| 

كانت العواصم الثلاث، بغداد ودمشق وعمان المراكز الرئيسية التي جرت فيها الاستعدادات وتمت التحضيرات الضرورية بسرعة لنجدة الثورة في فلسطين، وتصعيد أوارها. وفي دمشق ساهمت عناصر الحركة العربية السرية بقسط مهم من الجهود التي بذلت لتجنيد المتطوعين وتأمين المال والسلاح والذخائر والأعتدة، ونقلها سراً عبر الحدود السورية والأردنية وتسليمها إلى الثوار داخل فلسطين. ولم يكن فوزي القاوقجي على علم بوجود «الحركة»، أو بأن الذين ساهموا في حشد الطاقات في سوريا كانوا عناصر «حركية». فقد كان لفوزي القاوقجي في سوريا رفاق سلاح قدامى من زمن الثورة السورية الكبرى 1925 ـ 1927، وأصدقاء مخلصون يثق بهم، ويتكل عليهم، في تنفيذ المهمات الثورية الخطرة، مثل منير الريس، وسعيد الترمانيني، وعثمان الحوراني، وكلهم منتسبون إلى الحركة العربية السرية منذ تأسيسها في سوريا سنة 1936. فعلى أساس زمالة السلاح والتماثل في التوجه القومي، اتصل فوزي القاوقجي من بغداد بصديقه المناضل منير الريس في دمشق، وطلب إليه أن يقوم بالاستعدادات والتحضيرات الممكنة في سوريا للمشاركة بثورة فلسطين. فقام منير الريس بهذه المهمة، مستعيناً بأجهزة الحركة العربية السرية وعناصرها، بصفته «عامل الحركة» والمرجع الأول في سوريا. وقد روى منير الريس في مذكراته هذه الجانب من مساهمة «الحركة» في ثورة فلسطين، ما يلي:
«تلقيت رسالة من فوزي القاوقجي في بغداد يخبرني فيها أنه كُلف بتجهيز قوة من شباب العرب لنجدة فلسطين، وأنه ارتأى أن تكون مزيجاً من عدة أقطار ومدن عربية... وأنه أوكل إليّ اختيار خمسة وسبعين شاباً من سوريا ولبنان للالتحاق به، والاشتراك معه في ثورة فلسطين، وان السلاح سيجهز لهم، وستدفع نفقات نقلهم إلى فلسطين، ويعلمني أن الحاج أديب خير صاحب المكتبة العمومية في دمشق... سيكون واسطة للمكاتبة والاتصال بيني وبينه. فانصرفت تواً إلى الاتصال بإخواني وأصدقائي في دمشق والمدن الأخرى، واستعنت بفروع الحزب القومي العربي (الحركة العربية السرية) لإعداد هؤلاء الشباب. فكلفت عثمان الحوراني (حركي) من القوميين العرب ومنظمي ثورة حماة ضد الفرنسيين عام 1925، بإعداد بضعة عشر شاباً من حماه، وكلفت الصيدلي سليمان المعصراني وأخاه عبد الهادي المعصراني (حركيان) في حمص بإعداد بضعة عشر شاباً من حمص، واتصلت بمحمد صعب في لبنان، وهو رفيق لي بالسلاح، فجهز بضعة عشر شاباً من دروز لبنان، واتفقت مع المجاهد محمود أبو يحيى من جبل الدروز على أن ينضم إلى شباب الدروز اللبنانيين. وجاءني يوماً الشيخ محمد الأشمر من رفاق السلاح في الثورة السورية... فعهدت إليه أن ينتقي بضعة وعشرين شاباً من دمشق مدربين على حمل السلاح وقادرين على استخدامه. ورحنا ننتظر الإشارة من فوزي القاوقجي بالتوجه إلى فلسطين... ولما تم جمع المتطوعين في دمشق رتبت سفر الدروز والحمويين والحمصيين بطريق القنيطرة، ولكي لا أنبه الفرنسيين، وأشعرهم بتجمع الشباب، أوعزت لكل أربعة منهم السفر على انفراد بإحدى سيارات الركاب الكبيرة إلى القنيطرة مع غيرهم من الركاب، وأن يرجعوا عند وصولهم إلى جميل العلواني مساعد رئيس المحكمة ورئيس الإجراء في محكمة صلح القنيطرة، وهو... من المنتسبين إلى الحزب القومي العربي (وهو حركي)».
