| 

إن أحد اكبر آلام النكبة بوصفها حدثاً مؤسساً ومستمراً في آن، معاشاً وشعوراً وواقعاً، هو الألم الذي تجسده مدينة يافا. لقد دمرت أجزاء من المدينة العربية هناك بعد احتلالها، وأغلق الحيّز العام على السكان وجرى سجنهم الفعلي بعد عام 1948 حتى الانتهاء من الاستيلاء على بيوتهم وممتلكاتهم. لاحقاً، في الستينيات، تحولت يافا الى مدينة للمهاجرين اليهود، الذين وطنتهم الدولة في بيوت الفلسطينيين، او جعلتهم يتقاسمون معهم البيت نفسه
والحيّز نفسه. منذ منتصف الستينيات حتى منتصف الثمانينيات، اتبعت في يافا سياسة إهمال وإخلاء موجهة وهدم لبيوت بادرت إليها المؤسسات العامة (كالبلدية مثلا)، وشركات حكومية (كعميدان وحلاميش ومديرية أراضي إسرائيل التي استولت عام 1948 على البيوت). كانت البلدية تخطط احياء سكنية جميلة ونظيفة (في العجمي والجبلية)، ولهذا كانت تنوي اخراج سكان الأحياء «القدامى» منها وتفريغها لتعمل الأدوات براحتها. خرج اليهود الذين وجدوا مأوى آخر، أما العرب فرفضوا الإخلاء رغم كل الإهمال المتعمد، ورغم كل التضييق الذي منعهم من القيام بعمليات بناء اضافية لأبسط الامور (مثل النوافذ والمخارج)، ومنعت عمليات الترميم القانونية تماماً.

عنف التطوير
سنوات التسعين تبدت على شاكلة «أمل» جديد لبلدية تل ابيب، فقد اكتشفت البلدية «الكنز» الكامن في يافا: المدينة العريقة الواقعة على البحر الأبيض المتوسط. لكن هذه المرة، ولكي تنجح عملية التخطيط للأحياء النظيفة، كان من الواجب اتباع طريقة جديدة، لا ينقصها من عنف الاهمال والتضييق المتعمدين سوى عنف القوة الشرائية. لقد اخذت البلدية بتشجيع السوق الحرة كي تقوم هذه (السوق) بالاستثمار في يافا، وحتى تبعد مخاوف المستثمرين من السكن في «مدينة فيها عرب»، سبقت الاستثمار عمليات تشجيع إعلامية وعمليات تجميل إعلانية لواقع هو من اصعب ما يكون، جرى تجميله بشعاً وجرى تشويهه جميلاً.
إن بحثاً بسيطاً في مواقع الشركات، التي تروّج وتعمل على استثمار وبناء وبيع الشقق السكنية والمحال التجارية في يافا، من شأنه ان يفيد كيفية رؤية المستثمرين ليافا، إنها ليست اكثر من «سلعة سهلة البيع وبثمن باهظ أيضاً». لا تقرأ هناك او تسمع عن سكانها الذين على هامش عملية التطوير والاستثمار هذه في طريقهم الى خارج المدينة. يافا اليوم ـ في عيون المستثمرين ـ هي «نافذة على البحر الأبيض المتوسط»، وثمنها يحدد وفق ما اذا كنت ترى البحر من نافذتك ام انك تصله في أقل من خمس دقائق. حتى الحياة المدنية «الطبيعية» لم ينعم بها السكان كنتيجة طبيعية لهذا التطوير والغنى المتراكم على الشواطئ. فحياة المدينة، بكل معناها (حيث المدارس والجامعات ودور عرض السينما والمرافق الاجتماعية)، تزدهر في تل ابيب وتستأثر هذه بها. وكل ما تعرضه لهم (وحدهم) يافا هو بالفعل بيت دافئ ومحمي على الشاطئ، يباع بملايين الدولارات لمستثمرين يهود من فرنسا وكذلك من الولايات المتحدة.

