| 

كان شاعر فلسطين الكبير عبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) يُلقب بـ«زيتونة فلسطين»، أي المعطاء والمضيء والراسخ في الأرض. أما سميحة خليل فكانت تدعى «سنديانة فلسطين»، والسنديان مثل الزيتون والصنوبر لا تتساقط أوراقه الخضر قط، بل تبقى خضراء في جميع الفصول. غير أن السنديان يختلف قليلاً عن الزيتون، فأوراقه، وإن كانت ناعمة الملمس، إلا أن حروفها جارحة ومدببة. والسنديان شجرة وعرية تتحدى بخل الطبيعة وجفافها وقيظها، فتكتفي بقليل من الماء حين تمد جذورها في التربة باحثة عما يروي النسغ والعروق.
هكذا عاشت سميحة خليل أيامها كلها، مكافحة ومعطاءة وداعية للكفاح وعدم الاستكانة. ولا غرو في ذلك، فقد تفتح وعيها السياسي منذ أن كانت أسرتها في عنبتا منهمكة في النضال السياسي والعسكري، حتى أن خمسة من أبناء عمومتها استشهدوا في الثورة الفلسطينية الكبرى (1936 ـ 1939). وقصة أحد هؤلاء الشهداء معروفة؛ فقد رفضت سلطات الانتداب البريطاني تسليم جثمانه إلى أهله في دير غسانة، فتسللت أمه ليلاً إلى أرض المعركة، وحملته، وظلت تحمله وترتاح حتى وصلت به إلى قريته ودفنته في ترابها. وهذا الشهيد ترك ابناً صغيراً، لكن هذا الابن صار رجلاً، وجُرح في الانتفاضة الأولى في سنة 1987. ثم ان اثنين من أبناء الجريح أسيران في إسرائيل، وأختهما سجينة أيضاً.
عاشت الخالة سميحة مع زوجها سلامة خليل (من الطيبة في المثلث الفلسطيني) حياة متقشفة، فكانت ترتق الجوارب على البيضة الحجرية، ولا تتورع عن تصغير ملابس زوجها لتلائم مقاسات أبنائها. ولما توفي زوجها في ســـنة 1982، ورفضت السلطات الإسرائيلية دفنه في بلدته الأصليـــة قالت: «الطــيبة في فلسطين والبيرة في فلسطين... كلتاهما واحدة، ودفن في البيرة. وبعد عشرين عاماً من النفي عاد عـــبد الجواد صالح، الرئيس الأسبق لبلدية البيرة، إلى بلاده، وزار سمــيحة خليل، وهي صديقته ورفيقته في النضال، ولاحظ أن أثاث بيــتها بقي هو هو طوال عشرين سنة من الغياب، ولم يتغــير قط، لا السجادة ولا الطاولات الصغيرة ولا بقيــة الأدوات البسيطة.

