| 

بدأت تظهر مواد وأخبار في الصحيفتين أعلاه عن موضوع اللاجئين في نهاية عام 1947، ولكن في البداية عن لاجئين يهود. قصدت الصحيفتان إبراز قضية إنسانية (وفق وجهة نظرها) تخص المجتمع اليهودي في يافا وحيفا بأنه يتعرض إلى مضايقات ويواجه صعوبات جمّة جرّاء اعتداءات الفلسطينيين عليه. ونشرت مقالات وتقارير كثيرة حول هذا الموضوع في الصحيفتين وعلى مدار أسابيع كثيرة. أما قضية اللاجئين الفلسطينيين فتم التطرق إليها بصورة جانبية وكأنها غير قائمة بالمرة، وبقي هذا التوجه من التغاضي المقصود فترة طويلة. فبعد صدور قرار التقسيم في نهاية شهر تشرين الثاني من عام 1947 نشرت كل صحيفة أخبارًا عن ترحيل عائلات يهودية من الأحياء المشتركة في حيفا ويافا أو من مناطق التماس بين المجتمعين العربي واليهودي (في حقيقة الأمر أن أحدًا من الفلسطينيين لم يقم بتهجير وترحيل يهود). ولا توجد أي إشارة إلى ما أصاب المواطنين العرب الفلسطينيين من ضرر وتدمير على يد المنظمات العسكرية الصهيونية، وبالتالي ترحيل مخطط له مسبقًا. ولم يظهر مصطلح «لاجئين» في الصحف العبرية بقصد الإشارة إلى الفلسطينيين إلا في مرحلة متقدمة من مسلسل الأحداث، وخصوصًا عندما اشتدت المعارك في كل من يافا وحيفا، وعندها فقط، أي في شهر نيسان، بدأت كل صحيفة تستعمل هذا المصطلح للإشارة إلى الفلسطينيين الذين تم ترحيلهم. وعلينا الإشارة إلى أن ما حدث في دير ياسين من مجزرة رهيبة في مطلع شهر نيسان من عام 1948، واستشهاد القائد عبد القادر الحسيني في الشهر ذاته، ترك أثرًا بالغًا على نفسية الفلسطينيين، وخاصة في مدن الساحل التي بدأ سكانها يشعرون بأن مجازر أكبر ستقع عليهم، أضف إلى ذلك أن المنظمات العسكرية الصهيونية لجأت إلى نشر الرعب والفزع والهلع في قلوب الفلسطينيين بأن مصيرهم سيكون شبيهًا بما تم تنفيذه من مجزرة في دير ياسين. معنى ذلك أنه منذ أن بدأت المنظمات العسكرية الصهيونية بتنفيذ عملياتها وفقًا لخطط عسكرية موضوعة مسبقًا، فإن الصحافة العبرية لم تشر إلى هذه العمليات، وفي مقدمتها عمليات الإخلاء والترحيل. وهذا ما يؤكد تبني هذه الصحافة لقاعدة الصمت المطبق لما كان ينفذ من عمليات إبادة ضد الشعب العربي الفلسطيني وعلى مرأى من المراسلين في عدد من الحالات.
في المرحلة الأولى من تكون قضية اللاجئين الفلسطينيين قلّلت الصحافة العبرية حتى الحد الأدنى من التطرق إليها، وكأنها مسألة لا تعني المجتمع اليهودي أو الرأي العام في هذا المجتمع. ولما بدأت الصحافة ذاتها التطرق إلى القضية، كان ذلك متأخرًا من الناحية الزمنية، أي بعد حدوث المصائب والكوارث لسكان فلسطين الذين حُوّلوا من ملاكين وأصحاب أرض ووطن إلى لاجئين. إشارات أولية لقضية اللاجئين ظهرت في جريدة هآرتس التي تمتعت بمساحة من الحرية أكثر من غيرها لكونها مستقلة، حيث أسندت السبب في وقوع القضية إلى أغراض يستعملها العدو (العرب). وجاء في مقالة لهذه الصحيفة: «إن تجميع اللاجئين في طولكرم ونابلس ودعوة مراسلي الصحف العربية من بيروت والقاهرة لتصويرهم هو لإظهار عنف اليهود ووحشيتهم، مما سيساهم في تنشيط عملية جباية أموال لدعم التصدي لليهود».
