| 

يشير مصطلح «التيارات الإسلامية الفلسطينية» إلى القوى السياسية التي أعلنت في برامجها تبنيها للإسلام مرجعية لنظرياتها وممارساتها السياسية المتعلقة بالقضية الفلسطينية، ولمواقفها من الأحداث الدائرة على الساحات الفلسطينية والعربية والدولية، ولمواقفها من القوى السياسية الأخرى الفاعلة في هذه الساحات. وهذه التيارات ليست الوارثة الوحيدة للإسلام، أو لتاريخه في فلسطين، أو المعبرة الوحيدة عن هويته ووجوده المجتمعي وتجسده في موروث قيمي وأخلاقي، وفي نظم اجتماعية واقتصادية وسياسية، وإنما هي جزء من حركات شعبية عديدة حديثة التأسيس، تفاعلت مع الموروث الإسلامي بطرق مختلفة، وحملته كأحد مكونات هويتها التاريخية والفكرية. ويقترن وجود الحركات الإسلامية وتطور برامجها السياسية بفترة زمنية بدأت سنة 1945 بتأسيس فروع لجماعة الإخوان المسلمين في مدن فلسطينية عديدة في عهد الانتداب البريطاني، وهي المرة الأولى التي تظهر فيها قوة دينية على صورة جماعة سياسية متميزة عن المجموع الإسلامي العام. وتبع ظهور جماعة الإخـــوان المسلمين الفلسطينيين إنشاء حزب التحرير في القدس سنة 1953. وقد تبـــلورت الحركات الإسلامية الفلسطينية بصورة أوضح وبجماعات متبايــنة في أعقاب انتصار الثورة الإسلامية في إيران سنة 1979.

الوطني والإسلامي في الواقع الفلسطيني
إنّ أحد الأخطاء المنهجية الكبيرة في العمل الوطني الفلسطيني كمنت في الفصل بين الوطني والإسلامي في السياق التاريخي والمجتمعي الفلسطيني، حيث طغت في الفكر السياسي، وفي التحليلات السياسية، ثنائية القوى الوطنية والقوى الإسلامية، وشاع التنظير لهوية وطنية منفصلة عن الهوية الإسلامية. وقد جاءت هذه الثنائية نتيجة للصراع السياسي في العالم العربي في حقبة الدولة القطرية المستقلة، بين التيارات القومية، كالناصرية والبعثية والقوميين العرب، وبين الإخوان المسلمين وحزب التحرير. ثمّ تعزّز الفصل بين الإسلامي والوطني في مطلع الثمانينيات نتيجة لشيوع الخطاب الغربي عن العالم الإسلامي وحركاته السياسية بعد الثورة الإيرانية، وهو خطاب ركّز على الشكل الإسلامي لهذه الثورة وللحركات المتأثرة بها، مغفلاً المضامين الوطنية والهموم المحلية لهذه الحركات. وقد رصد الخطاب الغربي تصاعد قوة حركات سياسية عربية - إسلامية وظهورها على الساحة متأثرةً بالثورة الإيرانية وشعاراتها، فاعتبرها شكلاً جديداً مغايراً للشكل الوطني الذي كان سائداً قبل الثورة، فتجاهل بهذا وجود مضامين إسلامية، متفاوتة القوة والحضور، في خطاب الحركات الوطنية العربية قبل الثورة، ومتجاهلاً كذلك تأثير هذه الثورة الإسلامية بدرجات متفاوتة في مجمل حركات التحرر والاستقلال في العالم العربي، ومنها الحركات الإسلامية. لقد جرِّد هذا الفصل القوى الوطنية من بعدها الإسلامي، كما جرَّد القوى الإسلامية من بعدها الوطني. ومثل هذا التجريد والفصل يناقض الحقيقة التاريخية حول العمل الوطني الفلسطيني منذ بواكير الهجمة الصهيونية، إذ امتزج الوطني بالإسلامي امتزاج الماء بالخلّ، كما أنّ الإسلامي لم يأخذ البعد الطائفي الذي يستثني غير المسلمين، كالمسيحيين، أو البعد الحزبي، فيستثني المسلمين من غير أعضاء الحزب.
