| 

لا مفرّ. مهما تكررت زياراتك إلى أي من مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، ستظل تنتبه إلى المفارقة: هنا، يمكن لجدران البيوت المتلاصقة حد التداخل أن تضيق على الأزقة، حتى يكاد الواحد يعجز عن فتح ذراعيه على اتساعهما.
في هذا الفضاء الذي يبخل عليه أكثر عناصر الطبيعة كرماً، الضوء والهواء، تستمر حياة الفلسطينيين، من دون إحصاء واضح لأعداد الباقين منهم، إن في الإثني عشر مخيماً رسمياً، او في التجمعات، أو في المناطق اللبنانية، وإن كانت أرقام الاونروا تشير إلى أكثر من 400 الف لاجئ مسجلين لديها. الخارجون من ارضهم قبل اثنتين وستين سنة إلى لبنان، كانوا نحو مئة الف، معظمهم من منطقة الجليل وشمال فلسطين، من اقضية مثل عكا وبيسان والناصرة وصفد وطبريا وحيفا وغيرها.
حيث نصبوا خيامهم، بنوا طوال أعوام اللجوء منازلهم الموقتة. حيث الخيمة، ارتفع ما يمكن تسميته مجازاً «البيت» وفوقه البيت وفوقه البيت. نسميه التمدد العمودي في أراض سميت مخيمات وحددت بالسنتيمتر، فصار تمددهم يختصر بوصفه «عمودياً». لكنهم تمددوا بطرق أخرى أيضاً، قسرية بدورها. أخرجوا وشردوا من مخيم تل الزعتر ونزحوا مرغمين من مخيم النبطية اللذين لم يبق لهما اثر، كما شردوا من مخيم نهر البارد، بعدما كاد «الاشتباك المنظم» يسقطه على رؤوسهم. المخيم الذي يعاد بناء بعضه الآن قطرة قطرة. هؤلاء باتوا لاجئين مضاعفين إلى مخيمات أخرى، اتسعت قلوبها بفعل العناد، عناد الفلسطينيين الأبدي، من إصرارهم على اللهجة، يتوارثونها حفيداً عن جد، إلى حفاظهم على مفاتيح بيوت اندثرت وما راحت الارض التي كانت تحملها.
يعجز اللاجئ عن فتح ذراعيه في أزقته. وهذا قد يبدو تفصيلاً بسيطاً إزاء لائحة تطول من العوائق الاخرى في دربه. لنعد، فنحن بحاجة إلى اصابع كثيرة، لأن أصابع اليدين لا تكفي.. من المستشفى الذي يضيق بالطفل الذي يولد فيه، إلى صف المدرسة الذي يزاحم كي يجد مقعده.. إلى الغد الموقت، إلى أكثر من سبعين مهنة ممنوع عليه ممارستها، حتى إذا تفوق في الشهادات المطلوبة منه لممارستها. إلى البيت الممنوع عليه أن يتملكه. إلى «المتر وخمسة وسبعين سنتمتراً» التي حكى عنها محمود درويش إذا ما قرر الرحيل، يبحث عنها الراحل في مقابر المخيمات، فلا يجد إلا اكتظاظاً على اكتظاظ.
هل استحى الشهيد ناجي العلي من أن يزاحم موتى مخيمه عين الحلوة في مثواهم، ففرض عليه أن يُدفن بعيداً عن والديه، وعن فلسطينه الثانية؟ من يدري.
حنظلة الذي يعطي العالم ظهره، خرج من مخيم.. من عين الحلوة، بالتحديد، أكبر المخيمات وأكثرها كثافة سكانية. مخيم «نموذجي» لزاوية رؤية المخيم الفلسطيني في لبنان، كبؤرة أمنية، تعج بالسلاح والبؤس والأطفال والمقاتلين السابقين والاساتذة والطلاب والعمال بلا عمل، وباللحى وبالخارجين عن القانون. المخيم «الجذاب» للعدسة التي تبحث عما تريده بالتحديد من الفلسطيني، جالساً خلف متراس أو متوارياً من وجه العدالة.
