| 

دلّ تسارع الأحداث السياسية قبل ثورة 23 يوليو 1952 على ان مصر كانت تمر بما يمكن اعتباره «أزمة وطنية عامة»، حيث لم يعد بمقدور الشعب المصري ولا السلطات الحاكمة التعايش مع الشروط السائدة آنذاك. ويكفي ان يعلم المرء ان أربع وزارات تعاقبت على مصر في فترة الشهور الستة التي سبقت قيام الثورة ليدرك ان الأزمة كانت بلغت ذروتها على الصعيد الرسمي. أما على الصعيد الشعبي، فقد فقدت السلطات سيطرتها على الشارع المصري، الذي صب جام غضبه على الأوساط الحاكمة وعلى الوجود العسكري البريطاني في قناة السويس.
شكّل هذا الوضع، على ما يبدو، الخلفية الحقيقية لتحرك الضباط الأحرار للإطاحة بنظام الملك فاروق. فيما لعبت فضيحة الأسلحة الفاسدة، التي كانت بحوزة الجيش المصري، أبان حرب فلسطين، وكذلك نتائج الحرب، دوراً ثانوياً أضاف إلى تحرك الضباط الأحرار أسباباً اخرى للمضي قدما في خطتهم الانقلابية. وأشار عبد الناصر في كتابه «فلسفة الثورة» إلى نقاشات حول شؤون مصر الداخلية، دارت بينه وبين رفاقه عندما كانوا محاصرين في منطقة الفالوجة في اثناء الحرب، خلاصتها ان مصر هي الواجب الاول للجنود المصريين. يقول عبد الناصر في الكتاب المذكور: «كنا نقاتل في فلسطين، لكن أحلامنا كانت تتمحور حول مصر. كانت المعركة موجهة مع العدو في كمائنه، فيما قلوبنا تحوم حول وطننا (مصر) الذي تركناه في حراسة الذئاب». ووصف عبد الناصر مصر في مكان آخر من الكتاب بأنها «فالوجة اخرى على نطاق أوسع.. وما يحدث لنا في فلسطين ليس الا صورة مصغرة لما يحدث في مصر».
وعندما تسلّم الضباط الأحرار مقاليد الحكم في مصر عشية الثالث والعشرين من تموز (يوليو) العام 1952، لم يكن الصراع مع إسرائيل قد طرح كأولوية على جدول أعمالهم. فقد احتلت مسألة الإصلاح في مصر مرتبة الأولوية بالنسبة لمجلس قيادة الثورة. وهذا ما كان عبد الناصر أوضحه في حديث صحافي أجراه معه كيث ويلوك جاء فيه: «ان أي معركة عسكرية مع إسرائيل سوف تعيق عملية الإصلاح في مصر، والحكومة قالت بأن الإصلاح هو مبرر وجودها». على ان فلسطين كانت واحدة من ثلاث قضايا حازت على اهتمام الضباط الأحرار، الا انها، في تقدير ويلوك، كانت الأقل اهمية بينها. وحتى مطلع العام 1954، غابت فلسطين عن خطابات قادة الثورة وتصريحاتهم، بمن فيهم جمال عبد الناصر. وكان واضحا انهم تجنبوا التطرّق إلى هذه المسألة او الاتيان بأي قول او فعل من شأنه ان يفسر على انه استفزاز لإسرائيل. وهذا ما أكده احمد حمروش في كتابه الذي أرخ لثورة 23 يوليو، عندما أشار إلى ان تصريحات الجانبين، المصري والإسرائيلي، اتسمت، في تلك الفترة، باللهجة الهادئة والسعي إلى عدم التورط في وضع عدائي. وقد تطورت هذه اللهجة، بعد فترة وجيزة، إلى اتصالات سرية او شبه علنية بين عبد الناصر ورئيس وزراء إسرائيل آنذاك، موشيه شاريت. وأضاف حمروش، بأن الظرف كان ملائما لحل سلمي بين مصر وإسرائيل، حيث أبدى شاريت استعداداً للتفاهم مع العرب، لكن مجلس قيادة الثورة لم يستطع التغاضي عن نقطتين أساسيتين. هما: ضرورة جلاء القوات البريطانية عن مصر بشكل كامل، ومشكلة التهجير القسري لشعب فلسطين.
