| 

الألعاب الشعبية الفلسطينية القديمة أصبحت شبه منقرضة عملياً في الأزقة وداخل ساحات البيوت، لكنها ما زالت منقوشة في ذاكرة المواطنين الفلسطينيين كتاريخٍ مميّز. فما من فلسطينيّ وفلسطينيّة إلا ويعرفان عشرات الألعاب القديمة، من خلال ممارستها في الطفولة، أو من كتاب التربية الوطنية في المرحلة الابتدائية من المدرسة، أو عبر منهاج يتعلق بالتراث في الدراسة الجامعية. الألعاب الشعبية ليست للتسلية فقط، بل تعكس تفاصيل هامة من التراث الفلسطيني وتسهم في غرس سلوكيات عند الأطفال. "السفير" استعرضت أبرز الألعاب الشعبية ومميزاتها وناقشت تطور بعض هذه الألعاب لغايات مختلفة عبر المحطات التاريخية المختلفة في فلسطين.

أولاً، القرعة
سنابل ناجح (12 عاماً) تعرف لعبة "طاق طاق طاقية" لأن والدتها حدثتها عنها، لكن لا تلعبها. نادت على شقيقتها سبأ وابنة جيرانها مريم لبدء اللعبة أمامنا، بابتساماتٍ ترتسم على الوجوه. بدأت عملية اجراء القرعة ووقع الدور على سنابل، فأمسكت بقطعة قماش وأخذت تحوم حول بقية المشتركات في اللعبة والجالسات على الأرض، مرددّة: "طاق طاق طاقية.. وأنا لا هوية.. رن رن يا جرس.. حوّل واركب ع الفرس". الفتيات يجلسن على الأرض مقابل بعضهن، وسنابل تدور حولهن حتى وضعت قطعة القماش على رأس إحدى الفتيات. وهنا، تهرب سنابل بعد وضعها للقماشة، وينبغي بالفتاة التي تفاجأت بالقماشة على رأسها أن تلحق بسنابل لتمسكها ثم تحلّ محلها في الدوران.
"معظم الألعاب الشعبية القديمة تبدأ بالقرعة، فلكلّ لعبة قوانين وقواعد خاصة بها". يقولها الشاب ميسان مقبل ويعود بذاكرته إلى أيام طفولته، مشيراً الى أن للقرعة عدة أساليب أبرزها القرعة باستعمال الحجر أو بالنقود أو بالحصى الصغيرة.
يروي مقبل عن القرعة بالحجر: "تتم بإحضار حجرٍ أملس الوجهين، كي يستقر على وجهٍ واحد عند رميه في الهواء. يسأل أحد الأطفال زميله بفريق الخصم عن ترجيحه لوجه الحجر الذي سيظهر عند استقراره أرضاً، ثم يرمي الحجر في الهواء ليسقط: اذا كان الوجه مخالفاً لما خمّنه الخصم، فإن رامي الحجر يبدأ باللعبة، أما اذا كان التخمين موفقا لوجه الحجر فإن فريق الطفل الذي أصاب التوقع يبدأ اللعبة. وتجري القرعة بالنقود تبعاً للطريقة ذاتها".
وشرح مقبل أن الأسلوب الثالث لاجراء القرعة يسمى "الحصاة" أو "الصرارة"، حيث يخفي الطفل حصاة صغيرة في يده خلف ظهره، ويمدّ كفيّ يديه مضمومتين أمام فريق الخصم. على الخصم أن يحزر في أيّ يد توجد الصرارة، وإذا أصاب ابتدأ باللعب.

