| 

إسرائيل بعد 64 عاما على إنشائها أقرب ما تكون إلى مرجل تغلي جميع المواد في داخله من دون أن يكون معلوما الطبخة التي ستنجم عنه. وعلى الرغم من جميع الكلام على فوارق وخلافات وشتات وضحايا وماض ومستقبل فإن إسرائيل الحالية أقرب ما تكون إلى زوايا متناقضة تجمع بين القوة والضعف والتقدم والتخلف. وهناك من يقول إن مرجل إسرائيل لم ينتج حتى الآن صيغة محددة السمات، حيث لا أحد يعلم إن كانت أقرب إلى العلمانية منها إلى الدينية، أو أنها تترسخ أم تسير إلى نهايتها.
الواقع أن تعابير من هذا النوع تدور كثيرا على ألسنة كتاب ومعلقين يهود في إسرائيل والخارج يقفون مشدوهين أمام حجم التناقضات المتغيرة. فالصهيونية التي بدأت علمانية تغدو أكثر دينية، والدولة التي أرادت أن تجعل اليهود أكثر طبيعية صارت تعزز لديهم الوهم بأنهم فوق طبيعيين. ولكن بعيدا عن تعابير عمومية ومصطلحات تنظيرية لنلقِ نظرة على الواقع المعيش في الدولة العبرية.
بعد مرور نحو شهر على تأليف حكومة الوحدة الوطنية بين نتنياهو وحزب كديما لا يزال التساؤل عن «الصفقة النتنة» يزداد صخبا. ويتركز أساسا حول هل إن منطلقات الوحدة هذه كانت مبدئية وأخلاقية أم إنها محض انتهازية ومصلحية بين الحزبين الأكبرين. ومن المؤكد أن انقلاب الحلبة السياسية برمتها، بين عشية وضحاها، من ذروة الاستعداد لخوض انتخابات مبكرة في ظل استقرار ائتلافي إلى حكومة وحدة عديمة الاهداف العامة تقريبا، أظهر الدرك الذي وصلت إليه غريزة البقاء لدى السياسيين.
على الرغم من إعلان حكومة الوحدة أنها تتطلع إلى سن قانون للخدمة العامة، كقانون يحل مشكلة تجنيد الحريديم في الجيش، وتغيير نظام الحكم في إسرائيل، إلا أن أحدا لم يأخذ هذا الإعلان مأخذ الجد. فبنيامين نتنياهو، المشهور بتهربه من مواجهة المشاكل الكبيرة والصغيرة على حد سواء، أعجز عن حل هذه المشاكل المزمنة التي رافقت إسرائيل منذ نشأتها. والأهم أن تركيبة الائتلاف الحكومي وحجم التناقضات داخله لا تسمح ببلورة حلول إلا إذا استندت إلى تفكيك الائتلاف وبناء ائتلافات أخرى.
وهذا يقود إلى ما تتطلع إليه حكومة إسرائيل الحالية من أهداف حقيقية وموهومة. فهي من ناحية تحاول الإبقاء على مستوى التطور الاقتصادي الذي تعيشه إسرائيل والعائد جزئيا إلى النجاحات التكنولوجية من جهة، وإلى التحالف الوثيق مع أميركا من جهة أخرى. وفي هذا السياق يمكن ملاحظة أن حكومة نتنياهو أفلحت في استيعاب ظاهرة الاحتجاجات الاجتماعية التي نشأت خصوصا في الطبقة الوسطى. وفي هذا السياق يمكن اعتبار حكومة نتنياهو حكومة إدارة أعمال أكثر مما هي حكومة قيادة إسرائيل نحو مواجهة الاستحقاقات الكبرى التي تكمن في أساسها مسائل الحرب والسلام.
