| 

عادوا...
من آخر النفق الطويل إلى مراياهم.. وعادوا
حين استعادوا ملح إخوتهم، فرادى أو جماعات، وعادوا
من أساطير الدفاع عن القلاع إلى البسيط من الكلام
لن يرفعوا، من بعد، أيديهم ولا راياتهم للمعجزات إذا أرادوا
عادوا ليحتفلوا بماء وجودهم؛ ويُرتِّبوا هذا الهواء
ويزوِّجوا أبناءهم لبناتهم، ويرقِّصوا جسداً توارى في الرخام
ويعلقوا بسقوفهم بصلاً، وبامية، وثوماً للشتاء
وليحلبوا أثداء ماعزهم، وغيماً سال من ريش الحمام.
عادوا على أطراف هاجسهم إلى جغرافيا السحر الإلهي
والى بساط الموز في أرض التضاريس القديمة.
لم يذهبوا أبداً ولم يصلوا؛ لأن قلوبهم حبات لوز في الشوارع. كانت الساحات أوسع من سماء لا تغطيهم. وكان البحر ينساهم. وكانوا يعرفون شمالهم وجنوبهم، ويطيِّرون حمائم الذكرى إلى أبراجها الأولى، ويصطادون من شهدائهم نجماً يسيّرهم إلى وحش الطفولة.
لا يعرفون الرقص والمزمار إلا في جنازات الرفاق الراحلين كانوا يحبون النساء كما يحبون الفواكه والمبادئ والقطط كانوا يعدُّون السنين بعمر موتاهم. وكانوا يرحلون إلى الهواجس:
ماذا صنعنا بالقرنفل كي نكون بعيدهُ؟ ماذا صنعنا بالنوارس لنكون سكان المرافئ والملوحة في هواء يابس: مستقبلين مودِّعين؟
.. ولأنهم لا يعرفون من الحياة سوى الحياة كما تقدمها الحياة لم يسألوا عما وراء مصيرهم وقبورهم. ما شأنهم بعد القيامه؟ ما شأنهم إن كان إسماعيل أم أسحق شاةً للإله؟
هذي الجحيم هي الجحيم. تعوَّدوا أن يزرعوا النعناع في قمصانهم
وتعلَّموا أن يزرعوا اللبلاب حول خيامهم؛ وتعوَّدوا حفظ البنفسج في أغانيهم وفي أحواض موتاهم.
كانوا يرون بيوتهم خلف السحاب
ويسمعون ثُغاء ماعزهم، وكانوا
يتحسسون قرون غزلان الحكاية..
يضرمون النار فوق التل. كانوا
يتبادلون الهال. كانوا يعجنون فطائر العيد السعيد
أتذكرون؟
أيام غربتنا هناك؟ ويرقصون على الحقائب ساخرين
من سيرة المنفى البعيد ومن بلاد سوف يهجرها الحنين
هل تذكرون حصار قرطاج الأخير؟
هل تذكرون سقوط صور
وممالك الإفرنج فوق الساحل السوري، والموت الكبير
في نهر دجلة عندما فاض الرماد على المدينة والعصور؟
«ها نحن عدنا يا صلاح الدين»..
فابحث عن بنينْ.
سوف نلقن الأعداء درساً في الزراعة وانبثاق الماء من حجر.. سنزرع فلفلاً في خوذة الجندي.. نزرع حنطة في كل منحدر لأن القمح أكبر من حدود الإمبراطورية الحمقاء في كل العصور. سنقتفي عادات موتانا ونغسل فضة الأشجار من صدأ السنين...
سوف نعلِّم الأعداء تربية الحمام إذا استطعنا أن نعلمهم. وسوف ننام بعد الظهر تحت عريشة العنب الظليلة، حولنا قطط تنام على رذاذ الضوء. أحصنة تنام على انحناء شرودها. بقر ينام ويمضغ الأعشاب. ديك لا ينام لأن في الدنيا دجاجات. وسوف ننام بعد الظهر تحت عريشة العنب الظليلة. كم تعبنا.. كم تعبنا من هواء البحر والصحراء.
.. يا أيها البطل الذي فينا.. تمهَّل!
عِش ليلة أخرى لنبلغ آخر العمل المكلل
ببداية لم تكتمل
عش ليلة أخرى لنكمل رحلة الحلم المضرَّج
يا تاج شوكتنا؛ ويا شفق الأساطير المتوَّج
ببداية لا تنتهي. يا أيها البطل الذي فينا.. تمهَّل!
عش ساعة أخرى لنبدأ رقصة النصر المُنزَّل
لم ننتصر، بعد، انتظر يا أيها البطل انتظر
فعلام ترحل
قبل الوصول بساعةٍ