| 

مرت أربعة أشهر على سقوط نظام حسني مبارك، ولم يحصل أي تغيير على شيء في مصر في شأن علاقاتها العربية والدولية بقدر التغيير الذي حصل في الموقف المصري من القضية الفلسطينية.
وقبل أن نتعرّف الى هذا التغيير لا بد من الإشارة إلى أن نظام حسني مبارك، لأسباب خاصة به تتعلق بالتوريث وحجم الفساد وفقدان الشرعية، وصل إلى مرحلة الارتهان الكامل للشروط الأميركية ـ الإسرائيلية، لدرجة أن الدور المصري تقزم إلى حد وصل الأمر به إلى تجرؤ تسيفي ليفني، وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة، بإعلان الحرب على غزة في مؤتمر صحافي عقدته في القاهرة. ومثال آخر على مدى الارتهان الرسمي المصري سابقًا، هو كيفية التعامل مع ملف المصالحة الفلسطينية، فعلى الرغم من الرعاية المصرية للمصالحة وجولات الحوار الوطني الشامل والثنائي التي لم تنقطع، لم تتحقق المصالحة إلا بعد سقوط نظام حسني مبارك.
ولمعرفة لماذا لم تحقق المصالحة؟ علينا أن نتذكر الكيفية التي تعامل بها النظام المصري السابق، فبعد الشروع في الحوار الوطني في أواخر 2008 وفي آذار 2009 حدث تقدم سريع في كل لجان الحوار بصورة بشَّرت بقرب التوصل إلى اتفاق، إلى أن قرر الوزير عمر سليمان القيام بزيارة خاطفة إلى العاصمة الأميركية لمعرفة رأي الإدارة الأميركية بشروط المصالحة، فعاد سليمان متمسكًا بضرورة التزام حكومة الوحدة الوطنية بشروط اللجنة الرباعية المجحفة والظالمة، التي تفرض على الضحية شروطا ولا تطلب من الجلاد أي شيء؛ ما أدى إلى فشل الحوار وعودته إلى نقطة الصفر، وهذا طبيعي فلا يمكن كما كتبت سابقًا في حينه تسويق الاتفاق قبل التوصل إليه.
وعلى خلفية الإصرار الأميركي على ضرورة الالتزام بشروط «الرباعية»، تراجعت مصر عن فكرة تشكيل حكومة، واقترحت في الورقة المصرية التي قدمت في تشرين أول/ أكتوبر 2009 فكرة تشكيل لجنة فصائلية مشتركة (أساسًا من حركتي فتح وحماس) كبديل عن تشكيل حكومة الوحدة، على أمل أن يؤدي ذلك إلى تذليل عقدة الرفض الأميركي للمصالحة الوطنية، وفوجئت «مصر حسني مبارك» بالرفض الأميركي، ولم تعرف ماذا تفعل، لدرجة أن مسؤولاً فلسطينيًا كبيرًا أبلغني بأن مسؤولاً مصريًا أبلغ الرئيس محمود عباس «أبو مازن» بطلب مصر من حركة فتح عدم توقيع الورقة المصرية لأن توقيع «فتح» و«حماس» عليها سيؤدي إلى إحراج النظام المصري السابق الذي لن يمضي بتطبيقها إذا وقّعت ما دامت لم تحصل على الضوء الأخضر الأميركي.
ودار نقاش صاخب داخل حركة فتح حول التوقيع على الورقة من عدمه، إلى أن أصدر الرئيس «أبو مازن» قرار التوقيع وسط توقعات برفض «حماس» التوقيع عليها، وهذا ما حصل فعلًا، ما أعفى مصر و«فتح» من عواقب التوقيع عليها.
وعندما فكّرت القيادة الفلسطينية ـ بعد شعورها بأن استمرار الحصار على قطاع غزة يتحول أكثر وأكثر إلى جريمة ضد الإنسانية، وأن هذا لم يساعد على إسقاط «سلطة حماس» أو قبولها بالورقة المصرية- بتقديم اقتراح بإعادة فتح معبر رفح عبر صيغة تقضي بعودة حرس الرئيس والمراقبين الأوروبيين، وبصيغ أخرى متعددة؛ رفض الرئيس السابق مبارك ذلك، وقال في إحدى المرات للرئيس «أبو مازن» ردًا على أحد الاقتراحات: «على جثّتي»! ليؤكد بهذا مدى عدائه لحركة حماس وسلطتها ليس لأسباب تتعلق بمراضاة الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل فقط، وإنما لإفشال النموذج الإسلامي الذي تقدمه، ولإضعاف جماعة الإخوان المسلمين ـ حزب المعارضة الرئيسي لنظامه ـ.