إن معظم الزعماء السياسيين، وقادة النضال الوطني الفلسطيني، الذين أكرهوا على الفرار من وطنهم خلال سنوات الثورة ما بين 1936 و1939، لجأوا إلى منطقة الانتداب الفرنسي، فأقام بعضهم في لبنان، والبعض الآخر في سوريا. وقد انتقل معهم مركز قيادة الثــورة والــحركة الوطنية من فلسطين إلى مكاني إقامتهم في هذين البلدين. وكان على رأس الذين أقاموا في لبنان، مفتي فلسطين الحــاج أمين الحسيني رئيس اللجنة العربية العليا والزعيم الفلسطيــني الأول. فكان الزعماء الفلسطينيون الآخرون، وسواهم من المشـــتغلين بالقضية الفلسطينية، يأتون إلى حيث يقيم المفتي في بلدة الذوق القريبة من بيروت للتشاور وتبادل الأفكار معه، واتخاذ القرارات السياسية المهمة المتعلقة بالثورة وبالقضية الفلسطينية ككل.
وفي دمشق شكل اللاجئون الفلسطينيون هيئة وطنية أطلقوا عليها اسم «اللجنة المركزية للجهاد» بإدارة محمد عزة دروزة ويعاونه لاجئون آخرون مثل، أكرم زعيتر، وعبد الرحيم الحاج محمد، وواصف كمال. كان هدف هذه اللجنة الرئيسي تنظيم الثورة وإدارتها ودعمها بمختلف الوسائل المتاحة، بالتنسيق والتعاون مع الحاج أمين الحسيني المقيم في لبنان. فكانت هذه اللجنة تقوم بتجنيد المتطوعين، وجمع المال، وشراء السلاح، والذخائر وتجميعها في مخابئ سرية في دمشق، إلى أن تسنح الفرص المناسبة لتهريبها عبر الحدود الدولية إلى الثوار في داخل فلسطين. وأنشأ القائد عبد الرحيم الحاج محمد بالاتفاق مع المفتي الحاج أمين الحسيني في بلدة قرنايل بقضاء المتن بجبل لبنان مركزاً لشراء السلاح وجمعه وتخزينه ليصير إرساله إلى اللجنة المركزية في دمشق أو لتهريبه مباشرة إلى الثوار في فلسطين. وكان يساعده شاب من شباب قرنايل اسمه نايف هلال.
كانت «الحركة العربية الســـرية» من التنظيمات القومية التي مدت يد المساعدة إلى «اللجنـــة المركزية للجهاد»، وسهلت لها عملها، وشاركتها في تحقيـــق أهدافها. وقد لعب دوراً بارزاً في هذا المجال، بعض أعضـــاء «الحركة» مثل، فؤاد مفرج، وفريد زين الدين، ومنير الريس، وعـــز الدين الشوا، وواصف كمال، وذلك بالتعاون مع مناضلين قومـــيين من غير أعضاء «الحركة» مثل، نبيه العظمة، وعادل العــظمة، وعزة دروزة، وأكرم زعيتر. وبنتيــجة هــذه الأعمال أصبـــحت دمشق مركز الدعم اللوجستي الرئيسي للثورة في فلسطــين. وللتدليل على ذلك نورد القصتين التاليتين كنموذج لبعض مــا كان يجري في سوريا من أنواع الدعم والمساندة للثورة الفلسطينية.