على ان تلك الاتصالات لم تؤد إلى نتيجة ملموسة بسبب الضغوط الأميركية على مصر، التي كان نهجها الاستقلالي يزعج صانعي القرار في الولايات المتحدة الأميركية. وكان من النتائج المباشرة لهذا الانزعاج الأميركي ان جرى تعديل فوري في الوزارة الإسرائيلية، تسلّم على أثره، دافيد بن ـ غوريون، (رجل الخيار العسكري) منصب وزير الدفاع.

نقطة تحوّل
جاء صعود بن ـ غوريون إلى السلطة في إسرائيل نقطة تحوّل في العلاقة بين مصر وإسرائيل. فبعد أيام من تعيينه وزيراً للدفاع، شنت إسرائيل عدواناً واسع النطاق على قطاع غزة في الثامن والعشرين من شباط (فبراير) 1955، وضع عبد الناصر في موقف حرج امام شعبه وقواته المسلحة، لكن، يبدو ان اثر العدوان على غزة كان ابعد بكثير من مجرد الحرج، فها هو عبد الناصر يعترف، في أحد خطاباته، بأن العدوان الإسرائيلي على القطاع أدى إلى تحوّل في طريقته في التفكير تجاه الأحداث في المنطقة: «لقد بدا واضحا لنا ان مشكلة إسرائيل ليست مشكلة محلية، كما كان يبدو الأمر، قبل الغارات على قطاع غزة. وبدا واضحا لنا، كذلك، اننا لا نستطيع السير في معركة البناء فيما الخطر يداهم ما نبنيه ويهدد وجودنا من أساسه. وفي خطاب آخر، قال: «لقد كان العدوان على قطاع غزة إشارة الخطر التي دفعتنا للبحث عمّا يعنيه السلام»... (و) ان نكون دقيقين في تعريفنا للسلام وفي معنى السلام وتوازن القوى في المنطقة.
ترافق تصاعد التوتر بين مصر وإسرائيل مع ضغوطات على مصر من قبل فرنسا وبريطانيا. وكان كلاهما منزعجا من مجمل سياسات عبد الناصر المحلية والعربية والدولية. فعلى الصعيد المحلي، توّج سعي عبد الناصر إلى إجلاء القوات البريطانية عن مصر باتفاقية وقعت في تشرين الأول (اكتوبر) 1954. وعلى الصعيد العربي رفض عبد الناصر سياسة الأحلاف، وحارب انضمام الدول العربية إلى حلف بغداد. أما على الصعيد الدولي، فقد نشط عبد الناصر باتجاهين احدهما يعزز الآخر، تمثل الاتجاه الأول في تبني عبد الناصر سياسة «الحياد الايجابي»، وهذه عنت في الواقع العملي، تكتيل دول العالم الثالث المستقلة، حديثا، في اطار منظمة أفرو ـ آسيوية، عرفت منذ ذلك الوقت بمجموعة دول عدم الانحياز. وقد عقدت هذه المنظمة مؤتمرها الاول المعروف بمؤتمر باندونغ، في نيسان (ابريل) 1955، بزعامة اقطاب ثلاثة هم إلى جانب عبد الناصر، رئيس الوزراء الهندي، جواهر لآل نهرو، والرئيس اليوغسلافي، جوزيف تيتو. وقد رمزت مشاركة تيتو إلى انفتاح أفرو آسيوي على المعسكر الاشتراكي. وتمثل الاتجاه الثاني في ابتعاد عبد الناصر التدريجي الواضح عن الغرب. وتجسّد ذلك في خطوات منها: رفض عبد الناصر للدعم الأميركي المشروط، وقيامه بتأميم قناة السويس بتاريخ 26 يوليو (تموز) 1956، كرد على موقف الأميركيين الرافض تقديم العون لبناء السد العالي. وكان تأميم القناة بمثابة الذريعة المباشرة لشن العدوان الثلاثي على مصر في التاسع والعشرين من تشرين الأول (اكتوبر) 1956 حين باشرت إسرائيل عملياتها العسكرية ضد مصر، وانضمت إليها، في اليوم التالي، كل من بريطانيا وفرنسا. على ان هذه القوى الثلاث لم تكن تنتظر الذريعة لشن عدوان على مصر، ذلك ان العدوان على مصر كان تقرر قبل عام من قيام مصر بتأميم القناة، «اذ كان بعض الأوساط الإسرائيلية يتحدث عن حرب وقائية (Preventive War) ضد مصر».