ولأنه كذلك، سنمشي في أزقة عين الحلوة، دليلنا حنظلة، الحافي القدمين، لا نرى له وجهاً، يضم كفيه خلف ظهره، لأنه يعلم أنه لا يستطيع فتح ذراعيه على اتساعهما، لكنه يعلم أن لا شيء يمنعه من أن يحلم بأنه يطير.
الحياة اليومية
أصوات الباعة. صيحاتهم المتكررة تتنافس في الإعلان عن الأسعار الأرخص. رائحة الخضار والفواكه وألوانها. الأسماك المفروشة على مصاطب الثلج. أفخاذ البقر المتدلية في واجهة الملحمة. الفراريج. الثياب. الاحذية. ألعاب الاطفال. الحلاقون. الحلوى. محال السمانة. عشرات النسوة يتجولن بين المحلات على طرفي الشارع، وبين العربات المرصوفة في وسطه. أطفال يلهون ومراهق يزن سلال الفريز سلة بعد سلة، ويرتبها على عربته، صائحاً: ألف وخمسة يا فريز. صراخ أربعيني لجاره الحلاق، معلناً رأياً حاداً في الأنظمة العربية، ممجداً تركيا، ثم، مجيباً بالصوت نفسه، على سيدة محجبة تسأله عن سعر كيلو اللحم. الضوضاء التامة للسوق الشعبي كما نعرفه أو كما نتخيله. ضوضاء حياة أخرى، يعلم الواحد ما إن يغرق فيها، إنها هي الصورة الأصلية للتجمع الفلسطيني الأكبر في لبنان. الصورة المعتم عليها لأكثر من أربعين ألف لاجئ، بحسب احصاءات الاونروا، وصولاً إلى ثمانين ألفاً، في إحصاءات غير رسمية لمؤسسات اهلية. الصورة التي تكاد تكون غائبة عن «عين الحلوة»، مخيم الكيلومتر المربع الواحد إلا قليلاً في صيدا، المختزل، رسمياً وإعلامياً، بمفردات ثقيلة: عبوات. اغتيال. تبادل إطلاق نار. فلتان أمني. مطلوبون.
الصورة المختلفة عن تلك التي إذا أغمضنا اعيننا لا نرى سواها: رجال مرقطون، ولحى طويلة، وبنادق مرفوعة عالياً. صورة الفلسطينيين الذين يمكن وصفهم بالعاديين، هؤلاء الذين اجترحوا اعمارهم بين جدران لجوئهم العالية، اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً.
عاديون.. ومطلوبون
«العاديون» بالمقياس الفلسطيني، نلتقيهم كيفما مشينا في سوق عين الحلوة. محمد طيّار واحد منهم. يجلس في صيدلية صغيرة تبدو نافرة في قلب سوق يكتسحها الخضار. الاربعيني لم يغادر مخيم عين الحلوة إلا بمنحة دراسية في التسعينيات لمتابعة تحصيله العلمي في الجامعة الاميركية في بيروت. تخصص في دراسات الشرق الادنى، وعاد إلى المخيم. الصيدلية، وراتب زوجته المدرّسة، والمساعدة من شقيقه المهندس في اليونان، تؤمن له دخل اسرته، الذي يقتطع منه جزءاً كبيراً لاقساط ولديه التلميذين في مدرسة خاصة يصر الوالد على إرسالهما إليها للسبب المعروف: اكتظاظ مدارس الاونروا الثماني غير المعقول، ونظام الدوامين.
«شبه مدينة»، يقول محمد في وصف مخيمه. المحال التجارية تظل مفتوحة حتى ساعات متأخرة من الليل، وحركة الناس لا تهدأ.
هو أكثر من «بؤرة أمنية». قواه السياسية على اختلافها توصلت إلى نقاط التقاء اساسية أهمها الإصرار على تجنيبه كأس الكارثة التي ابتلي بها شقيقه الشمالي، مخيم نهر البارد. لفتح قوتها في المخيم، وللتنظيمات الاسلامية وجودها الذي لا يستهان به بالطبع. غير أن عين الحلوة هادئ. إلى حين؟ لا أحد من أبنائه يعلم. هذه معضلة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، والمستمرة منذ زمن بعيد: غياب المرجعية السياسية الضابطة. على العكس من مخيم شاتيلا مثلاً، المسلحون هنا أكثر ظهوراً، من عناصر فتح الجالسين إلى نقاط الحراسة، إلى مراهقَيْن بثياب عسكرية يمضيان على دراجة نارية شاهرين بندقية في الهواء، إلى ملتح بثياب مدنية يرفع طرف قميصه فوق مسدس عملاق على خصره. استسهال في ابراز السلاح ليس هناك ما يشبهه في مخيمات أخرى. أكثر هؤلاء المسلحين متفرغون لقاء بدل شهري ضئيل. هي بطالة مقنعة.