1 ـ قصة فوزي رشيد
فوزي رشيد ثائر فلسطيني لجأ إلى دمشق، ومنها كان يتسلل إلى فلسطين، فيقوم بعمليات عسكرية، ثم يعود. حكم عليه غياباً بالإعدام، وطلبت السلطات البريطانية في فلسطين من السلطات الفرنسية في سوريا، إلقاء القبض عليه وتسليمه إليها. قبضت الحكومة السورية عليه، ولكن العناصر الوطنية، خصوصاً جماعة «الحركة العربية السرية» تدخلت بالموضوع، وحالت دون تسليمه إلى البريطانيين، والاكتفاء بجعله يكتب ويوقع تعهداً بأن لا يعود إلى العمل الفدائي من الأراضي السورية، وإلا فإنها ستسلمه إلى البريطانيين، إن أعادها. ولكن فوزي رشيد أعادها، وألقي القبض عليه. وكان لا بد من تسليمه إلى الأمن العام الفرنسي، ليسلمه إلى البريطانيين. وكان منير الريس، العامل في الحركة العربية السرية في سوريا، يشغل، يومئذ، وظيفة رئيس الشعبة السياسية في مديرية الشرطة العامة السورية بدمشق. فرتب «سيناريو» تسليمه إلى أفراد الأمن العام الفرنسي، وطريقة فراره من بين أيديهم. ونجحت الخطة، ونجا فوزي رشيد، وسكت الفرنسيون أخيراً عن قضيته. ولكن منير الريس دفع ثمن العملية باضطراره إلى تقديم استقالته من وظيفته.
2 ـ قصة مخبأ السلاح
روى منير الريس الرواية التالية:
«جاءني يوماً إلى مكتبي في مديرية الشرطة واصف كمال من الأحرار الفلسطينيين وأحد أعضاء القيادة العليا للحزب القومي العربي (الحــركة الـــعربية السرية)، وأبلـــغني أن هناك إخواناً من المجاهدين الفلسطينـــيين يعملون في دمشق بتهيئة المواد المتفجرة في دار استأجـــروها لهذا الغرض في حي المهاجرين، اتخذت أيضاً مستودعــاً للسلاح الذي يشترى لتزويد ثوار فلسطين. وكـــانت الثورة قد استأنفها العرب في فلسطين بعد أن رفضت الدول العـــربية توصيات لجنة التحقيق والكتاب الأبيض الذي أصــدرته بريطانيا كحل لقضية فلسطين... وكان هناك فلسطـــينيون يطوفون أرجاء سوريا ولبنان لشراء السلاح والعتـــاد سراً من التجار ويحملون كمياته على مرات، ويحفظونه سراً في مستودعات سرية في دمشق، ريثما يتسنى لهم نقله إلى فلسطين، مستغلين الحكم الوطني وارتخاء قبضة الفرنسيين عن ملاحقة مهربي السلاح».
ولما اكتشف صاحب الدار المستأجرة أمر المتفجرات والسلاح، طلب إخلاء المأجور فنقل السلاح إلى مخبأ بمنزل منير الريس، ريثما يتم استئجار مستودع جديد. وكان منير الريس يومها، رئيساً للشعبة السياسية في مديرية الشرطة العامة المركزية. ويتابع الريس الرواية، فيقول:
«ولكني فكرت ليلة استقالتي (من مديرية الشرطة بسبب قصة فوزي رشيد) بأن الحصانة التي كانت لي في الشرطة زالت الليلة، وأصبح خطراً عليّ بقاء السلاح في بيتي، خصوصاً وقد بلغ العداء بيني وبين الفرنسيين (بسبب تدبيره عملية تهريب فوزي رشيد من بين أيدي رجال الأمن الفرنسيين) حداً لا يصح معه أن أهمل معه أمر بقاء السلاح في بيتي».
وقد نقل السلاح بالفعل في تلك الليلة إلى مخبأ مستأجر جديد.
[ أنظر: شفيق جحا، «الحركة العربية السرية»، بيروت: دار الفرات، 2004.