أدّى استبطان هذا الفصل، واعتبار الحركات السياسية الإسلامية ممثلة ومجسدة للإسلام ذاته، ومحتكرةً لحق الحديث باسمه والتعبير عن تجلياته، إلى إفساد السياسة والثورة، وإلى إشعار هذه الحركات بالتسامي والعلو عن الاتجاه الوطني. أمّا أسباب ذلك فتعود إلى أنّ هذا الفصل قد وضع القــيم الأخلاقـية خارج مستلزمات العمل الوطني، ونُظر لها على أنـــها من أشكال التديّن، كما أنّه برّر الغوص في أساليب براغماتية مغرقة في التبرير وفاقدة للبوصلة وللمنهج الفكري الواضح في الحقل السياسي في المقابل أدى إرجاع الدين ذاته للحركات الإسلامية السياسية إلى تقديس هذه الحركات وعَصْمَنة (من العصمة) اجتهاداتها عند جماهيرها، لأنها وضعت مقابل حركات لا تنتسب للدين وميراثه، وكان هذا واقعاً على الرغم من افتقار أغلب منتسبي هذه الحركات للوعي التاريخي والسياسي وللعمق الفلسفي، ورغم ضحالة تجاربها السياسية أيضاً.
كانت نتيجة للمشاعر الاستعلائية هذه تغييب ميراث التعددية والتنوع في التجربة الحضارية العربية الإسلامية، والتأسيس بدلاً من ذلك للانغلاق على الذات، ورفض المخالفين، وغياب التفكير النقدي، وهيمنت على سياسات هذه الحركات توجهات غير واقعية، متناقضة، ومغرقة في الأساطير والأوهام. وفي المحصِّلة النهائية نظّرت بعض الحركات الإسلامية لرفض الوطني باعتباره علمانياً وفاسداً، كما نظّرت حركات وطنية لاعتبار الإسلامي خارج السياق والمؤسسات الوطنية، فبذر الطرفان بالتالي بذور الاحتراب الفلسطيني الداخلي، الذي يستعصي حلّه حالياً، والسبب غياب المعالجة العلمية لأسبابه الفكرية والمنهجية، وغياب التنظير ضد الفصل بين مرجعيات الطرفين.

السياسة الفلسطينية بين العدل والحق
ينقسم الفكر السياسي الفلسطيني حالياً إلى تيارين أساسيين:
أولهما، ينادي بالمطالبة بتطبيق مبادئ العدالة وتحقيق الحق فيما يتعلق بالحقوق الوطنية الفلسطينية، فهو يرفض أشكال المساومة مع العدو كافة والتنازل له عن أي جزء من الأرض، أو التوصل معه لأية تسوية لا يكون فيها الحق الفلسطيني قد رجع كاملاً لأصحابه، وأغلب المنتمين لهذا التيار هم من الحركات الإسلامية كحزب التحرير الذي ينتظر إعادة الخلافة الإسلامية من أجل تطهير فلسطين من اليهود، وحركة الجهاد الإسلامي التي لا تؤمن بأي شكل من أشكال التعامل مع إسرائيل سوى بالكفاح المسلًح، وحركة حماس التي تعلن مواقف نظرية حاسمة، وفي الوقت نفسه تتصرف بنوع من البراغماتية تحت عباءة مفهوم «الهدنة».
أما ثانيهما، فيتبنى تياراً يتبنى أطروحات مدرسة الواقعية السياسية، وينادي بالتوافق مع الشرعية الدولية، والقبول بما يطلق عليه «الحد الأدنى من المطالب الوطنية». ويعتبر هذا التيار أنّ السياسة هي فن الممكن، وبالتالي فإنّ ما يمكن فلسطينياً في الوقت الراهن ليس تحرير كامل التراب الفلسطيني، وإنما بناء دولة مستقلة، ومعترف بها دولياً، تقوم على الأراضي التي احتلت عام 1967، وتستند للقرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن وعن الجمعية العمومية للأمم المتحدة. ورغم أنّ هذا الطرح مناقض للمواثيق التي صاغتها الحركة الوطنية الفلسطينية منذ عهد الانتداب البريطاني، وأعادت صياغتها بالثوابت نفسه منظمة التحرير في مرحلة أحمد الشقيري (الميثاق القومي)، والمرحلة الانتقالية التي قادها يحيى حمّودة، والفترة الأولى من مرحلة ياسر عرفات، فترة العمل الفدائي، (الميثاق الوطني)، إلاّ أنّه هو الطرح الذي تتبناه منظمة التحرير حالياً، وتعمل من خلاله.