وكذلك، عندما طرحت فكرة فلسطينية لإيجاد صيغة من التفاهمات إلى جانب الورقة المصرية تستهدف إزالة العراقيل التي حالت دون توقيع «حماس» على الورقة المصرية، قال الرئيس السابق مبارك لـ «أبو مازن»: عندما تتفق «فتح» و«حماس»، مصر هتعمل إيه؟! في إشارة إلى أنها ستكون مجبرة على تطبيق ما تتفق الحركتان عليه، وأضاف أيضًا «ابقى وريني مين دا اللي يفتح لكم معبر رفح».
وبعد تدخل السعودية، ولقاء عمر سليمان برئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل في مكة، تم فتح الطريق أمام الاتفاق على التفاهمات، وذلك حين عقدت حركتا فتح وحماس اجتماعًا في أيلول 2010، وكان إيجابيا جدًا، ما أدى إلى زيارة عاجلة إلى رام الله من الوزيرين السابقين عمر سليمان وأحمد أبو الغيط أدت إلى إعادة الأمور كما كانت عليه، وساهمت في إفشال اللقاء الثاني الذي عقد في تشرين الثاني 2010، حيث تم فيه التراجع عما تم الاتفاق عليه في الاجتماع السابق.
إن معرفة ما جرى في السابق ضرورية لمعرفة أهمية «المجازفة» التي أقدمت عليها القيادة المصرية الحالية، والتي دفعت نحو التوقيع على الورقة المصرية، وذلك بعد إضافة التفاهمات المشار إليها، ودون الإشارة إلى التزام «حماس» أو حكومة الوفاق القادمة بشروط اللجنة الرباعية الدولية، ومع استمرار الفيتو الأميركي على المصالحة الفلسطينية.
وحتى تتضح الصورة وحجم «المجازفة» المصرية والفلسطيينة بالتوصل إلى الاتفاق، نشير إلى ما جاء في خطاب الرئيس الأميركي في الخارجية الأميركية من تحفّظ على اتفاق المصالحة ووضعه تحت الاختبار خلال الأسابيع والأشهر القادمة؛ حتى يرى مدى التزام الحكومة الفلسطينية القادمة بشروط اللجنة الرباعية، ثم تطور ذلك إلى عودة للموقف الأميركي السابق في خطابه أمام مؤتمر «إيباك» حين اعتبر أن اتفاق المصالحة «عقبة كبيرة أمام السلام»، ولعل هذا الموقف من أهم الأسباب التي تقف وراء تأخير تشكيل حكومة الوفاق الوطني، فمطلوب من هذه الحكومة، رئاسةً ووزاءً وبرنامجًا، الالتزام بشروط اللجنة الرباعية وإلا ستتعرض للمقاطعة الأميركية، وربما الأوروبية.
لقد أصبحت السياسة الخارجية لمصر الجديدة تأخذ الرأي الشعبي بالحسبان، كما قال نبيل العربي وزير الخارجية، ولا يقررها زعيم مستبد فرد لوحده، لذلك استطاعت أن تتحرك وأن تؤثر بصورة مختلفة خلال الأشهر القليلة السابقة، رغم أن مصر تعيش مرحلة انتقالية وفي خضم فوضى وصراعات ما بين القديم الذي لم يرحل تمامًا، والجديد الذي لم يتقدم بما فيه الكفاية. وهذا الوضع الانتقالي ينعكس على كل شيء، فمصر بحاجة إلى مزيد من الوقت حتى تقف على قدميها وتتضح معالم سياستها الجديدة.
هناك من يطمئن نفسه من عرب أميركا بإيراد حق يراد به باطل عبر القول: إن هناك ثوابت في مصر لا تتغير مهما تغير الحكام، وهي السياسة الخارجية والأمن القومي، متناسيًا معاناة مصر من الاختلال الفادح في سياساتها خلال السنوات الطويلة الماضية؛ ما أدى إلى تقزيم دورها في كل مكان وعلى جميع المستويات، فلا بد لمصر حتى تستعيد نفوذها ودورها الطبيعي والتاريخي أن تجري تغيرات ملموسة على سياستها الداخلية والخارجية، بما لا يمس بالثوابت التي تؤكدها حقائق التاريخ والجغرافيا والسياسة والثقافة.
ومن المسائل التي حصل عليها تغير ملموس هي فتح معبر رفح، فقد كانت القيادة المصرية الجديدة بين نارين: نار فتح المعبر فورًا رغم المخاطر الأمنية والسياسية التي تظهر بشكل جلي، من خلال إمكانية أن يؤدي فتح المعبر إلى نشوء كيان سياسي مستقل في قطاع غزة لا يشعر بأهمية المصالحة بما فيه الكفاية، بل يعتبر أن فتح المعبر منصة للحصول على الاعتراف العربي والدولي بسلطة «حماس»، ومرحلة قد تطول قبل إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة، وهذا قد يعني تحقيق الهدف الإسرائيلي برمي قطاع غزة في حضن مصر، أو جعل الدولة الفلسطينية تقوم في قطاع غزة، وليس في الأراضي المحتلة عام 1967. ونار استمرار إغلاق معبر رفح، وما يعنيه ذلك من استمرار مساهمة مصر في هذه الجريمة ضد الإنسانية.
