| 

لم يتوقع كثيرون، بما في ذلك رواد الفكرة، أن الجامعة التي كان يُخطط منذ أكثر من أربعة عقود لإقامتها في الخارج، ستصبح أكبر مؤسسة أكاديمية في فلسطين: "جامعة القدس المفتوحة"، أطلقت مؤخراً احتفالاتها بيوبيلها الفضيّ، ومن المقرّر أن تتواصل على مدار العام الحالي.
الجامعة هي الوحيدة في الأراضي الفلسطينية التي تعتمد منهجية التعليم المفتوح، أي تعليم الطلبة من دون الحاجة إلى التواجد اليومي في مراكزها التعليمية. حقّقت منذ انطلاقتها العديد من الإنجازات، قد يكون من أبرزها حصولها في العام الماضي على جائزة "القرن الذهبي"، من "المؤسسة الدولية لتطوير الأعمال"، باعتبارها واحدة من أفضل 50 مؤسسة دولية في العالم على صعيد الأداء.
بدأ التفكير في إنشاء الجامعة في العام 1975، انطلاقاً من احتياجات الشعب الفلسطيني للتعليم العالي في ظل ظروفه السكانية والاجتماعية والاقتصادية تحت الاحتلال الإسرائيلي. بطلب من "منظمة التحرير الفلسطينية"، قامت "منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم - يونسكو،" بإعداد دراسة جدوى لمشروع الجامعة، استكملت في العام 1980.
وتشير وثائق الجامعة إلى أن المجلس الوطني الفلسطينيّ أقرّ المشروع في العام 1981، إلا أن ظروف الاجتياح الإسرائيلي للبنان حالت دون المباشرة في تنفيذه حتى العام 1985.

قصّة التأسيس: من الخارج إلى الداخل
مسيرة الجامعة، كما يؤكد القائمون عليها، لم تكن معبّدة بالورود، ومرّت بالعديد من التحديّات منذ كان انشاؤها مجرد فكرة راودت مخيلة أفراد القيادة الفلسطينية، وتحديداً الراحلين الرئيس ياسر عرفات وخليل الوزير "أبو جهاد"، وغيرهما.
ويذكر رئيس الجامعة د. يونس عمرو أن أركان القيادة خاصة في "حركة فتح" كانوا أصحاب فكرة إنشاء الجامعة، قبل أن تنتقل إلى اللجنة التنفيذية لـ "منظمة التحرير" التي تبنت الفكرة أيضاً.
ويروي عمرو أن فكرة انشاء الجامعة برزت خلال حقبة السبعينيات من القرن الماضي: "خلال السبعينيات وبداية الثمانينيات، وتحديداً خلال الفترة التي أعقبت خروج المنظمة من بيروت، كان هناك إرهاق كبير تعاني منه الجامعات، خاصة في ظل الاجراءات الإسرائيلية التي شملت اغلاق جامعات لمدد متفاوتة، عدا تقطيع أوصال الأراضي الفلسطينية، واعتقال أعداد كبيرة من الطلبة والأساتذة، بالإضافة إلى إصدار قرارات تعيق العملية التعليمية". ويتابع: "فكّرت القيادة أن كافة هذه الخطوات هي بمثابة مقدمة لإغلاق الجامعات، وبالتالي، لا بد من اتخاذ تدابير لاستمرار التعليم العالي. وقد كانت هناك مجموعة من الخبراء الفلسطينيين من ضمنهم الأكاديمي الراحل د. ابراهيم أبو لغد، بحثت أمر الخروج من هذا المأزق، وتوصلوا بالتعاون مع منظمة "اليونسكو" إلى قناعة بضرورة إنشاء جامعة مفتوحة".
عندما برزت فكرة إنشاء الجامعة، لم يكن هناك فهمٌ دقيق لماهية "التعليم المفتوح"، وفق ما يؤكد القائمون على الجامعة. كما أن الفكرة كانت تتمثل بإنشاء الجامعة في الخارج، وليس داخل فلسطين. ويروي عمرو أن رفض كافة الدول العربية والأجنبية احتضان حرم الجامعة على أراضيها، كاد يئد الفكرة في مهدها: "حتى قبرص اليونانية، التي نرتبط بها بعلاقات تاريخية، رفضت إقامة الجامعة على أراضيها. وعندما بدا أن المشروع يتجه إلى طريق مسدود، وأنه يتجه إلى الغائه، أصرّ الرئيس عرفات على التقاء أكاديميين من الأراضي المحتلّة، بغية تنفيذ المشروع فيها. تشكّلت في العام 1989-1990 لجنة لهذا الغرض من 5-6 أشخاص، كنت أحدهم، بالاضافة إلى د. منذر صلاح الذي أوكلت إليه مهمة رئاسة الجامعة، وكان لها مقر مؤقت في العاصمة الأردنية عمّان"، يقول عمرو.
افتتح المقرّ المؤقت في عمّان العام 1985، بموافقة رسمية من وزارة الخارجية الأردنية. بالتالي، تركّز العمل خلال الفترة ما بين 1985-1991 على إعداد الخطط الدراسية والكليات، واعتماد التخصصات العلمية فيها، وإنتاج المواد التعليمية، خاصة المطبوعة، مثل الكتب الطلابية، والوسائط التعليمية المساندة، لا سيما السمعية والبصرية.