الأخطاء المنهجية في التيارين
يغفل المثاليون أتباع العدل والحق المطلقين أن الإسلام نفسه دينٌ واقعي، لا يضع حداًّ فاصلاً ونهائياً ومطلقاً بين مفردات الحياة الإنسانية، وليس في التجربة التاريخية للمسلمين ما يشير إلى غياب المرحلية في التنفيذ، أو يعكس الإصرار الدائم على المثل في حالة الإكراه، أو عدم التنازل في حالة الضعف والعجز. بل إنّ التاريخ الإسلامي حافلٌ بالمواقف الوسطية التي كانت تمليها الظروف الموضوعية بصورة واضحة للغاية. على أنّ هذا كان مشروطاً بالتعامل مع الوضع كحالة طارئة وموقتة، وعلى أنّه يجب العمل على تصحيحها وإعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي، فلم يكن هناك استعداد للقبول بهذا الوضع كحالة دائمة تكتسب شرعية وقبولاً. فالثقافة هنا حافظت على ثوابتها وضبطت الواقعية السياسية ومنعتها من التحوِّل إلى واقعية استسلامية، كما هو الحال مع التيار الواقعي الفلسطيني اليوم. باختصار، فإن قصور الحركات الإسلامية عن قراءة التاريخ قراءة علمية خارج إطار قراءتها الحالية التي تريد منها وبها تحقيق انفصالها عن التيار الوطني يجعلها عاجزة عن الفعل والتأثير وعن التقدم في تحقيق برنامجها التحرري.
مقابل قصور المثالية الإسلامية، تحولّت الواقعية السياسية على الساحة الفلسطينية إلى استسلام للأمر الواقع، وليس إلى برنامج وطني وثوري لتحدّيه وتغييره، وأخذ الخطاب الفلسطيني الرسمي يدور حول تبرير التنازل عن الحقوق والتخلّي عن الثوابت، بل إنّه ذهب إلى حدّ ترسيخ الهزيمة وتمكينها من النفوس بحيث تشطب من الثقافة أية علاقة للفلسطينيين بالأرض التي تم الاعتراف بها لإسرائيل. إن المعضلة الفلسفية الأولى في هذا الموقف أنّه يلغي شرعية منظمة التحرير الفلسطينية نفسها، ولمجمل حركة التحرر الوطني عبر تاريخها، فهو بدلاً من أن يحافظ على تبريرات انطلاقته الثورية الأولى، الذي رفض الاستسلام للواقع العربي المهزوم، وبدلاً من أن ينتسب أيضاً لرموز تيار المقاومة كالقسّام وعبد الرحيم الحاج محمد وعبد القادر الحسيني وإبراهيم أبو دية وعشرات ألوف الشهداء، وهم الذين رفضوا الرضوخ للإرادة الغربية الاستعمارية بقبول فلسطين وطناً لليهود، وقاتلوا واستشهدوا، نراه ينتسب لمدرسة التخاذل العربي التي لعب رجالها أدواراً مخجلة قبل النكبة وبعدها، وساهموا في تمكين الصهيونية من بناء دولتها، وروّجوا للقبول بواقع الهيمنة الغربية ومنعوا الأمة من التصدي لأعدائها.

ما طبيعة الصراع في فلسطين؟
لا يرجع الصراع على فلسطين لعوامل محلية أو إقليمية، ولا لصراع قوى داخلية، بل هو في جوهره صراع دولي، خلقته واشتركت فيه القوى الأوروبية الاستعمارية، فكان نتيجةً من منتجات التمدد الأوروبي في العالم. فمنذ بدايات التوسع الأوروبي في مرحلة الاستعمار، وامتداداً لما بعده، سعت أوروبا، ومن بعدها الولايات المتحدة الأميركية، لفرض هيمنة غربية على الشعوب الأخرى، وكان المشروع الصهيوني، ومن بعده دولة إسرائيل، جزءاً من هذا المشروع، فهناك دورٌ وظيفي لإسرائيل تقوم به خدمةً للغرب ومشروعه في الهيمنة ودوام علاقة التبعية التي تربط العالم العربي به.
عاش العالم العربي مراحل صراع مع هذه الهيمنة وتدافعت قواه وتياراته الفكرية والسياسية وانقسمت بين مقاوم لها وبين متوافق ومتناغم معها. وكانت الثورة الفلسطينية، ممثلة بحركات المقاومة الفدائية والقوى السياسية بكافة تشكيلاتها، جزءاً من تيار مقاومة المشروع الغربي بأكمله، وليس المشروع الصهيوني فقط.
لكن في مرحلة لاحقة استطاع الغرب مدعوماً بمعسكر التناغم والتوافق معه إلحاق الهزيمة بمعسكر المقاومة، واستمر هذا إلى حين، وتجلّى بالتغيرات السياسية التالية في العالم العربي:
- موت مشروع جمال عبد الناصر الوحدوي والتحرري والاستقلالي.
