| 

ربما يعتبر السفير الإسرائيلي الأسبق في مصر تسفي مازائيل، الذي يعمل حاليًا باحثًا كبيرًا في «المركز المقدسي لشؤون الجمهور والدولة»، واحدًا من أبرز المسؤولين الإسرائيليين المخوّلين بالتصريح الذين أبدوا أخيرًا الامتعاض الشديد جراء المسار الذي تنحو فيه الثورات الشعبية في العالم العربي، وخصوصًا في مصر، بسبب كونه مسارًا متنائيًا عن توقعاتهم بأن تؤدي هذه الثورات إلى «نشوء ديموقراطيات تُقدم على الاعتراف بإسرائيل دولة قومية للشعب اليهودي».
وقد حاول مازائيل، في سياق مقالة نشرها على الموقع الإلكتروني التابع للمركز الذي يعمل فيه في أوائل شهر حزيران (يونيو) الحالي، أن يوهم قرّاءه أن هذا المسار نجم بالأساس عما أسماه تعاظم النفوذ الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، وكذلك عن ازدياد قوة حركات الإخوان المسلمين وشعبيتها، كما لو أن معارضة قبول إسرائيل كدولة يهودية حكر على إيران والحركات الإسلامية، أو أنها إحدى محصلات تأثيرهما المتنامي في حلبة السياسة الإقليمية.
كما أنه لفت إلى ارتفاع الأصوات داخل مصر التي تطالب بإلغاء اتفاق السلام مع إسرائيل أو تجميده، وبوقف تزويدها بالغاز الطبيعي، مشددًا على أنه في حال حدوث ذلك فإن مصالح إسرائيل الاستراتيجية ستتعرّض لأضرار فادحة.
وفي وسعنا أن نرى في قوله الأخير هذا دليلاً آخر من دلائل كثيرة ما انفكت تتراكم منذ اندلاع ثورة 25 يناير المصرية على أن “اتفاق السلام الإسرائيلي ـ المصري” يشكّل بالنسبة لإسرائيل بمنزلة “الرصيد الأهم” الذي بات عرضة للتلاشي، لأنه كان على مدار ثلاثة عقود ونيّف مضت على توقيعه بمثابة ركن رئيس لـ«الباكس إزرائيلي» (السلام الإسرائيلي)، وفقًا لما أكده مثلاً بصورة ليست مواربة أحد أهم منظري الأمن القومي الإسرائيلي في الآونة الأخيرة وهو الجنرال في الاحتياط غيورا أيلاند، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية و«مجلس الأمن القومي»، عندما أكد أنه طوال الأعوام الـ32 الفائتة (أي منذ توقيع الاتفاق) كان في إمكان إسرائيل أن تشنّ حروبًا وعمليات عسكرية على أطراف عربية، بما في ذلك شنّ حربين على لبنان (في 1982 و2006) وعملية «السور الواقي» في الضفة الغربية في 2002، من دون أن تخشى ردة فعل عسكرية مصرية، لكن في حال سيطرة حزب إسلامي متطرف على السلطة في مصر فإن هذا الأمر لن يحدث في المستقبل، كذلك فإنه كان في إمكان الجيش الإسرائيلي أن يجازف قليلاً في كل ما يتعلق بمجال بناء قوته العسكرية ما دامت مصر لا تشكل خطرًا كبيرًا عليه، لكن الوضع الجديد الناجم ربما سيضطر إسرائيل إلى زيادة ميزانيتها الأمنية وتغيير سلم أولويات جيشها. وفي رأيه فإن «العزاء الوحيد لنا الآن هو أنه حتى في حال تحقق مثل هذا السيناريو فإن السلطة الجديدة في مصر ستكون بحاجة إلى بضعة أعوام كي تجعل مكانتها مستقرة داخليًا. وبكلمات أخرى يمكن القول إنه إذا ما حدث تغير استراتيجي نحو الأسوأ فسيكون لدينا متسع من الوقت لدراسته والاستعداد له كما يجب».
وبموجب ما كرّره رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو أكثر من مرّة أخيرًا فإن «اتفاق السلام القائم منذ أعوام طويلة بين إسرائيل ومصر عاد بفوائد جمّة على الدولتين، كما أنه حجر الزاوية للسلام والاستقرار في الشرق الأوسط كله».
في إمكاننا أن نحدّد الغاية الحقيقية لـ«الباكس إزرائيلي» في المعادلة التالية: فرض استمرار «الوضع القائم» (الستاتيكو) بالوسائل كلها للحفاظ على المصالح الاستراتيجية والاقتصادية الإسرائيلية، ما يعني استخدام القوة العارية وشنّ الحروب الدائمة من جهة، واستخدام القوة الناعمة من جهة أخرى لضمان إخضاع شعوب الشرق الأوسط إلى إملاءات المصالح الإسرائيلية وشروطها، من دون أخذ مصالح هذه الشعوب في الاعتبار. وهذا ما عبّر عنه، بكيفية ما، رئيس هيئة الأركان العامة السابق اللواء غابي أشكنازي في آخر اجتماع عقد لهذه الهيئة برئاسته في شباط (فبراير) الفائت وخُصّص لتقدير الموقف إزاء آخر التطورات في العالم العربي حين أكد أن «الاستقرار في الشرق الأوسط (يقصد استمرار «الوضع القائم») أهم من الديموقراطية».