عنف الجمال
العيش في وهم وأمان ممكن حسب طريقة البناء الحديثة في يافا، التي لم تعرفها البلاد إلا على المستوى العام جداً ولاحقاً في المستوطنات. انها الـ gated communities (المجتمعات المغلقة). بطبيعة الحال، يجهد المعماريون أنفسهم ابتغاء دراسة وتطبيق هذا النوع من البناء، ولا سيما انه لم يبدأ إلا في جنوب اميركا، كبناء لطبقة الأغنياء هناك هرباً وخوفاً من «اعتداء» الفقراء عليهم. لقد جرى استنساخ شكل البناء الجيتوي هذا الى يافا، وهو قائم في عدد من مدن العالم، ولكنه ـ مثلا ـ ليس قائماً في اوروبا او في كندا. وحقاً، في إسرائيل يعني نوع البناء هذا ـ بإيجاز ـ إمكانية ممارسة الحياة من دون الخروج من مجتمعك المغلق، فهناك تجد مجمعاً للمشتريات، وموقفاً للسيارات، ومطعماً، ومقهى، وحضانة للأطفال، وما الى ذلك، وكل هذا وفق نظام أمني مغلق، يمنع أي مار في الشارع من الدخول إلا بإذن، وكل المكان مصوّر على مدار الساعة. طابع البناء هذا في ازدياد مستمر بزخم في يافا. على الأوراق والخرائط يبدو ـ على سبيل المثال ـ مشروع «هروفع» الحديث البناء في يافا فائق الجمال، مصمماً وفق أحدث التقنيات، ولكنه في الحقيقة يقطع استمرارية الحيّز العام، يحجب حيوات أناس معينين «وراء الجدران» الملونة والجميلة، المرتفعة والمحمية، ويبقي على حيوات اخرى منتهكة و«مكشوفة» ومصوّرة خارج الجدران هذه. يقترن هذا التصميم بمقولة «خوف» من المكان المعيش، وبحاجة كامنة في الاختفاء ولكن من دون الانقطاع عن «النافذة المطلة على البحر». بإيجاز، هو وجود ليس طبيعياً، بل عنيف. وما دامت السوق الحرة تتيح هذه الإمكانية، ففي الإمكان الربط بين المدينة الحقيقية «تل أبيب» والبيت «الآمن» في يافا.

