود صبرا.
كان محبوباً من سكان صبرا وشاتيلا، ومن الصغار خاصة، فهو صاحب محل لبيع الدراجات الهوائية، وغيرها.
عندما توفيت زوجته الأولى تزوج مريم، وقد أحبت مريم أولاده من زوجته الأولى وأحسنت تربيتهم، حتى انها كانت تعرف بأم محمود. ولمّا أنجبت ابنها الأول حسن، استمر البعض يناديها أم محمود، والبعض الآخر أم حسن.
كانت ربة البيت أول من شعر منذ مساء الخميس بالخطر. ومع انها لم تستطع ان تعرف أبعاد هذا الخطر، فقد قررت منذ صباح الجمعة الباكر ان تهرب مع زوجها وأولادها. لكنها عندما نظرت من النافذة في الساعة السادسة ووجدت الشارع يعج بالميليشيات المسلحة، ما عادت تجرؤ على التفكير في الهرب.
لم يطل بهذه العائلة الانتظار حتى قرع عليها الباب بشدة. تقول مريم:
دخل علينا أربع مسلحين عساكر، كان على صدورهم علنا مكتوب «القوات اللبنانية»، وكان في خمسة غيرهم واقفين ناطرينهم على مدخل البيت في الشارع، وأخدونا كلنا لبرا البيت. أخدوا جوزي وابني الكبير لجهة، وأخدوني أنا والأولاد الصغار والبنات لجهة تانية.
كانت بنتي تحمل شنطة منسميها «شنطة الحرب»، فيها تياب لإبني الصغير ابن ست أشهر، وكنت هاي المرة حطيت فيها كل ما منملك من مال ودهب واوراق خاصة بالبيت وهويات وشيكات وسندات وبوالص تأمين. وما طوّل واحد منهم حتى أخد الشنطة من البنت وبدا برمي التياب في الشارع، وأخد المال والدهب وقسّمه بينه وبين رفيقه قدامي... وساعتها شاف خاتمي وساعتي، وقلي: «هاتيهم. نحنا منموت بالدهب»، وواحد تاني شد الحلق من إدن بنتي الصغيرة. وبس تطمن إنو ما عاد معنا شي للسرقة، قال: «يلا امشوا. يلا قدامنا».
على الطريق للمدينة الرياضية ونحنا رايحين كان فيه تقريباً شي أربعمية جندي كتايبي قاعدين محل ما صار مقبرة جماعية. كانوا قاعدين على فرشات ومنهم ممديين كأنهم في بيوتهم. لكن نحنا مشونا من جهة اليمين وطلعونا من حي عرسال للمدينة الرياضية. على الطريق شفت مره مقتولة وهي بعدها حاضنة اولادها التلاتة، كلهم مقتولين. وشفنا شباب مدبوحين بالسكاكين. وشفنا جتت مقطعة. كانوا يحطوا الجتت فوق بعضها البعض وتيجي الجرافة وتغطيها بالتراب.
بنتي الصبية سمر عمرها 17 سنة. ما شفت إلا واحد منهم جرب ياخدها مني. صرت اترجاه يتركها، ما قبل. صرت أنا اشد بايدها وهو يشد بايدها التانية، وأنا عم أتخانق معه وقلتلو: «أوعى تفكر بترّك بنتي. اقتلنا كلنا مع بعض. بهاللحظة اقتلنا كلنا». وراح يتمسخر على كلامي: «وكمان بتعرفي تتمردي». وعملنا ضجة حتى أجا مسؤول عنو سألني: «شو مالك؟» قلتلو: «هادا الجندي بدو ياخد بنتي». راح المسؤول صرخ فيه: «اتركها». لكنا ما لحقنا نمشي مسافة قصيرة حتى رجع يلحقنا ويحاول ياخدها مرة تانية.
لكن هاي المرة أجا واحد من رفقاته وخلّصها منه. قام انتقم مني وضربني برجله، لكني ابتعدت عنه بسرعة، أنا أمشي بسرعة، ومعي بنتي الصبية والصغار، وهو يعفر التراب علينا ويطلق النار بين رجلينا.
وصلنا على المدينة الرياضية، ابتدأوا يسبّونا ويضحكوا علينا وقالولنا: «روحوا من هون». ورحنا محل ما قالوا، لقينا جورة مجرور مليانة بالقتلى والروس المقطعة والإيدين والرجلين.
ركضت بعد هاالمشهد نحو المدينة الرياضية من فوق، ركضت نحو دبابة إسرائيلية مليانة بالجنود الإسرائيلية، وخبّرتهم عن القتلى وعن الكتايب وكيف عم يدبحوا الناس. قالولي: «ابعدوا من هون. ابعدوا عنا. نحنا ما إلنا دخل بشي».
رجعنا وما عارفين وين نروح. شو نعمل. سمعنا واحد إسرائيلي بيصرخ علينا: «ارجعوا للخلف. ارجعوا».
رحنا هربنا على جسر الكولا.

من هم القتلة؟
قالت ممرضة من الخالصة تعمل في مستشفى عكا، قتل أبوها في تل الزعتر، وكان أمها وأخوها من ضحايا المجزرة:
أنا اللّي شفتهم كانوا لابسين لبس عسكري أخضر عادي، والواحد حاطط جعبة وكلاشن، وخنجر على خصره.
وقالت ممرضة اخرى من الخالصة أيضاً تعمل في مستشفى غزة، فقدت اثنين من إخوتها في معارك تل الزعتر:
اللباس عسكري موحد، «فوتيك» أخضر. كان واضح إنهم جماعة واحدة.
وقالت شاهدة على مقتل ذويها في أول ساعات المجزرة:
كانوا لابسين ملابس متل الجيش، وكانوا حاطين على صدورهم شارات مكتوب عليها «القوات اللبنانية».
قالت أم جنوبية تصف الذين رأتهم يوم الجمعة، قبل ان تكتشف انها فقدت ثمانية من أفراد أسرتها:
كان لباس قوات لبنانية على صدرهم الأرزة، بس في منهم حاطين شرايط.
وقال شاب من قرية مجدل زون نجا من موت محقق مساء الخميس، اليوم الأول:
كانوا لابسين بدلات خضر مع شعار أصفر، مقيّد عليها الكتايب اللبنانية. (ولمّا سئل الشاهد هل يقصد القوات اللبنانية؟ أجاب: (لا. إني متأكد، الكتايب اللبنانية). وقال انه لم ينتبه للأكتاف وإنما قرأ ما كتب على صدورهم، وهو «الكتايب اللبنانية».
قالت فتاة من الخالصة عاشت متنقلة مع ذويها من مكان إلى آخر بسبب الحروب:
كانوا لابسين بلوزة تحت اللباس العسكري، ومكتوب على البلوزة البيضا القوات اللبنانية، والتانيين كان مكتوب عليهن سعد حداد.
قال عامل بلاط من مهجري تل الزعتر، حيث فقد أخوين له هناك:
كان مكتوب حزب الكتايب على الطاسات فوق روسهم.

راجع: بيان نويهض الحوت، «صبرا وشاتيلا»، بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية،٢٠٠٣