وأشارت الصحف إلى وجود عصابات عربية عملت ضد الفلسطينيين وأعضاؤها كانوا السبب الرئيس في وقوع الكارثة في عدد كبير من القرى والمدن. أي أن الصحافة العبرية شريكة في التخلص من عبء المسؤولية عما كانت المنظمات العسكرية الصهيونية تقترفه ضد الفلسطينيين، وألقت بالمسؤولية على عاتق العصابات. وأشارت الصحافة إلى أن دوريات الهاغاناه العادية (الروتينية) في عدد من المناطق قد أزعجت السكان العرب. ولم تذكر الصحيفة ماذا كانت النتيجة. إذ أن عمليات الهاغاناه كانت تهدف إلى ترحيل السكان بعد التعرض لهم وقتل عدد منهم لنشر حالات من الرعب والهلع. وحاولت الصحافة العبرية إظهار موضوع اللاجئين بأنه لصالح العرب وقياداتهم لاستعماله ضد اليهود كهدف استراتيجي. ومن جهة أخرى فإن توافد اللاجئين الفلسطينيين إلى المناطق المجاورة أو حتى المناطق البعيدة عن التجمعات التي عاشوا فيها أو تلك التي تم إخلاؤهم منها، سيجعل هؤلاء يتحدثون عن سوء الحالة في مدنهم وقراهم نتيجة سيطرة العصابات عليها. وهذا سيكون أفضل سلاح نفسي يساعد اليهود في تنفيذ عملياتهم، وبالتالي ظهورهم مسالمين وغير عنيفين.(هآرتس، 25 نيسان 1948).
 «العرب هربوا وأخلوا مناطقهم»
اعتمدت الصحف العبرية مصطلحات متفق عليها في القاموس الصهيوني بخصوص التعامل مع مسألة نشر الرواية الصهيونية لما كان يحدث في فلسطين عام 1948. فلا ذكر بالمرة لسبب «هرب الفلسطينيين» (كما تشير الصحيفتان)، إنما الإشارة إلى أن مراسلي الصحيفتين «شاهدوا حركة بشرية نشطة جدًّا من العرب الهاربين من أحياء عربية في حيفا حاملين معهم بعضًا من أثاثهم» (هآرتس، 8 كانون الأول 1947). وأضاف مراسلو الصحيفة ذاتها أنهم رأوا مجموعة كبيرة من عائلات حيفا الثرية تهرب بالباصات وسيارات الأجرة إلى لبنان.
وأشارت الصحيفتان إلى أن عشائر بدوية في مناطق قريبة من مدينة طولكرم قد أخلت مواقعها متجهة إلى قرى ومدن أكثر أمنًا.
ولكن في شهر آذار 1948 بدأت الصحف بنشر أخبار عن «خروج» و«ترك» (هكذا في العبرية) لعشرات العائلات العربية تحت حماية وتغطية الجيش البريطاني (هآرتس، 28 آذار 1948).
وقامت الصحف بتقليص ظاهرة «الهرب» من خلال نشر أخبار مفادها «أن العرب في قرى محيطة بمدينة نتانيا الساحلية أشادوا بالصداقة القائمة بينهم وبين جيرانهم اليهود، إلا أنهم (أي العرب) فضلوا مغادرة بيوتهم حتى يزول الغضب». وفي موقع آخر نشر أن «عرب الحوارث قد زاروا جيرانهم اليهود في مستعمرة معبروت، وودعوهم باكين وتركوا بأيدي أهالي المستعمرة مفاتيح بيوتهم، وأن اليهود أكدوا لهم أنهم سيحتفظون بها إلى ساعة عودتهم سالمين». وبأسلوب ساخر فيه تخل عن المسؤولية سألت صحيفة هآرتس في اليوم ذاته: «إن اليهود وعدوا بالحفاظ على المفاتيح، ولكن من أجبر العرب على ترك قريتهم؟».