أين السكان العرب من هذا التطوير؟
لا يمكن فك الارتباط الوثيق الصلة بين مشروع التهويد في «المدن المختلطة» جميعها والمشاريع الاستثمارية للسوق الحرة. إنها علاقة وثيقة، ونستطيع ان نقول إنها تاريخية في ما يخص بلادنا على وجه التحديد، لا السياسة العالمية فحسب. من الواضح ان العرب الفلسطينيين ليسوا القوة الشرائية التي تستهدفها هذه الشركات الضخمة. ليس هذا فحسب، بل إن مشاريع البناء والتخطيط هذه تضر بهم بالدرجة الاولى وتحملهم على الهجرة ـ وإن كانت أحياناً هجرة صامتة وغير مرئية ـ. من جهة، هي تمنع استمرارية الحياة الطبيعية (البناء والسكن)، وذلك أنها تعرض بيوتاً للسوق العالمية ليس في مستطاع ابن يافا حتى ان يحلم بمنافستها، ومن جهة اخرى، هي تواصل بحثها بعدسة مكبّرة عن كل قطعة أرض للشراء او البيع بغية الاستيلاء عليها، ليصبح الإغراء اكبر من إمكانية المقاومة، ولا سيما على ضوء تدهور الأوضاع الاقتصادية لدى الطبقة الوسطى وطبقة العمال. ارتفاع اسعار البيوت والأراضي يعني ارتفاعاً معيشياً يتعدى احياناً الضعف خلال بضع سنوات، ليفضل سكان يافا اللجوء ـ مرة اخرى ـ الى مدن يجري فيها البناء والتطوير بوتيرة أبطأ (مثل اللد والرملة) ليحتمي فيها السكان من ظل التطوير. وكي لا نجافي الحقيقة، نشير الى ان البلدية والدوائر الحكومية جميعها تفعل ما في وسعها لتساعد «الاستثمار». هذا، فمنذ اربع سنوات او خمس هناك خمسمئة بيت مهددة بالهدم في يافا.
ذاك الذي كان كابوساً مرة يسمى «المدن المختلطة» قد يصبح في أعوام قليلة حلماً وردياً. أليس هذا ـ في المعتاد ـ ما تفعله إسرائيل؟! تعلمنا الحب كما الكره، وتعيد بناء مشاعرنا بعنف! يكتب مونتيرسكو ان مصطلح «المدن المختلطة» مر في اربع مراحل مختلفة... المرحلة الثالثة ـ كما يصفها ـ هي بالضبط بعد احتلال عام 1948، وفيها انصب الخطاب الصهيوني بصورة واضحة على «الحاجة الى تأسيس المدن التي احتلت كـ«مدن عبرية» او «إسرائيلية». ورأت ان وضع يافا كـ«مدينة مختلطة» هو وضع مؤقت يفضي الى تحويلها الى «مدينة عبرية» من كل النواحي. وها هما البناء والتطوير بشتان مؤقتية الحالة.
إن القوى المحركة لعنف التطوير والسكن تؤثر تأثيراً مباشراً على العنف داخل المجتمع وبين أبنائه، اذ يقبع السكان المحليون العرب تحت طائلة تفتيت الحيّز العام. فالى ما قبل سنوات ماضية قليلة، نجح الناس في صناعة استراتيجيات وآليات بسيطة لاستعادة هذا الحيّز والاستحواذ عليه والشعور بالانتماء إليه من خلال الوجود فيه، وترتيبه كمكان للعب الأطفال، وحتى إقامة المآتم والأعراس فيه احيانا. أما اليوم، فالبناء مستمر بين البيوت والى جانبها، يمنع ويقطع هذه الاستمرارية، مما يخنق الأطفال والشباب ويتركهم دون صنيع كأضعف الإيمان. الى هذا اضف شحّ الفعاليات الاجتماعية والثقافية والتربوية في يافا، وانعدام المدينية التام، ليتحول عنف الشرطة ضد الشباب الى مثلهم الأعلى، يقلدونه في ما بينهم. إن الشباب يرون كيف تنمو وتتطور المدينة هذه وتقصيهم وتتركهم من دون وسائل للعيش فيها، من دون عمل كريم وحياة محترمة... تتركهم لليأس، لينشأ جيل جديد يمتثل للعنف كأداة للنجاة من المأزق العام او للتعبير عن غضبه وبغضه. هذا الجيل لم يعد من السهل السيطرة عليه. العنف الداخلي يتجلى بازدياد حالات الاعتداء على النساء في العائلات، والسرقات في الشارع، وعدم الشعور بالأمن، والتسرب من المدارس، والتشويه في اللغة والثقافة، والنسبة المرتفعة من الشباب الذين دخلوا السجن على الأقل مرة واحدة في حياتهم حتى سن الثلاثين.
إن «الاستثمار» و«التطوير»، و«البناء»، و«تعزيز السكان»، هي مصطلحات الخطاب المرئي والمحكي لسياسة السوق الحرة والتهويد المستمر الذي يدور حول «الجماليات»، و«مكملات الحياة»، و«الأمن الشخصي والعائلي».
إنها عملية نظيفة جداً، تخلو من الكثير من الضجيج والانفعالات، ومع الكثير من غبار البيوت المرتفعة وتاريخ المكان المدفون اسفلها. البلدوزرات تأتي لاحقاً، بعد ان تشق قوة السوق الحرة الطريق، وتنظم سياسة البلدية ما تبقى من مواطنين قاوموا الترحيل حتى من دون سياسة.
«حنّه ارندت» تذكرنا ان يد العنف هي وسيلته لا غايته. فقد تبدو يافا، في عام 2020، اجمل مدينة ساحلية في المنطقة (هذا اذا ألغينا جمالها الذي كانت عليه قبل احتلالها وتدميرها عام 1948)، ولكنها لن تكون يافا المرتبطة بتاريخ الـ5000 سنة من الحضارة، ولا يافا المرتبطة بنا ـ نحن الفلسطينيين الذين عاشوا المدينة وعايشوا ازدهارها الاقتصادي والثقافي.

ياسمين ظاهر محاضرة في قسم الفلسفة والدراسات الثقافية بجامعة بيرزيت، وناشطة سياسية واجتماعية في يافا.