المرأة الناصرية
حين استمعت سميحة خليل إلى خطاب الرئيس جمال عبد الناصر في مؤتمر القمة العربية الأول في القاهرة (13/1/1964) صاحت: «أنا أرى ميلاد اسمك يا فلسطين». ومنذ تلك الحقبة باتت «ناصرية»، وكان عبد الناصر معيارها الوطني في اختيار أصدقائها والحكم على مواقفهم. غير أن هزيمة الخامس من حزيران 1967 حولتها من امرأة وطنية إلى امرأة شجاعة ومتفانية، فقد بادرت غداة النكسة إلى إغاثة قرى اللطرون التي دمرتها إسرائيل فور احتلالها الضفة الغربية وهي يالو وعمواس وبيت نوبا. وصارت عضواً في قيادة «الجبهة الوطني في الضفة الغربية» سنة 1967، وهي ائتلاف سياسي من المنظمات والشخصيات الفلسطينية والنقابية والحزبية. وفي سنة 1978 اختيرت عضواً في «لجنة التوجيه الوطنية»، وهي الهيئة القيادية العليا للشعب الفلسطيني في الداخل في تلك الأثناء، وكانت المرأة الوحيدة في تلك اللجنة. وجراء نشاطها المتمادي ونضالها الذي لا يهدأ سجنت ست مرات؛ أمـضت فــي المرات الأربع الأُول فترات قصيرة تراوحت بين يومين وخمسة أيــام، وهي ما تستغرقه جولات التحقيق. ثم سجنت في المرة الخامسة 23 يوماً، وفي المرة السادسة 28 يوماً. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد منع الاحتلال عنها الخروج من البيرة نهاراً، ومــن بيتها ليلاً، واستمر هذا الإجــراء سنــتين ونصـف السنة (1980 ـ 1983).
لم تكن «جمعية إنعاش الأسرة» التي أسستها في البيرة سنة 1965 مجرد جمعية أهلية عادية، بل كانت مختبراً للعمل الجماعي الطوعي، ومصنعاً للوطنية المتفانية، وجعلت من هذه الجمعية ميداناً للنضال اليومي، ورسخت طرازاً فريداً من العمل الطوعي المثالي. لذلك لو قال قائل «إن السيف أفضل من العصا فقد أزرى بحق السيف»، وعلى هذا الغرار ليس في الإمكان البتة مقارنة جمعية إنعاش الأسرة بالجمعيات غير الحكومية الجديدة، فتلك أمر وهذه أمر آخر تماماً. وكان من شأن «جمعية إنعاش الأسرة» أن اهتمت بالتراث الشعبي الفلسطيني، فأسست «لجنة الأبحاث الاجتماعية والتراث» في سنة 1972، وأصدرت اللجنة أولى دراساتها بعنوان «قرية ترمسعيا: دراسة في التراث الشعبي» في سنة 1973، وفي سنة 1974 أصدرت مجلة «التراث والمجتمع» التي كان لها شأن مهم في تقويم النظرة إلى التراث والمجتمع. ولم تكتف الجمعية بذلك فحـسب، بل كرست مهرجان العرس الفلسطيني كاحتفال سنوي، وكثيراً ما احتالت سميحة خلـيل على سلطات الاحتلال لتنفــيذ خططها؛ ففي سنة 1978 أكــدت لهذه السلطات أن المهــرجان سيكون مقصــوراً علــى الغــناء وبيع الفلافل والقهوة. ولكن ما إن بدأ المهرجــان في حديقة بلدية البيرة حتى تحول إلى كرنفال غنائي وسياسي وشعـــبي لمناصــرة منظمة التحرير الفلسطينية، وللتنديد بالاحتلال. وكــان مــن جــراء ذلك أن اقتحم الجنود الإسرائيليون مكان الاحتفال وراحوا يطلقون النار إرهاباً.

امرأة من صلابة وحنان
لم تكن سميحة خـليل مجــرد امــرأة وطنـــية وكفى، أو مجرد ناشطة اجتماعية فحسب، فأمثال هؤلاء كثـــيرات جداً في المجتمع الفلسطيني. لكنها امرأة منسوجة من الصـلابة والعنفوان والحنان معاً. إنها من النساء النادرات اللواتي يتركن أثراً لا يمحى، وتأثيراً كبيراً في كل من عرفها أو تعرف إليها... كانت وقوداً ألهبت النضال بين النساء والرجال في تلك المرحلة الصعبة من حياة الشعب الفلسطيني، أي غداة النكبة في سنة 1948، وبعد هزيمة حزيران 1967.
كانت ترفض التعامل بالعملة الإسرائيلية (الليرة ثم الشيكل)، وترفض ارتداء غطاء الرأس أيضاً، لأنها كانت تدرك أن المبادئ والمواقف أهم بكثير من المظهر. وحين رشحت نفسها لانتخابات رئاسة السلطة الفلسطينية ضد ياسر عرفات في سنة 1996 ونالت 12% من الأصوات، كانت تدرك أن موقفــها هذا إنمــا هــو رسالة مزدوجة إلى المرأة الفلــسطينية، وإلـى ياسر عرفــات نفسه، لتقول إن الفلســطينيين يتطلعون حقاً إلى نظــام سياسي ديموقراطي عصري لا يقــوم على الإكــراه الديني أو التــفرد السياسي. وما زال الشعب الفلسطــيني ينتظر هذا الغد.