وفي الأهداف الموهومة يبدو أن بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه إيهود باراك أفلحا في السنوات الثلاث الأخيرة في الإيحاء بأن لا هم لإسرائيل إلا الخطر النووي الإيراني. وركز الرجلان على أن الخطر الإيراني هو من النوع الوجودي الذي لا يمكن لإسرائيل التسليم به، حتى لو سلم العالم بأسره به. وفي الأسابيع الأخيرة جرى تشديد هذا الخطاب والإعلان عن أن لا أحد في إمكانه حماية إسرائيل إلا جيشها وأن قرار إسرائيل في هذا الشأن مستقل. وعنى ذلك أن إسرائيل إذا وجدت أن العقوبات الدولية بحق إيران لا تغير من وجهة إيران لامتلاك قدرة السقف النووية، فإن إسرائيل سوف تتصرف منفردة. وبحسب باراك فإن «حربة» إيران النووية باتت تقترب من «نحر» إسرائيل.
من المؤكد أن المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية بأغلبية أذرعها لا تتفق مع نتنياهو وباراك في وجهتهما هذه، وترى أن قدرة إسرائيل في هذا المجال لا تتعدى عرقلة المشروع النووي الإيراني. وأن هدفا بهذه المحدودية، بالنظر ليس فقط إلى عواقبه الإقليمية بل أيضا إلى آثاره الدولية، لا يستحق المغامرة. فالكثيرون في العالم يعتقدون أن خطر إيران بسلاح نووي أقل بكثير من خطر وعواقب الضربة الإسرائيلية لما تعنيه من زعزعة للاستقرار في المنطقة من ناحية وتسريع للمشروع الإيراني من ناحية أخرى. وفي جميع الأحوال فإن أغلب المعلقين الإسرائيليين يعتقدون أن أسلوب نتنياهو وباراك أقرب إلى تكتيك «أمسكوني»، وأنه في أحسن الأحوال ينفع لحث الدول الأخرى على العمل ضد إيران بشكل أشد حزما.

هنيبعل لا تشرشل
ثمة في إسرائيل من يعتقد أن نتنياهو وباراك يقودان إسرائيل نحو الخسارة. وقد كتب عكيفا ألدار في «هآرتس» أن كثيرين من معارف نتنياهو يتفاجأون عندما يعلمون أن المثل الأعلى عند نتنياهو ليس تشرشل مثلا بل هنيبعل. وينقل ألدار عن حوار جرى بين البروفيسور أفيعاد كلاينبرغ ومستشار الأمن القومي السابق لنتنياهو الدكتور عوزي أراد قول الأول للثاني إن مغامرات هنيبعل قضت على قرطاج. وكان احتمال ان يهزم روما ضئيلا. وصار واضحا للرومان بعد الحرب أنهم مُجبرون على القضاء على قرطاج وقد فعلوا ذلك في غضون وقت قصير. لقد أحرز هنيبعل انتصارات مجيدة لم تكن لها قيمة في الأمد البعيد.
وبديهي أن النقاش في الخطر الإيراني لا يخرج عن إطار مناقشة الأخطار الأخرى التي تعيشها إسرائيل وبينها الهزة التي أصابت المنطقة العربية جراء الثورات التي تعيشها. وتقف إسرائيل شبه مشدوهة أمام انهيار منظومة سياسية إقليمية رأت فيها سدرة منتهاها حينما غدت، بأشكال مختلفة، جزءاً من منظومة إقليمية برعاية أميركية. ولكن ما يجري في المنطقة العربية عموما وخصوصا في مصر دفع إسرائيل إلى كثير من الارتباك وقاد رجالها إلى تكثيف دراسة «التحديات» الجديدة بقصد استكشاف «فرص» جديدة لبلورة السياسة المقبلة.
ولكن السياسة الإسرائيلية في بعدها العربي تكاد تقف تقريبا أمام طريق مسدود. فالحكومة الإسرائيلية الحالية حكومة غير قادرة ولا تريد أي تحريك للعملية السياسية مع الفلسطينيين لا نحو حل نهائي ولا حتى نحو حل جزئي. وتكفي إشارة إيهود باراك، وزير الدفاع الإسرائيلي مؤخرا بأن جمود التسوية قد يقود إلى انسحاب إسرائيلي من طرف واحد في الضفة الغربية، للدلالة على ما وصلت إليه التسوية. لكن ردة الفعل داخل الحكومة وداخل الحلبة السياسية ضد كلام باراك تشهد على أن الابتعاد عن الوضع القائم أمر صعب التحقق حاليا.