وشددت الصحف العبرية على الجيرة الحسنة بين اليهود والعرب كجزء من الدعاية التي تظهر اليهود مجتمعًا إنسانيًا، وأن المسؤولية الكبرى لما حصل للفلسطينيين تقع على مسؤوليتهم لأنهم رضخوا للعصابات. هنا علينا توضيح هذا المصطلح «العصابات» الذي تبنته الرواية الصهيونية. انتشرت مجموعات كبيرة من المقاومين الفلسطينيين وانضم إليهم عدد كبير من العرب لاحقًا للدفاع عن فلسطين، واستعملوا كل الأساليب والطرق لحماية بيوتهم وأراضيهم في وجه آلة حربية عاتية امتلكت أنواعًا كثيرة من السلاح المتقدم. هؤلاء المقاومون تنعتهم الرواية الصهيونية بـ«العصابات». بهذا النعت تنقل صورة سلبية عمّا كان يجري داخل المجتمع الفلسطيني الضعيف، ولا تعترف بالمقاومة الفلسطينية وحركات الجهاد ضد المشروع الصهيوني، وتُلقي بتبعة المسؤولية على العصابات وعلى قيادات المجتمع الفلسطيني. أما مسألة تفريغ القرى والمدن الفلسطينية على يد المنظمات الصهيونية فلا توجد لها إشارة واحدة واضحة سوى ما له علاقة بباب الدفاع عن النفس وحماية المجتمع اليهودي.
وتصدّت جريدة دافار في هذا السياق لجريدة «كول هعام» (صوت الشعب) الناطقة باسم الحزب الشيوعي التي تجرأ مراسلوها ونشروا أن قيادات الهاغاناه قد أجبروا سكان قرى على ترك أراضيهم بأوامر أصدرتها قيادات الهاغاناه. وتمسكت دافار بفكرة أن العرب هم جيران طيبون والعلاقات جيدة بينهم وبين اليهود، ولا يقوم اليهود بأي عمل مؤذ لجيرانهم. وإزاء هذا الجدل داخل المجتمع اليهودي بخصوص ما كان يجري ضد المــجتمع الفلســـطيني، بـــدأت وبشكل ملحوظ تحدث تغييرات في عملية اختيار كلمات وتعابير لنقل صورة ما يجري، فهذه جريدة هآرتس تذكر عن «إخراج» عرب من حي روميما في القدس بأوامر من الهاغاناه، بادّعاء أن الهاغاناه لا تستطيع أن توفر لهم حماية أمام الغوغاء.