ما بعد العدوان
رسخ العدوان الثلاثي على مصر في ذهن عبد الناصر اليقين ان هناك ترابطا عضويا بين زرع دولة إسرائيل في قلب المنطقة العربية وبين جوهر المطامع الاستراتيجية للغرب فيها، وفي عموم العالم الثالث، الذي اصبحت مصر ترمز إلى تنامي قوته ـ لا باعتباره عالما ثالثا، من حيث التصنيف التنموي، بل بصفته قوة عالمية ثالثة، تنزع نحو سياسات مستقلة تنبع من صميم مصالحها الوطنية. على ان عبد الناصر أدرك، بفعل تطور الأحداث، ان الاستقلالية هي أمر نسبي، لا يرقى إلى مستوى الطموح، في عصر تسارعت فيه وتيرة تدويل الاقتصاد في العالم، مما استتبع تدويل ما يسمى بالاقتصاد الوطني والمصالح الوطنية أيضاً. كما ان الطبقات الاجتماعية، في مجتمع ما، لم تعد محلية بالمعنى الحصري للكلمة. ولكي يتغلب عبد الناصر على العجز القسري الذي فرضه عليه هذا الواقع العالمي، لجأ إلى التعبئة والتحريض كوسيلة لاستنهاض همة الجماهير المصرية والعربية. وفي هذا الاتجاه، طرح عبد الناصر مجموعة من المواقف العقائدية والأفكار السياسية التي بلورها مع الوقت، وعلى أثر المستجدات السياسية والعسكرية التي فرضتها الضغوطات الغربية ـ قبل وبعد العدوان الثلاثي ـ إما مباشرة، او بواسطة الدور العدواني المناط بإسرائيل. ويلمس الطابع التعبوي في مواقف عبد الناصر السياسية وتوجهاته العقائدية بوضوح في خطاباته في المرحلة التي تلت العدوان الثلاثي، والعدوان الذي سبقه، بفترة وجيزة على قطاع غزة العام 1955. فمضمون خطاباته، في تلك الفترة، أشار إلى يقينه ان «الغرب، الذي أوجد دولة إسرائيل، لن يعطي مصر سلاحاً يستعمل ضد (ها)». والمعركة التي خاضتها مصر ضد العدوان الثلاثي هي معركة «ضد الاستعمار وضد ربيبته إسرائيل، التي تم تأسيسها للقضاء على الأمة العربية، بعد ان تم القضاء على فلسطين». وفي خطاب آخر، وصف عبد الناصر إسرائيل بأنها «آخر الأسلحة» في جعبة القوى الاستعمارية، وانها «رأس الحربة» لتحقيق مآرب الغرب في تدمير الأمة العربية وزرع الشقاق في صفوف العرب.

قضيتان متلازمتان
منذ تلك الفترة تركزت أطروحات عبد الناصر العقائدية على تلازم القضيتين الفلسطينية والعربية. وبدا واضحاً له، بعد كل التطورات هذه، ان الصراع مع إسرائيل ليس صراعاً مصرياً ـ إسرائيلياً، ولا فلسطينياً ـ إسرائيلياً فحسب، بل هو صراع عربي ـ إسرائيلي بالضرورة. وبالتالي، فإن تلازم القضيتين يتطلب من العرب السعي إلى الوحدة ورص الصفوف، والعمل على نبذ الفرقة والشقاق اللذين سعت الدوائر الامبريالية إلى زرعهما في صفوف العرب، من خلال الأنظمة المحلية المرتبطة مصلحياً مع هذه الدوائر. بذا حدد عبد الناصر العدو الرئيس للأمة العربية في ثلاثة أطراف لها مصلحة في بقاء العرب على حال من التشرذم والضعف والتخلف، هي الامبريالية والصهيونية والدول العربية الموالية للغرب. ولا يكاد خطاب واحد لعبد الناصر يخلو من التحذير من هذا الحلف المثلث الأطراف. وقد عبّر عبد الناصر عن مخاوفه من هذا الحلف بقوله ان «إسرائيل لا تهددنا بالاحتلال والتوسع فحسب، بل تهدد وجود الأمة العربية برمتها، ذلك ان الحركة الصهيونية تهدف إلى تحقيق دولة إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل، معتمدة، في ذلك، على أعداء الأمة العربية: الامبريالية وأدواتها المحلية.
وتكرر في خطابات عبد الناصر التأكيد على ان الصهيونية هي نقيض الأمة العربية. واستند في تفسيره للدور المناط بها إلى الوقائع التاريخية للنهج الامبريالي في المنطقة، منذ اتفاقية سايكس ـ بيكو العام 1916. إذ بموجب تلك الاتفاقية الانكلو ـ فرنسية رسمت حدود مصطنعة للمشرق العربي، وتم تقسيمه إلى مناطق انتداب انكليزي ـ فرنسي، بهدف تسهيل إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. ثم منحت بريطانيا وعد بلفور لليهود في العام التالي (1917). وقال عبد الناصر في هذا الصدد: ان «الدول الاستعمارية خططت لتقسيم العالم العربي إلى دويلات.. تافهة، توافق على منح فلسطين لليهود وتفرض على العرب سياسة الأمر الواقع».