أبرز الألعاب: أطفالاً وشيباً
كانت القرى الفلسطينية تعجّ بالألعاب الشعبية. وعلى الرغم من الترابط الجغرافيّ والتاريخيّ بين مناطق الضفة الغربية، إلا أن اللعبة الموجودة في منطقةٍ ما قد لا تكون متداولة في منطقةٍ أخرى. لذلك، حاولت "السفير" رصد أبرز الألعاب العابرة للمناطق وأشهرها.
عند سؤاله حول الألعاب الشعبية في طفولته، ابتسم الشاب يوسف مخالفة (21 عاماً) وقال: "أيام زمان كانت أحلى، كان كلّ شيء بسيط، ما كانت التسلية بدها مصاري مثل حال اليوم". واستذكر حال بيته في الماضي، حيث كان هو وشقيقه يجهزان "المقليعة" أو "الشعبة" لصيد العصافير والتصويب على الأهداف، بينما بنات أعمامه الصغيرات كن يجهزن بدورهن حبلاً طوله مترٌ للعب الحبلة والقفز فوقه بسرعة في فناء بيتهن المجاور.
يستذكر مخالفة: "الشعبة كانت اللعبة المفضلة لدينا في الحي. هي عبارة عن خشبة من الشجر نقصها على شكل حرف Y بالانكليزية أو اشارة النصر، ونزوّدها بشريطٍ من المطاط أو "المغّيط" من جانبيها، حيث نربط المطاط في الزوايا العلوية لحرف Y، ثم نضع جلدة مستطيلة بين جانبي المطاط. وفي الجلدة، يوضع الحجر. نشد الجلدة للخلف، ثم نفلتها فينطلق الحجر".
عند سؤال مخالفة عن أول لعبة شعبية لعبها في حياته، ضحك وأجاب بعد صمت: "ربما لعبة الخيل أو الحصان، فالجميع لعبها. كنا نحضر عصاة طويلة ونمتطيها كأنها حصان ونجوب الحي في جوار البيت، وكنا نمسك هذه العصاة بيد وباليد الأخرى نمسك عصاة أصغر طولا لنوجه الحصان المفترض بها".
يشرح الستيني المتخصص في التراث عوني ظاهر أن "الالعاب الشعبية لا تقتصر على فئة عمرية دون أخرى، ويلعبها الاطفال ذكورا واناثا والفتية وحتى العجائز كبار السن. هناك ألعاب محددة للأطفال من الذكور وألعاب تختص بها الاناث وحدها، وكذلك بالنسبة لكبار السن، ولكن في نفس الوقت أيضا هناك ألعاب مختلطة يمكن أن يلعبها الاطفال من كلا الجنسين، مثل: طاق طاق طاقية، والغميضة، وغيرها".
أبرز الألعاب الخاصة بالذكور من الأطفال هي البنانير أو "القلول". يشرحها ظاهر بقوله أن البنّور عبارة عن قطعة زجاجية مدّورة، بعدة طرق لعب، جميعها تقوم على قذف البنّور على الأرض باستعمال اصبعي الابهام والسبابة فقط، وعلى اللاعب أن يصيب ببنورّه بنّور منافسه.
يوضح ظاهر أن الفتيات من الأطفال أيضاً لهن ألعاب ينفردن بها، مثل اعداد العرايس، حيث تصنع الفتاة دمية عروس باستعمال أقمشة بالية وأدوات بسيطة كالبلاستيك والرسم بالتراب المبلول وغيرها، ولعبة الحجلة التي تعتمد على رسم مربعات دائرية على الأرض وترقيمها ثم القفز على المربعات وفق ما يستقر حجر ترميه الفتاة على مربع ما.
أما كبار السن فالسيجة، التي تشبه لعبة الشطرنج الحديثة، هي أبرز لعبة يتنافسون بها: "يمارس اللعبة شخصان، وتتكون من 24 حجراً لكل لاعب مقسمة إلى اللونين الأبيض والأسود. يبدأ اللاعبان اللعبة على الرمل من خلال 48 حفرة صغيرة مقسمة كالمربعات المستخدمة في لعبة الشطرنج، وتسمح قوانين اللعبة بتدخل الجمهور ومساعدة اللاعبين في اتجاه حركة السيجة".
ويوضح ظاهر أن اللعبة تعتمد على الذكاء في نزول الحجر في المكان المناسب ومحاصرة الخصم. ومع تطور الوقت، انتقل كبار السن في لعب السيجة من أرض التراب والرمل إلى قطعة خشبية مستطيلة كالشطرنج، يتم انشاء الحفر عليها. وتختلف أحجار كلّ لاعب عن الآخر، فالأول يضع أحجاره على شكل حبّات من شجرة السرو والآخر على شكل حجارة صغيرة عادية".