ومن الجائز أن الخشية من أي حركة وفي أي اتجاه تترك أثرها حتى على الموقف الإسرائيلي من حكم حركة حماس لقطاع غزة. ففي حين يحذر قادة الأذرع الأمنية في إسرائيل من استمرار تعاظم قدرات حماس والمقاومة عموما هناك، تحاول القيادة السياسية التريث والانتظار. وقد أعلن رئيس الشاباك، يورام كوهين، أنه إذا لم تهاجم إسرائيل حماس الآن فإن المواجهة المقبلة ستكون أشد تعقيدا. وشدد على أن «معضلتنا ليست هل ينبغي العمل ضد أهداف الارهاب في القطاع، بل ماذا ستكون ردة فعلهم والتخوف من أن الامر يحتاج إلى دخول عدد كبير من الناس الى الملاجئ».
فالمجتمع الإسرائيلي اليوم أشد يمينية من أي وقت مضى، وهو لا يستشعر وجود مخاطر جدية ملموسة تدفعه لتغيير أنماط تفكيره وتصويته. وهكذا فإن استطلاعات الرأي التي سبقت إعلان حكومة الوحدة الوطنية أشارت ليس فقط إلى احتفاظ معسكر اليمين بقوته بل إلى احتمال زيادة هذه القوة. وهذا تأكيد على أن الميل الطبيعي للحركة السياسية في إسرائيل هو نحو اليمين ونحو الدين. ويترك هذا أثره تقريبا على مقدار تماسك المجتمع الإسرائيلي وقابليات التطور فيه.
فالازدهار الذي تعيشه إسرائيل نابع في أحد جوانبه من مستوى التغريب والتحديث وهما عنصران يتناقضان مع ميول الأصولية القومية والدينية التي تزدهر حاليا. كما أن انخراط إسرائيل في النظام الغربي يرتكز جزئيا إلى الطابع الديموقراطي الذي يحكم النظام السياسي في هذه الدولة. ولكن الاندفاعة الدينية والعنصرية أسهمت مؤخرا ليس في تنامي مظاهر التفرقة والتشدد فحسب، بل في محاولة التلاعب بالعلاقة بين السلطات أيضاً. وشهد العام الفائت سن الكثير من القوانين أو تقديم مشاريع قوانين تكرس التمييز القومي ضد العرب وتحاول تصفية الحساب مع جهات يسارية وليبرالية. وهناك قوانين تسن لتقييد دور المحكمة العليا ومنعها من مراقبة عمل السلطة التنفيذية.
وقد تأثر الجيش وانضباطيته كثيرا بتناقض الفتاوى مع الأوامر، وهو ما خلق توترا في مثلث الجيش والحاخامية العسكرية وكبار رجال الدين. كما أن سلطة القانون واستقلاليتها بدت بالغة الهشاشة في كل ما يتعلق بـ«الغرب المتوحش» في الضفة الغربية حيث يعربد المستوطنون ويستولون على الأراضي بل ويزورون وثائق ملكيتها. لكن قضية «حي أولبانة» وأمر المحكمة العليا بإخلائه وتردد حكومة نتنياهو في ذلك يكشف المستوى الذي وصل إليه تناقض الصلاحيات بين الحكم و«المارد» الذي أخرجه من القمقم. ويذكر هذا الجميع بـ«صبية التلال» الذين صاروا يعتدون حتى على قادة الجيش الإسرائيلي بدعوى اعتدالهم.