ويشير عمرو إلى أن أعضاء اللجنة خضعوا للتدريب على أيدي خبراء كنديين في مجال التعليم المفتوح، وانطلق مخطط إنشاء الجامعة داخل الوطن المحتلّ، عبر خطة تمّ في إطارها فتح برامج للتعليم المفتوح في الجامعات، كانت تتولى تنفيذ مختلف المهام الإدارية والأكاديمية والمالية بالنيابة عن الجامعة.
ومع حلول العام 1991، باشرت الجامعة خدماتها التعليمية في فلسطين، وأنشأت فروعاً ومراكز دراسية في المدن الكبرى، بعدما نقلت مقرها من عمان إلى الضفّة، وقد ضمّت في البداية المئات من الطلبة، ليأخذ العدد بالازدياد سنوياً حتى أصبح 57895 في العام الدراسي 2015-2016، ما يشكّل ثلث طلبة التعليم العالي الفلسطينيّ. وقد خرّجت الجامعة الكوكبة الأولى من طلبتها في العام 1997، ليصل عدد خرّيجيها حتى اللحظة إلى 75413 خريجاً، علماً أنه قد بات لها 21 فرعاً في الضفّة الغربية وقطاع غزّة.

تطوّر الأسلوب التعليميّ:
من الكتاب إلى "فضائيّة" تبث الدروس

بعيد انتقال الجامعة إلى داخل فلسطين، تولّى رئاستها د. ذياب عيوش، وقد كان أحد أعضاء اللجنة التي شكّلت نواة تأسيس الجامعة، وبدأت الجامعة عملها عبر ستة فروع، وفق عمرو. ويوضح أن فهماً خاطئاً عن الجامعة ساد في بداياتها، علماً أنها تقوم على مبدأ الانتساب، فيتسجل الطلاب ويقدمون الامتحانات، ومع نهاية سنوات الدراسة الأربع، يحصلون على الشهادة الجامعية: "وضعنا قوانين ولوائح للجامعة، لدرجة أن نسب التسرب منها وصلت إلى 70 في المئة في السنة الأولى".
وكانت الجامعة استناداً إلى مفهوم التعليم المفتوح، تعتمد في بداياتها على تنظيم محاضرات للطلبة في مراكزها التعليمية، لكن بزخم دراسيّ يقل عن الجامعات الأخرى "المقيمة" في الضفّة والقطاع، قبل أن تنتقل إلى وسائط تعليمية مختلفة في إطار عملية تطويرها.
ويذكر عمرو الذي تسلم دفة رئاسة الجامعة في العام 2000-2001، أن "أول وسيط لجأت إليه الجامعة تمثل في الكتب التي ألفها أكاديميون في الجامعات الأردنية، وفق أسلوب التعليم المفتوح، أي أن يكون الكتاب مغن عن الأستاذ بنسبة 70 في المئة، وبحيث يحتوي على تمارين وحلولها".
وعمدت الجامعة بعد ذلك إلى ادخال وسائط أخرى. في العام 2003، تم التركيز على التعليم الالكتروني، بدءاً بـ "الفيديو المتدفق"، أي المحاضرات المنقولة على شبكة الجامعة الالكترونية، وصولاً إلى "الصفوف الافتراضية التفاعلية"، وانتهاءً بنظام المراسلات باستخدام الرسائل القصيرة بين الطلبة والأساتذة، وانشاء "فضائية القدس التعليمية"، التي بدأ بثها التجريبي قبل نحو ثلاثة أشهر، وهي تعتبر أول فضائية فلسطينية تعليمية: "استكملنا كافة الوسائط الالكترونية والاتصالية الحديثة في خدمة التعليم، ما أدخلنا في اشكالية جديدة: هل نحن جامعة مفتوحة، أم جامعة الكترونية افتراضية؟ وللخروج من النسق، اطلعنا على بعض النماذج العالمية، ولجأنا إلى اعتماد مفهوم التعليم المدمج، بمعنى استخدام الوسائط الالكترونية في التعليم التقليدي. المحاضرات الصفية باتت غير مهمة أبداً، في بعض التخصصات والحقول".
ويلفت إلى أن الجامعة شرعت منذ نحو عامين في تكريس مفهوم التعليم المدمج، ما دفعها إلى تحويل بعض المقررات الدراسية إلى إلكترونية، وتوفير الكتاب على قرص مدمج (سي دي) وغيره، من دون الحاجة إلى حضور محاضرات.
بيد أنه يؤكد أنه رغم التطور الذي شهدته العملية التعليمية في الجامعة، إلا أنها لا تزال تتمسك بإجراء امتحانات مركزية لتقييم الطلبة مع نهاية كل فصل دراسي، بمعنى أداء امتحانات ورقية ضمن قاعات دراسية، ما عزاه إلى الحرص على دقة عملية التقييم الأكاديمي، والحفاظ على صدقيتها.