بين الأمس واليوم:
جيش ومقاومة في الأعياد!

يؤكد الخمسيني عمر القاضي أن دخول التكنولوجيا بشكل متسارع جداً ضمن شروط عصر العولمة أدّى إلى تراجع الاهتمام بالالعاب الشعبية: "اليوم، هناك كمّ ضخم من الالعاب الالكترونية والعاب الفيديو والكمبيوتر. الالعاب الجاهزة اكتسحت الاسواق في ظل الانبهار بالتكنولوجيا والتقدم العالمي. فعلياً، يمكن القول بأن الالعاب الشعبية القديمة انتهت في سبعينيات القرن الماضي".
يوضح القاضي أن ألعاب التراث، رغم اختفائها، صنعت هامشاً امتزج بالواقع الفلسطيني ولا يزال موجوداً، مثل المقليعة أو المغيطة. فهي تطورت اليوم، واستمرت كأداة للمقاومة وقذف جنود الاحتلال بالحجارة خلال المواجهات، بعدما شهدت مراحل تطور سابقة. فكانت الشعبة أو المقليعة تستعمل بداية لصيد العصافير في الطبيعة، ثم استعملت للتنافس بين الاطفال في التسديد نحو أهداف مصطنعة كالزجاجات الفارغة. وكذلك هي حال البنانير أو القلول، إذ أصبحت تستخدم بدلاً من الحجارة في المقليعة لقذفها تجاه جنود الاحتلال. كأن استخدامها كبر مع الطفل/ة.
ويشرح القاضي أن "الالعاب القديمة لا يجني منها الأطفال فقط التسلية وقتل وقت الفراغ، بل هي أيضا تعزز المشاركة والتفاعل الجماعي منذ الصغر، وتكسب مهارات في الحركة والخفة والتفكير. فمثلا، لعبة الطيارات الورقية تجعل الطفل يكتشف عن طريق التجربة سرعة الرياح واتجاهاتها، وتشجع الطفلة على التصنيع والمبادرة وتنمّي هواية الجري وتسهم في تقوية العضلات".
ويكمل معدّداً: "الألعاب كثيرة ولا يمكن إحصاؤها. فهناك لعبة عالي وطوط، والسبع جور "حفر"، والغمّيضة أو "الطمّة" بفتح الطاء وتشديد الميم، والزقيطة ولعبة حاكم جلاد. اللعبة الوحيدة المستمرة من الألعاب القديمة هذه الأيام هي لعبة جيش وعرب، حيث ينقسم الأطفال إلى مجموعتين، جيش الاحتلال والمقاومة. كانوا حينها يحملون البنادق الخشبية، ولاحقاً أصبحوا يحملون بنادق الخرز البلاستيكية. هذه اللعبة تشتهر بها فلسطين في أوقات الأعياد فقط"، حسب قوله.
وإذ يوضح الأخصائي التربوي فراس ذياب أن أغلب الألعاب الشعبية الفلسطينية تقوم على العمل الجماعي، يلفت إلى أنه "لا يمكن الحكم على الألعاب الحديثة اليوم بأنها بلا منافع. هناك ألعاب تؤدي بالطفل للخمول والكسل والانفراد وعدم التفاعل، ولكن أيضاً هناك ألعاب تم إدراجها في إطار تعليميّ، إذ تكسر روتين الدراسة وتناسب العمر".