ولا تكف التحليلات الإسرائيلية عن التلميح الصريح إلى أن الثورة المصرية فاقمت ضائقة إسرائيل الاستراتيجية في الشرق الأوسط، وذلك لأنها زادت احتمالات أن تبقيها وحيدة من دون حلفاء. ووفقًا لهذه التحليلات فإن هذه الضائقة بدأت في أيار (مايو) 2010 عندما انهار التحالف الاستراتيجي مع تركيا عقب حادثة السيطرة على أسطول الحرية الذي كان متجهًا إلى غزة. وأشار بعضها إلى أن نتنياهو بادر منذ أن تسلم مهمات رئيس الحكومة الإسرائيلية قبل أكثر من عامين إلى معانقة الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك، ونجح في عقد تحالف معه على أساس الخشية المشتركة من تغلغل إيران في المنطقة، كما أنه نجح في إقناعه برغبته في التوصل إلى السلام مع الفلسطينيين. ولا شك في أن سقوط مبارك سيجعل نتنياهو من دون أي حليف عربي، في وقت ستكون مصر في المرحلة القليلة المقبلة مهتمة أكثر من أي شيء آخر بشؤونها الداخلية، ولن تكون ضالعة في «عملية السلام» كما كانت ضالعة إلى الآن. وفي موازاة هذا فإن إسرائيل في الجبهة الشرقية ستظل في مواجهة سلطة متشككة للعاهل الأردني عبد الله الثاني الذي لا يكف عن تحميلها مسؤولية الجمود المسيطر على العملية السياسية، ويرفض عقد لقاء مع نتنياهو، في حين أنه ستقوم في جبهتها الشمالية حكومة لبنانية يسيطر عليها حزب الله. أمّا في المناطق الفلسطينية فإن الرئيس محمود عباس يبدو منشغلا أكثر شيء في دفع عملية تنفيذ اتفاق المصالحة بين حركتي «فتح» و«حماس»، وفي تحقيق استحقاق أيلول (سبتمبر) بإعلان الجمعية العامة في الأمم المتحدة تأييد إقامة دولة فلسطينية مستقلة. وإذا لم يكن ذلك كله كافيًا، فإنه لا بُدّ من القول إن الشرق الأوسط برمته سيبقى مع إدارة أميركية ضعيفة توحي بأنها قد رفعت يدها عنه.
وقد حدّد دوف فايسغلاس، المدير العام لديوان رئيس الحكومة الأسبق أريئيل شارون، «خسارة» إسرائيل جراء الثورة المصرية بأن أشار إلى ان مبارك لم يجعل العلاقات الإسرائيلية ـ المصرية رهن التقدّم نحو اتفاق إسرائيلي ـ فلسطيني، وفي أكثر من لقاء معه كان مشتركًا فيه سمعه يؤكد أن اتفاقًا كهذا سيدفع السلام الإسرائيلي ـ المصري قدمًا، لكنه لم يسمعه مطلقًا يلمح إلى أن الطريق المسدودة بين إسرائيل والفلسطينيين تهدّد بإلغاء اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل.
وأضاف: لا يمكن الآن معرفة جوهر السلطة المقبلة في مصر. ومع أن الإدارة الأميركية الحالية تطالب بإجراء انتخابات حرّة في أقرب فرصة ممكنة إلا إنها تتمنى في قرارة نفسها أن يظل الجيش المصري مسيطرًا إلى الأبد على السلطة هناك نظرًا إلى كونه الجهة الوحيدة التي يمكنها أن تواصل «طريق مبارك». غير أن هذا لن يحدث طبعًا، والتوقعات لدى إسرائيل في معظمها تؤكد أن حركة الإخوان المسلمين لن تتولى مقاليد السلطة المقبلة في مصر، لكنها ستكون جزءًا مهمًا منها. وفي ضوء ذلك فإن من المتوقع أن يكون اتفاق السلام مع إسرائيل موضع خلافات حادة بين هذه السلطة وبين حركة الإخوان المسلمين، كما أن من المتوقع أن يطرح الإخوان مطلب إلغاء هذا الاتفاق في ظل الجمود المسيطر على عملية السلام بين إسرائيل والفلسطينيين. ومع أن هناك أسبابًا وجيهة لدى مصر تستلزم عدم إقدامها على إلغاء هذا الاتفاق، إلا إن هناك خشية كبيرة من أن تقدم (أي مصر) على رهن الاتفاق بدفع العملية السياسية الإسرائيلية ـ الفلسطينية قدمًا. وفي حال حدوث ذلك فإن إسرائيل ستواجه وضعًا صعبًا. ولذا من الأفضل للحكومة الإسرائيلية أن تسارع إلى استئناف المفاوضات مع الفلسطينيين على أساس الاقتراحات والمبادئ المعروفة سابقًا، وذلك قبل أن تتبلور السلطة المقبلة في مصر بصورة نهائية.