العنصرية المتجددة
مؤخرا جاء دور المظاهر العنصرية ضد اللاجئين الأفارقة في إسرائيل بعد أن كانت العنصرية تتجلى أساسا ضد العرب. وتشكل هذه المظاهر نوعا من جرس إنذار للإسرائيليين الذين أقاموا دولتهم بناء على أساطير تفيد بأنهم من نسل شعب تم تهجيره من أرضه. ويرى كثيرون أن تعامل الإسرائيليين مع المهاجرين الأفارقة يكشف ليس فقط الجانب العنصري فحسب، بل عدم قناعة الإسرائيليين بالأسطورة التكوينية نفسها أيضاً. وهذا بالتأكيد ينطبق على رؤية الإسرائيليين لقضية اللاجئين الفلسطينيين حيث بات الكثيرون يعتبرونها خطرا وجوديا، وهو ما يقال اليوم عن المهاجرين الأفارقة. وقد أشار إلى ذلك الكاتب اليساري جدعون ليفي في «هآرتس» مؤخرا عندما كتب أن «التحريض ضد المهاجرين لا يتجاهل التاريخ اليهودي والواقع العالمي فحسب، بل يتجاهل المستقبل ايضا. ماذا سيحدث اذا تحققت ذات يوم حملات تخويف الحكومة ودُفعت اسرائيل الى خطر وجودي وطلب عشرات الآلاف من الاسرائيليين النجاة بأنفسهم من هنا؟ ماذا نقول آنذاك للعالم اذا أغلق أبوابه أمام الاسرائيليين كما يحاولون الآن ان يغلقوا أبوابهم أمام المهاجرين من افريقيا الذين فر عدد منهم على الأقل نجاة بأنفسهم؟ وإلى متى سيصمد الزعم الخاسر ان «اسرائيل شيء مختلف»؟.»
غير أن هذه المعطيات كلها ينبغي ألا تنسينا واقع أن إسرائيل تمتلك حاليا قوة وقدرات لم تكن تحلم بها أبدا. وفقط بالأمس القريب أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية أن إسرائيل وضعت نصب عينيها هدف أن تكون بين القوى التكنولوجية العظمى الخمس في العالم. ومن الجلي أن الدولة العبرية تتمتع بازدهار ونمو اقتصادي قادها إلى الانضمام إلى منظمة الدول الأكثر تطورا (OECD). وتكفي في هذا المجال الإشارة إلى أن الناتج القومي يبلغ حوالي 250 مليار دولار وأن إسرائيل صدرت العام الفائت مواد بحوالي 90 مليار دولار.
ويتجلى التناقض في ذروته باستطلاع نشرته صحيفة «إسرائيل اليوم» يظهر أن 93 في المئة من الإسرائيليين يفخرون بكونهم كذلك وأن حوالي 70 في المئة يفخرون جدا. واعتبرت الصحيفة أن الاستطلاع الذي أجراه معهد «أبحاث الموجة الجديدة» يشير إلى تفاؤل كبير يسود الإسرائيليين. فهناك أكثر من 80 في المئة يفضلون العيش فيها على أي مكان آخر في العالم، 9 في المئة فقط يفضلون العيش خارجها. ويبدي 83 في المئة من الإسرائيليين استعدادهم لإظهار تفاخرهم القومي برفع أعلام على بيوتهم أو سياراتهم.
وقال 74 في المئة ممن شاركوا في الاستطلاع أن إسرائيل دولة يطيب العيش فيها فيما رأى أكثر من 17 في المئة عكس ذلك. والأكثر إحساسا بالسعادة في إسرائيل هم ممن تجاوزت أعمارهم 55 سنة والمتدينيون وسكان القدس. كما أن المجموعة الأكبر بين السعداء التي تبلغ 50 في المئة هم ممن تتراوح أعمارهم بين 25 و44 عاما.
والأمر الذي يثير قلق الإسرائيليين ليس الخطر النووي الإيراني (في المكان الثاني بنسبة 15.5 في المئة) بل الأمن الشخصي (العنف والمخدرات والجريمة) بنسبة 17.9 في المئة. والأقل خشية على أمنهم الشخصي هم الحريديم.