ويفخر عمرو بان الجامعة هي الوحيدة التي خضعت لعملية تقويم خارجي، وكان ذلك العام 2006: "كان لدينا نقص مهم ركزت عليه لجنة التقويم الخارجي التي قامت بمهمتها بدعم وإشراف البنك الدولي، وهو ما يتمثل بالمباني. فشرعنا في عملية بناء واسعة في مختلف المحافظات. ولذلك، 70 في المئة من مباني الجامعة مملوكة لها، خاصة في القطاع حيث توجد خمسة فروع للجامعة، بينما تبلغ نسبة المباني المملوكة لنا في الضفة 50 في المئة، والعمل جار على قدم وساق لاستكمال باقي الأبنية".
وهو ينوه إلى عناية الجامعة بالبحث العلمي، إذ أنشئت قبل عامين عمادة خاصة به، علاوة على مراكز بحثية. ما اقترن مع إصدار أربع مجلات مصنّفة دولياً، إحداها باللغة الإنكليزية، ما أدّى إلى حصولها على تقييمات دولية مميزة".
برنامج عمل الفترة المقبلة
يثبت خريجو الجامعة كفاءة توازي وكثيراً ما تفوق تلك التي يبديها نظراؤهم في الجامعات الأخرى، خاصة في مسابقات التعيين للوظائف الرسمية والخاصة. ويوضح عمرو أن الجامعة تقدم اعفاءات لصالح الطلبة في كلّ فصل دراسيّ بقيمة 4 ملايين دينار أردني، ما عزاه إلى رفع الجامعة شعار عدم حرمان أي طالب /ة من التعلّم لسبب ماليّ.
وهنا، لا بد من الإشارة إلى أن الجامعة تعتمد في تمويلها على الرسوم التي يدفعها الطلبة، علما أن قيمة الساعة الدراسية الواحدة للبكالوريوس تبلغ 17 دينارا أردنياً (نحو 22 دولاراً)، مقابل 95 ديناراً للماجستير (130 دولاراً)، بالإضافة إلى بعض التمويل الذي تحصل عليه من الحكومة، وتبلغ نسبته 4 في المئة من التمويل المخصّص للجامعات، عدا مساعدات تقدمها أطراف دولية خاصة لأغراض إقامة المباني.
ويبلغ عدد العاملين الإداريين في الجامعة وفروعها نحو 700 شخص، بينما يصل عدد أعضاء هيئتها التدريسية إلى نحو 1500، زهاء 500 منهم متفرغون للجامعة.
وكان من اللافت في مسيرة الجامعة، امتلاكها سابقاً لفرعين في السعودية كانا يقدمان خدماتها لأبناء الجالية الفلسطينية هناك. مارسا نشاطهما ما بين 2002 -2012، إلا أن ظروفاً قاهرة لا ترتبط بالجامعة أساساً، دفعتها إلى إغلاقهما.
وبعد طول انتظار، فإن الجامعة نجحت بالحصول على موافقة وزارة التربية والتعليم العالي على برنامجين في مجال التعليم العالي "الماجستير"، هما: برنامج اللغة العربية، وبرنامج الإرشاد التربوي والنفسي، اللذان أطلقا العام الدراسي 2015-2016.
وبالنسبة إلى أولويات الجامعة خلال الفترة المقبلة، يوضح عمرو أنها تكمن في استكمال المباني التابعة للجامعة: "لدينا 4-5 فروع في الضفّة في المراحل المتوسطة أو النهائية، بالتالي، سيتبقى علينا استكمال هذه المسألة في ثلاث مناطق، علاوة على استكمال التخصصات غير الموجودة في الجامعات".
كما تعتزم إدارة الجامعة إنشاء مراكز بحثٍ علميّ تغطي مجالات الزراعة، الترجمة، تكنولوجيا المعلومات، والإنتاج الفني، "كما أننا نتطلع إلى الارتقاء بمستوى الأستاذ الجامعي، والنهوض بالخدمة الالكترونية، خاصة أن لدينا مختبرات نحتاج إلى تحديثها وتطويرها، ما ينطبق أيضاً على الكادر البشري".
وهو إذ يرى أن أبرز التحديات التي تفرض نفسها على الجامعات يتمثل في توفير الموارد المالية، يعتبر أن "الفارق بيننا وبين الجامعات الأخرى هو تركيزنا على ترشيد الإنفاق، من هنا نعمل على تقليص الموازنات".
ويشرح: "الجامعات تعاني من عجز مالي كبير، لذا يجب على الحكومة أن تزيد دعمها لها، خاصة أنه في معظم الجامعات قيمة الرسوم الطلابية متدنية. الآفة الأخرى التي يعاني منها التعليم العالي، تتمثل في عدم الجدية الرسمية في ضبط العملية التعليمية، ما تتحمل مسؤوليته الوزارة، ومجلس التعليم العالي، بمعنى غياب نظام تعليمي صارم وواضح يغطي كافة الجوانب". ويستدرك: "حتى الآن لم تتم عملية تقويم داخلي لمؤسسات التعليم العالي، ولا تقويم خارجي، بالتالي لا توجد معايير للتميز".