كانت الأحداث تمرُّ سريعًا وبصورة مكثفة يومًا بعد يوم، وفي حالات كهذه في أي منطقة في العالم تكون التغطية الإعلامية (الصحافية في ذلك الوقت) مكثفة هي الأخرى للتوازن أو لتتساوى مع حجم الحدث أو مجموع الأحداث، إلا أن الصحف العبرية ارتأت تصغير حجم ما كان يحدث، وتكبيره وفقاً لرياح التطورات السياسية والعسكرية التي كانت تجري على أرض الواقع وفي ميدان المعارك. والسخرية في الأمر لمن يتابع عملية النشر عن أحداث النكبة في عام 1948 في الصحافة العبرية أن تهجير آلاف من العرب من حيفا(على سبيل المثال ليس الحصر) قد نشر عنه سطر واحد في أحد أعداد جريدة دافار على النحو التالي: «تم نقل خمسة آلاف عربي من حيفا إلى لبنان خوفًا من الهجمات اليهودية» (دافار، 5 نيسان 1948)، مع العلم أن قصفًا مكثفًا تعرّضت له الأحياء العربية في حيفا ولمدة طويلة كان أحد الأسباب المركزية في وقوع الكارثة في المدينة، إضافة إلى قيام عناصر من الهاغاناه بتمشيط دقيق للبيوت العربية وإخلائها من سكانها والاستيلاء عليها مباشرة تمهيدًا لتوطين عائلات يهودية مهاجرة وفدت إلى فلسطين من مختلف أرجاء العالم. وفي اليوم ذاته الذي ســـقطت فيـــه حيفا واحتــــلتها الهاغاناه وفي مقال مُحرر دافار جاء فيه: «عرب حيفا باتوا يعرفون الآن إلى أين أوصلهم زعماؤهم والعصابات الغريبة التي استولت عليهم. الشهور الأربعة الأخيرة أدت إلى نزف دم وخراب ودمار. لقد فرّغوا حيفا وقراها من سكانها العرب...»(دافار، 23 نيسان 1948). لا توجد في هذا المقال أي إشارة إلى العمليـــة العسكرية المخـــطط لها والتي استعملتها الهاغاناه في احــتلال حيفا وطرد سكانها الفلسطينيين منها. إنها خطة رهيبة باسمــها ومركباتها. «خطة المقص» التي كانت تقضي بتنفيذ هجوم كاســح على الأحياء العربية على هيئة مقص والإطباق على هـــذه الأحياء ودفع سكانها باتجاه ميناء حيفا حيث كانت تنتظر الحيفاويين سفن نقل الركاب وبواخر تجارية وبوارج حربية. نفذت خطة المقص كجزء من الخــطة «د» (داليت) التي وضعتها قيادة الهاغاناه بإشراف دافـــيد بن غوريون لتطهير فلسطين من سكانها الأصليـــين واستبدالهم بســـكان آخرين وثقافة أخرى، وتحويل الشعب العربي الفلسطيني إلى شعب لاجئ خارج وطنه، بحيث لا يسمح له بالعودة مطلقًا، وفرض حلول التوطين على الحكومات العربية.
عقوبات ومحاسبة
ضمن الرواية الإسرائيلية الرسمية لأحداث النكبة عام 1948 لا توجد أي إشارة إلى دوافع الخطة الصهيونية في تنفيذ تطهير عرقي في فلسطين، إنما هناك مئات من الإشارات إلى أن العمليات العسكرية التي كانت تنفذها الهاغاناه والايتسل وغيرها كانت لمعاقبة الفلسطينيين لأنهم اعتدوا على حي يهودي ما في مدينة معينة، أو أنهم اعترضوا طريق قافلة يهودية، أو قتلوا يهودًا، وغيرها من الأسباب. ولم تُشر الصحف بالمرة إلى أسباب قيام الفلسطينيين بهذه العمليات ردّاً على العنف والأعمال الإجرامية التي نفذتها المنظمات اليهودية نفسها.
وبالرغم من أن الانتداب البريطاني لم يغادر فلسطين إلا في منتصف شهر أيار من عام 1948، إلا أن المنظمات الصهيونية باشرت بتنفيذ عمليات قتل وإرهاب وتدمير وترحيل تحت مرأى عيون هذا الانتداب. ومن الواضح أن تنسيقًا عسكريًا وميدانيًا كان قائمًا بين الطرفين البريطاني والصهيوني. ووجهت الصحف العبرية مقالاتها في الأساس إلى الجمهور الصهيوني، لإظهار عنف الفلسطينيين وإجراميتهم، مع التركيز على أن المنظمات الصهيونية بإمكانها أن توفر حماية لليهود في وجه المجرمين العرب. وأن المنظمات الصهيونية تضرب بيد من حديد لكل من يعتدي على اليهود وأملاكهم. ومرة ثانية من دون الإشارة البتة إلى مبادرات هذه المنظمات في الهجوم على قرى ومدن عربية وترحيل سكانها.

(*) مؤرخ من حيفا.