وختم فايسغلاس قائلاً: إن سلطة مبارك لم تعد موجودة، وعلى الحكومة الإسرائيلية أن تدرك أن الوقت لا يعمل لمصلحتها بعد سقوط هذه السلطة.
مؤدى ذلك كله أن «الباكس إزرائيلي» يواجه حاليًا أصعب امتحان له، لكنه في هذا الخضم يتجرّد أيضًا من رتوشه كلها، ولا يجوز إلا أن نقرأ في هذا السياق دلالة «إصرار» نتنياهو على طرح ركنين لهذا «السلام» هما «الشرعية والأمن»، وعلى أن استمرار «النزاع مع الفلسطينيين» ناجم عن سبب واحد هو عدم اعترافهم حتى الآن بحق دولة إسرائيل في الوجود، ذلك بأن هذا النزاع «ليس على حدود 1967 وإنما على ما جرى سنة 1948»، والمقصود إقامة دولة إسرائيل.
ومن هذين الركنين يشتق نتنياهو «مبادئ ذلك السلام» الذي لا بُدّ برأيه من أن يكون مرتبطًا بالأمن، وهي المبادئ التالية: أولاً، اعتراف الفلسطينيين بإسرائيل دولة قومية للشعب اليهودي؛ ثانيًا، أن تؤدي التسوية الدائمة إلى نهاية النزاع ووضع حد للمطالب؛ ثالثًا، أن يتم حل قضية اللاجئين الفلسطينيين خارج تخوم دولة إسرائيل؛ رابعًا، أن تُقام الدولة الفلسطينية عن طريق اتفاق سلام وأن تكون منزوعة السلاح وأن تحتفظ إسرائيل بحق المرابطة العسكرية لفترة طويلة على طول نهر الأردن، خامسًا، أن تبقى الكتل الاستيطانية الكبرى (في الضفة الغربية) خاضعة للسيادة الإسرائيلية؛ سادسًا، أن تبقى القدس الموحدة عاصمة لإسرائيل. وهذا ما يمكن استشفافه من خطاباته الأخيرة بما في ذلك خطابه في الكونغرس الأميركي الذي ضمنه مقاربته إزاء الثورات العربية.
قبل أكثر من ثمانية أعوام كتب عوزي أراد، المستشار الأقرب من نتنياهو، مقالة في صحيفة «هآرتس» بالتزامن مع بدء الحديث عن إمكان شنّ الولايات المتحدة حربًا على العراق، رأى في ثناياها أن «مقامرة الحرب» تُعدّ ضرورة إمبريالية بالنسبة للإمبراطوريات بهدف فرض سلامها، وأن الإمبراطوريات تغيب حين لا تتبقى لديها قوة لمواجهة التحديات الماثلة أمامها.
وأضاف أنه إذا ما حققت الولايات المتحدة أهدافها في العراق، فإنها ستعزّز مكانتها وترسخ النظام العالمي الخاضع لوصايتها، وإذا ما فشلت، فستترتب على فشلها نتائج قاسية وخطرة بالنسبة للمنطقة وستتزعزع مكانتها الإمبريالية. ولذا فإن المعركة في العراق ليست فقط حول التهديد الذي يشكله كدولة مارقة تتزود بأسلحة غير تقليدية، وإنما أيضًا معركة على مكانة الولايات المتحدة. وحرص على تأكيد أن ما يقف على كفتي الميزان هو مصير السلام الأميركي، وأنه برؤية تاريخية ليس هناك خيار حقيقي أمام الولايات المتحدة سوى مواجهة التحدي.
وربما تكمن أهمية ما كتبه أراد الآن في كونه يشفّ عن تبنّي مقاربة غربية في سياق سياسي إسرائيلي جعل نفسه صدًى لمثل هذه المقاربات، التي يبدو أن إحداها تنشأ في الآونة الأخيرة نتيجة طرح أسئلة شبيهة إزاء «تحديات» مماثلة تعرضها الحالة الراهنة عربيًا وإقليميًا برسم الثورات الشعبية الأخيرة المرشحة عاجلاً أو آجلاً لأن تواجه الغاية الحقيقية لـ«السلام الإسرائيلي» الذي بنى مخططاته على أساس تعويلات مستقطرة من «السلام» مع مصر من دون أن يأخذ في الاعتبار إمكان تعرّضه لزلزال مدمّر.