أبو محمود، المسؤول في إحدى المنظمات في المخيم، يشير إلى أن هذا السلاح بحاجة إلى ضبط، حتى ولو كانت القوى السياسية قادرة على إنهاء أي إشكال في أقل من نصف ساعة. فإطلاق النار قد يقع أحياناً لخلاف بين شابين من مربي طيور الحمام. وما يفاقم الأمر سوءاً، كثرة المطلوبين للدولة اللبنانية. هؤلاء يجدون أنفسهم مسجونين في هذا الكيلو متر المربع، بلا عمل، فتصير المنظمات ملاذهم الاول والأخير. مع أن بعضهم يكون اذا ما استدعي للمثول أمام القضاء، مجرد شاهد فحسب، ولكنه لا يجرؤ على المثول لخوفه من أن يسجن فيستنكف ويصبح مطلوباً.
غير أن الأقلية هي المطلوبة او مثيرة المشاكل. الاغلبية هي تلك التي تسعى إلى رزقها، ولو كيفما اتفق. ولو بالهروب من بطالة ظالمة يفرضها منع الطبيب والمهندس والصديلي وغيرهم من مزاولة مهنهم، فتنجدهم سيارات الاجرة والمصالح التجارية الصغيرة التي تتشابه معروضاتها بالعشرات في الشارع نفسه.
هؤلاء يصيرون مضرب مثلٍ الهاربين من التعليم المهني، أو من التعليم برمته، ما دام الحافز ليس موجوداً. ما دام كل شيء، بمعنى حرفي، صعباً.
يعتاش أبو محمود، الاربعيني، من دكان سمانة، وليس من راتب التنظيم القليل الامكانات الذي ينتمي إليه. واقع الناس الاجتماعي اولوية لديه، يتحمس لشرحه اكثر مما يتحمس للحكي عن السلاح. يشير إلى البنى التحتية التي لم تواكب يوماً هذه الحياة الموقتة الممتدة منذ اثنين وستين عاماً، تضاعف في خلالها عدد ابناء المخيمات أربع مرات تقريباً. يشير إلى مياه الشفة الملوثة. إلى خدمات الاونروا التي تتقلص يوماً بعد يوم. إلى ما يعيد عين الحلوة إلى صورته الاولى والاخيرة: مخيم لا يحيد قيد انملة، في همومه الاساسية، عن أي مخيم وتجمع آخر، على الخريطة اللبنانية. يخرج عين الحلوة بذلك من مشهده «المرعب» أمنياً، إلى المشهد المألوف: مخيم آخر، مشاكله تستعصي على الحل. كل مجده أنه يحمي أبناءه. يحمي اسماء قراهم من النسيان. يطلقها على الأحياء والأزقة. يحمي لهجتهم من الذوبان. يحمي روابطهم الأسرية التي تلتصق بعضها ببعض، التصاق بيت الأب ببيوت الأبناء. يحمي هويتهم، وهي نفسها قضيتهم.
في المقهى
القضية، في يوم الناشطين في البحر الأبيض المتوسط، تعود، في مقهى من عمر المخيم، إلى البداية. إلى تلك الرحلة التي لا يمل راويها من استعادتها، لتصل في دفقها إلى اللحظة الأخيرة. الزيب، قرية ابي يوسف شحادة، تبعد ثلاث كيلومترات عن الناقورة. ثلاث اصابع عمرها أكثر من ثمانين عاماً، ترسم الرقم الصغير بتحدٍ. الآن هو مستعد للمشي إلى الزيب. الآن. لكن دون عودته «يونيفل» وجيش احتلال. يمازحه صديقاه، أبو سميح الصياح وأبو جمال أبو شقرا حول رحلته الغريبة هذه. هل سيستطيع أن يمشي أصلاً إذا زالت الجيوش من دربه. يقسم بأنه مستعد لأن يمشي.. ويتحدى، هو العارف بأنه على حافة عمره، بانه سيعود. تلتمع عيناه للإصرار الذي من الصعب على غير الفلسطيني فهمه. يثير إعجابه الشديد الموقف التركي، بخاصة حين يقارنه بموقف النظام المصري. يكيل سخرية شديدة للأخير تدفع صديقيه إلى الغرق في الضحك. وحين يعود إلى جديته، يكون ممتناً لدولتين ستنهيان إسرائيل، إيران وتركيا. أما مفتاح النصر فرجل اسمه حسن نصر الله. «هذا مفتاح النصر». مرة بعد مرة يعيد عبارته. يعلق أبو سميح: وماذا يقولون لنا؟ يقولون إن ايران تريد تشييع المنطقة.