وفي رسالة بعث بها للرئيس الأميركي، جون كنيدي في الحادي عشر من أيار (مايو) 1961، كتب عبد الناصر: «موقفنا من إسرائيل ليس موقفا مشحونا بالعواطف، بل هو يستند إلى الحقائق التالية: عدوان شن علينا في الماضي، خطر محدق بنا في الحاضر، ومستقبل مجهول محفوف بالتوتر والقلق على المصير».
وفي الرسالة عينها، جاء «ان الدول العربية لا تستطيع عزل نفسها عن أي عدوان يشن ضد احداها، وذلك لسبب واضح وهو ان العدوان على واحدة منها سوف يهدد الاخرى بنفس المخاطر والمصير».
هكذا تركزت خطابات عبد الناصر، بعد العدوان الثلاثي، وكذلك، تحركاته الدبلوماسية على الصعيد الدولي، بشكل واضح، على العمل لدرء الخطر المحدق بعموم العالم العربي بسبب الطبيعة العدوانية لدولة إسرائيل. وجاء تتابع التطورات العسكرية والسياسية، في المنطقة، ليؤكد له، اكثر فأكثر، ان إسرائيل والصهيونية هما الأداتان الرئيستان لتحقيق مآرب الغرب الاستعماري، فقد تضمن غير خطاب له، وصفاً لإسرائيل بأنها «الخنجر المغروس في قلب الأمة العربية». لذا وجد عبد الناصر في الدعوة إلى الوحدة العربية خير وسيلة لإفشال المخططات المرسومة للمنطقة. وكان من نتيجة العدوان الثلاثي على مصر ان تحولت هزيمتها العسكرية إلى نصر سياسي اكسبها تأييد العرب وبلدان آسيا وافريقيا والمعسكر الاشتراكي. وهذا، في الواقع، ما مهد لعبد الناصر تبوؤ مركز الزعيم بلا منازع بين العرب والفلسطينيين منهم على وجه الخصوص. وقد وفر هذا الموقع الاعتباري لعبد الناصر جواً ملائماً «لاجتراح» سياسته الداعية إلى الوحدة العربية، بشكل اتخذ، في غالب الأحيان، طابع المناوأة والتحدي للأنظمة المتحالفة مع الغرب في عقر دارها، مستندا في ذلك، إلى شعبيته التي طبقت آفاق بلاد العرب. وقد توجت دعوته بنجاح أولي، عندما اتفقت مصر وسوريا على اعلان الوحدة بينهما في شباط (فبراير) 1958 تحت اسم «الجمهورية العربية المتحدة». ولاقت هذه الخطوة الوحدوية صدى واسعا لدى الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج. وكان لها صدى متميّز في الأقطار العربية المحيطة بفلسطين، والتي كانت، قبل فترة وجيزة، تناضل ضد الأحلاف الغربية كحلف بغداد ومشروع تمبلر في الأردن.
على ان الوحدة بين مصر وسوريا لم يكتب لها النجاح، لانها استندت إلى الدعم الشعبي العاطفي دون البناء المؤسساتي اللازم لاستمرارها وتعميمها. كما ان التصور النظري والممارسة العملية لتجربة الوحدة بين القطرين لم يأخذا في عين الاعتبار الواقع الناتج عن التجزئة، الذي كان ترسخ، إلى حد ما، في كل قطر على حدة، مما وفر أرضية للشقاق على أساس قطري بين المؤسستين الحاكمتين في مصر وسوريا. فضلا عن ان هذه الوحدة حوربت من الأنظمة العربية المتناغمة في سياساتها مع الغرب، مما فرض على عبد الناصر مواصلة دور الحاكم والداعية الثوري بهدف استقطاب الدعم الشعبي العربي لسياساته العربية في مواجهة الأنظمة المتعارضة معه.
* سلوى العمد كاتبة وأكاديمية فلسطينية.
أنظر: سلوى العمد، العروبة وفلسطين في سياسة عبد الناصر ودورهما في صنع جاذبيته السياسية»، مجلة «شؤون فلسطينية»، العددان 244 و245، تموز وآب 1993.