| 


عزيزتي أنهار
«ما قيمة أن يتبادل شاعران الرسائل؟». هكذا استهل شاعرانا رسائلهما (محمود درويش وسميح القاسم). أما أنا فأسأل: ما قيمة ان تتبادل فلسطينيتان الرسائل؟
لا بد من قيمة اذن، وأنا ارى ان القيمة تكمن في فعل تبادل الرسائل ذاته، أولاً لزمانه وثانياً لعناصره، اذ ان عصرنا للأسف مسرع جداً، يلبس سروال جينز وحذاء رياضياً، صاماً أذنيه بموسيقى غربية تقفز دون توقف، فلا وقت لتأمل ملمس القلم ولا لمخاطبة أركان الورقة. عصر انقراض ساعي البريد الذي يحمل في جعبته كتابات من كل اتجاهات الريح نستلمها في تلهف الأطفال ونركض نفكر في جواب لتلهف المرسل. أما العناصر فهي نحن، أنا وأنت، الداخل والخارج، القدم التي بقيت والقدم التي رحلت، شقّي القضية.
لا بد من تحد للتيار للحد من تراخي هذا الزمان. لذلك سأكتب وستكتبين.
عزيزتي أنهار
كيف كان عيدك؟ هل انتبه لكِ؟
لم ينتبه لي العيد، ولا للبلاد، عيد عنيد اطلقت له صرختي ان تعرّف علينا، لوّحت له بكل ما أوتيت من ألم، لكنه ماض في أعراضه.
وقتها علمت ان الفرح كالماء في الصحراء، قليل وثمين، وإن لم يوفّره العبد وفّرته مصادفة نجمة جميلة صادفت تأملي للسماء أو قبلة حارة على جبيني، ظللت أحدق فيه حذرة.
ما قيمة الفرح و«ديانا» تلك الطفلة الغزية لم تجد نصف شيكل واحد لشراء «كندرة» للعيد، حتماً سيضعف نصف الشيكل من ميزانيات الدول العريضة وسيحدث فوضى لا تقعد في البورصات وسيسبب ازمة مالية جديدة لهذا العالم الكادح والحريص على التحرر والتقدم والتسلّح والتفتح واستغلال القمر ليصبح أرضاً صالحة للرقص على أنغام الهاوس.
ولكن شيئاً واحداً لم يثقل على لسان «ديانا» وبلّ ريقها فلم تفكر مثلاً في سب حظها اللعين ولا في دق عنقها كما يفعل كهل افتقد الشهية في عيون النسوة. لقد قالت «الله أكبر، الله بحبنا» كما يقولها راهب او شيخ أمضى عمره راكعاً بين يدي الإله او كما تقولها امرأة لسع الموت كل أفراد عائلتها وظلت تزرع الأمل على قبورهم جميعاً.
تلك قيمة الايمان يا أنهار. خلطة فولاذية لتقوية عظام الأمل ولتجديد خلايا الصبر.
عزيزتي أنهار
كيف حال الداخل؟ وهل تصلك رائحة الخارج؟ هل ما زالت الرائحة جديرة بالتوقف للتزوّد منها أملاً ومتاريس جديدة؟ أم ان العطور الفرنسية التي تشويها رائحة الأنفاق قد عوّضتها؟
كم يخجلني هذا الزمن وكم يدهشني انه لا يخجل من نفسه.
متى سنكسر الطاولة والكراسي على رأس القاتل؟ ومتى سنخيط من جديد ذيول الوطن المبعثر؟
ولكن التقاسيم الأولى لوجه أمّنا تنبئ بالمطر. فلتستعد النّوارس للاصطفاف على أكتاف الحجارة، كما عوّدتنا كلما أوصلنا الزقاق الخاطئ الى عنق الزجاجة.
عزيزتي أنهار
غداً ولدت، وغداً ماتت طفلة في صبرا وبُقر بطن امرأة في شاتيلا، لا، لا توصني، سأحتفل جيداً بعيد ميلادي وسأوزّع كؤوساً من البصاق والدموع على العالم المتحضر.
الى أن يحين العناق، اكتبي على «حيط البلد اسم الوطن واسمي» كما تقول الأغنية، إذ لا بد من نشيد لنشره في وجه الريح.
أختك جفرا
* نوال عبد الله هي نفسها جفرا