عندها ينفعل ثالثهما، ابو جمال شاتماً: أي شيعة وأي سنة؟ هذا الرجل حمل قضيتنا، نقول له أنت شيعي؟ يا عيب الشوم. هذا قائد صادق.. يدافع عنا. يختلط كلامه بكلام أبي يوسف: نصر الله مفتاح النصر. حين يهدآن، ينتبهان إلى أننا لم نشرب الشاي بعد. الشاي الذي يعرض مباشرة بعد إلقاء التحية هنا، يُعد رفضه إهانة. نشرب الشاي ونغادر المكان العتيق. على طرف الشارع اولاد يلهون بطاولة بلياردو صغيرة. يكلفهم الشوط مئتين وخمسين ليرة. صاحبها ثلاثيني يجلس أمام محله لبيع زينة الدراجات النارية. مساء، حين يقفل جاره الميكانيكي محله، ينصب الرجل طاولة بلياردو أخرى، اكبر حجماً في الفسحة أمام المحل المغلق. هذه يلعب بها المراهقون.
ثمن الطاولتين نحو مئتي دولار. هما «مشروع» صغير يستثمره الرجل لمدخول إضافي لعائلته. «شعب الجبابرة إحنا.. شو مفكّر؟» يقول ويضحك.
في الأزقة
ضجة الشوارع الثلاثة الرئيسية في عين الحلوة، «الفوقاني» و«التحتاني» والسوق التي تصلهما، تختفي من الأزقة. هنا، بين اطفال يلعبون، وبين دكاكين سمانة اشتقت من غرف البيوت، لا يعود اسم المخيم مهماً، لأن أزقة عين الحلوة للغريب عنها تحيل إلى أي أزقة أخرى نظنها تتشابه، في برج البراجنة وشاتيلا والبقية الباقية من المخيمات. هي ليست الأزقة نفسها، لمن عاشها. نمشي فيها تائهين بالطبع، على العكس من ابناء البيوت على طرفيها، يحفظونها أكثر مما يحفظون الخطوط على أيديهم. أول أي زقاق، يطل على ما يبدو جداراً لا منفذ فيه. لكن لا زقاق يصل إلى طريق مقطوع. دائماً هناك منفذ. خريطة معقدة وفوضوية، تكاد تكون متاهة. يعرفونها مع ذلك. هي كخريطة حياتهم جيلا بعد جيل، لا يحفرها إلا هم، ولا يفهمها إلا هم.
وهم وحدهم من يلتصق يومه بأمسه إلى هذه الدرجة. الشجرة التي لا يعلم إلا الله كيف تشق طريقها إلى السماء بين هذه البيوت، عمرها ستون عاماً. السيدة الماضية إلى الثمانين بوجه ابيض وابتسامة واسعة، تقول إن أعلى الشجرة انكسر في الشتاء فألقت بجذعها على سقف البيت. الشجرة المنهكة هذه لن تُقطع بأمر من هذه السيدة التي كبرت وتزوجت وأنجبت وصارت جدة هنا.. في هذه الأمتار القليلة. رأت الخيمة تصير حجراً وصفيح السقف يصير حجراً. رأت البيوت تعلو وتضيق مع ذلك بقاطنيها. ورأت الشجرة التي زرعها والدها امام الخيمة تكبر بدورها. كالخيمة التي صارت بيتاً هي هذه الشجرة، كالحياة القاسية في اللجوء.. تظل خضراء.