- القضاء على فكرة الثورة الفلسطينية، وطمس قوة منظمة التحرير، وتدجينها، وتحويلها إلى ممثل للشعب الفلسطيني من أجل التفاوض فقط، وليس من أجل الاستمرار في الكفاح لتحصيل حقوق الشعب الذي تمثله.
- إلغاء فكرة القضاء على إسرائيل واستبدالها بشعارات السلام والتسوية السلمية والتطبيع والعيش المشترك.
- الفشل في مواجهة مخططات إسرائيل التوسعية والتهويدية، بل الاستسلام لهذه السياسة والتعاون المباشر وغير المباشر في سبيل تحقيقها.
- ربط العالم العربي بنظام التبعية للنظام الغربي سياسياً واقتصادياً وثقافياً وفكرياً وترسيخ هذا الربط، بحيث فقد العرب استقلالهم الحقيقي وأمسوا خاضعين بقرارهم السياسي للإملاءات الغربية.
أين موقع الحركات الإسلامية السياسية؟
بقيت روح المقاومة وفكرة الاستقلال والنهوض العربي - الإسلامي موجودة وانطلقت بقوة بعد الثورة الإيرانية، وظهرت حركات الإسلام المتعددة التي دخلت في حالة الصراع مع الغرب وإسرائيل وأنصارهما في المنطقة. وقد فشلت حركات إسلامية في تمثيل روح الأمة وفي العمل في تحقيق آمالها وتطلعاتها، وشغلت نفسها بقضايا ثانوية وجزئية دون أن تستوعب طبيعة الحرب الغربية الشاملة، فتحالفت مع الأنظمة القُطرية المرتبطة بأميركا والمتحالفة معها، مثل النظام السعودي والنظام القَطَري، بينما نجحت حركات إسلامية أخرى، نهجت نهجاً ثورياً بتحقيق بعض هذه الآمال والتطلعات، فقد حقق الإسلاميون الثوريون نصراً على إسرائيل سنة 2000 بإجبارها على الانسحاب من جنوب لبنان، وهزموها في تموز 2006، كما نجح مقاتلو القطاع الباسل من القوى الثورية كافة بالصمود أمام الحرب الوحشية الإسرائيلية أواخر 2008 وبداية 2009.
على أن الحركات الإسلامية حين رفعت شعار «الإسلام هو الحل» لم تستطع تقديم برامج مقنعة وفاعلة وناجحة تطرح حلولاً لمشاكل الفلسطينيين الناجمة عن الاحتلال أو عن عوامل ذاتية محلية، فحركة حماس فشلت في الحفاظ على قاعدة حرمة الدم الفلسطيني التي صاغها وأصرّ عليها الشهيد أحمد ياسين، كما فشلت في وضع حكمها للقطاع على قاعدة احترام الاختلاف الفكري والتعددية السياسية وقبول الآخر وضمان حريته في الاعتقاد وفي التعبير عن هذا الاعتقاد.
في المقابل، فشلت حركة الجهاد الإسلامي في تقديم نفسها بديلاً عملياً للقصور في العمل الإسلامي، ولم تستطع تجاوز نواقصه وفشله في تحقيق الأهداف الفلسطينية. ولعلّ أحد أسباب حالة ضعف الحضور الجماهيري للحركة ربطها لنفسها بالثورة الإيرانية نظرياً وبالدولة الإيرانية عملياً، فقد استطاعت جماعة الإخوان المسلمين بقطاع غزة، محاصرتها والحد من قدرتها على الحركة، بل ووقف مدها الشعبي من خلال اتهامها بالتشيع. ويرجع هذا النجاح لحقيقة أنّه لا يمكن لحركة سياسية في العالم العربي أن تجد دعماً جماهيرياً واسعاً إن هي ارتبطت بكيانات وقوى من خارج المنظومة العربية (تجربة الحركة الشيوعية والاشتراكية)، إذ سترفع ضدها رايات المذهبية والأصول القومية، وتستجلب مراحل وأحداث تاريخية لكي تنزع شرعية هذه الحركة وتبعدها عن الجمهور وتبطل مفعول أفكارها، مهما بلغت صوابية وعظمة هذه الأفكار. (يمكننا هذا من فهم التأثير الفكري المحدود لحزب الله اللبناني في العالم العربي).

محاضر في دائرة العلوم السياسية في جامعة بيرزيت.