واختارت مصر الجديدة فتح المعبر، رغم المخاطر الناجمة عن عدم توفر الطواقم الإدارية والشرطية اللازمة حتى الآن، وعدم سلامة الاعتماد على أفراد وضباط جهاز المخابرات العامة أو على أفراد وضباط من الجيش.
لقد تعرضت مصر إلى ضغوط من الولايات المتحدة الأميركية (خصوصًا الكونغرس)، ومن إسرائيل، جراء إقدامها على فتح معبر رفح دون تنسيق، رغم توضيحها أن فتح المعبر جاء من أجل تسهيل مرور الأفراد وضمن المعايير التي كانت سائدة في العام 2007، ولا يتضمن ذلك فتح المعبر التجاري. ولعل من أهم الأسباب التي سرعت في إنجاز اتفاق المصالحة هو الحاجة إلى إعادة فتح معبر رفح، لأن فتحه بدون مصالحة سيؤدي إلى استمرار وتعميق الانقسام. وفي هذا السياق، فإن تطبيق اتفاق المصالحة يساعد على فتح المعبر، والتباطؤ في تطبيقه سينعكس سلبيًا على حركة المرور وعلى معبر رفح نفسه، ولن نغلق هذا النقطة دون الإشارة إلى أن اتفاق المصالحة لم يستند إلى اتفاق سياسي ونضالي مشترك، وعلى أسس وقواعد النظام السياسي الفلسطيني في ظل المرحلة والتحديات الجديدة، وهو يعاني من ثغرات يجب سدها.
وإذا نظرنا إلى الموقف المصري من المفاوضات وما يسمى عملية السلام نجد أن الموقف الحالي تغير بشكل ملموس، وإن لم يكن بشكل جذري، فأعلنت مصر التزامها بمعاهدة السلام المصرية ـ الإسرائيلية، وأكد نبيل العربي على ضرورة الالتزام بها من الطرفين، دون زيادة أو نقصان، خصوصًا أن إسرائيل لا تطبق العديد من التزاماتها بها.
وطالبت مصر بعقد مؤتمر دولي للسلام بوصفه أحد الخيارات حتى ينهي عملية إدارة الصراع التي تدور فيها المفاوضات منذ انطلاقها وينتقل لحل الصراع. في هذا السياق، لم تعد مصر تضغط مثلما كان يحدث في السابق في أحيان عدة كي تقبل القيادة الفلسطينية باستئناف المفاوضات حتى عندما لا تتوفر الشروط اللازمة، التي تنادي بها مثل: وقف الاستيطان، وتحديد مرجعية واضحة وملزمة، وبدء المفاوضات من النقطة التي انتهت إليها المفاوضات السابقة.
إن ما سبق لا يعني أن مصر السابقة تتحمل المسؤولية الكاملة لوحدها عما حصل. طبعا لا، فالواقع الرسمي العربي قبل الربيع العربي؛ واقع الهوان والفساد والتبعية والاستبداد والتجزئة، يتحمل مسؤولية كبيرة أيضًا، وكذلك تتحمل السياسة الرسمية الفلسطينية قسطها، فهي سياسة راهنت ـ ولا تزال تراهن ـ على خيار المفاوضات وإن بشكل أقل من السابق.
وأخيرًا، فإن تباطؤ ضخ الغاز المصري لإسرائيل بعد تعرض الأنابيب التي تضخه لعمليات تفجيرية، ومطالبة مصر بإعادة النظر بأسعاره يعكس بعض أوجه التغير الحادث في مصر.
إن مصر الجديدة بحاجة إلى الوقت، وحجم التغيير فيها يتوقف على الخارطة السياسية الجديدة التي ستتشكل بعد الانتخابات النيابية والرئاسية القادمة، ومن الذي سيلعب الدور الرئيسي فيها. ولكن مصر لن تعود كما كانت، لأن عقارب الساعة لا تعود إلى الوراء، فهناك فرق بين تغيير وتغيير؛ بين تغيير جوهري أو جزئي، ومصر والعرب وفلسطين بحاجة إلى عودة مصر للعب دورها الطبيعي والتاريخي مثلما هم بحاجة إلى أن تهب رياح التغيير والثورة بشكل أشد وأقوى في المنطقة العربية برمتها حتى تكون هناك حرية وكرامة وحقوق وديموقراطية ينعم بها الإنسان العربي.