هل سيناء آسيوية أم أفريقية؟ هذا سؤال مفتعل وزائف، ويقصد منه إقامة تضاد بين مصر وعروبتها. فإذا كانت سيناء آسيوية، بحسب بعض الجغرافيين، فهذا يعني أن الوجود المصري في سيناء هو استعمار. والمسألة ليست على هذا النحو البتة.
إن سيناء، كشبه جزيرة تنفصل جزئيا عن كتلة أرض مصر وتتصل بالدرجة نفسها تقريبا باليابس الآسيوي، لهذا ألحقها البعض بالجانب الآسيوي أو العربي، بينما حار البعض الآخر في تحديد موقعها الجغرافي، وعزز ذلك تشابه بعض ملامح التضاريس والسطح والمناخ، وكذلك بعض أنواع النبات الآسيوية، عدا تدفق قبائل البدو العربية السامية المتوطنة (الاسم نفسه، سيناء، سامي الأصل من سين إله القمر، أي بمعنى أرض القمر).
حتى على المستوى الجيولوجي البحت، حاول البعض أن يربطها بالجانب الآسيوي دون الأفريقي. يقول لوران مثلا، «شبه جزيرة سيناء تكمل شبه الجزيرة العربية، التي تربطها بها كل خصائصها الجيولوجية، فخليج العقبة، الذي يحفها من الشرق، هو الاستمرار لانكسار وادي الأردن الفلسطيني.
من هنا اعتبر البعض سيناء جزءا من بلاد العرب الصخرية Arabia Paetra التي تقع شمال غرب الجزيرة العربية في منطقة مدين والحجاز، ومن ثم أصبحت عندهم جزءا من آسيا. بل هناك أيضا من شبهها بأنها تصغير شديد للجزيرة العربية بيئة وبنية وتركيبا. تبدو سيناء بالفعل، من خلال اتصالها الأرضي بشبه القارة العربية بمعناها الواسع الذي يشمل الهلال الخصيب، كأنها نتوء بارز واستمرار مصغر لكتلة الجزيرة العربية على نحو ما تفعل شبه جزيرة آسيا الصغرى بالنسبة إلى قارة آسيا. يعني أن سيناء قد تبدو من هذه الوجهة كأنها «جزيرة العرب الصغرى Arabia Minor»، على وزن آسيا الصغرى Asia Minor.
لكن الحقيقة مختلفة. فالواقع أن سيناء إنما امتداد أو تصغير لصحراء مصر الشرقية أكثر مما هي امتداد أو تصغير للجزيرة العربية. وهي أقرب في الجيولوجيا والطبوغرافيا والمناخ والمائية والنبات إلى صحراء مصر، منها إلى الجزيرة العربية.
خذ الجيولوجيا أولاً. أن خليج العقبة استمرار لانكسار أخدود البحر الميت، كما يشير أو يثير لوران، إنما يمعن لا في فصل سيناء عن مصر ولكن في فصل سيناء بل ومصر جميعا عن شبه الجزيرة العربية عن الشام كليهما، وذلك بحسبان أن خليج العقبة بعمقه الخندقي العظيم، وليس خليج السويس الرصيفي الضحل، هو المسار الشرياني هنا للأخدود الأفريقي العظيم، ومن ثم «خط الاستواء الجيولوجي» الحقيقي بل الوحيد أصلا وأساسا داخل الكتلة العربية ـ النوبية الصلبة ككل.
والحقيقة أن الخطأ في اتباع سيناء جيولوجيا أو جغرافيا أو طبيعيا للجزيرة العربية دون مصر إنما ينبع من انكسار عام في الرؤية العلمية مثلما يذكر «بخداع أرسطو». فمصر والجزيرة كلتاهما كما رأينا نظائر جيولوجية على ضلعي الأخدود الأفريقي بعد أن كانتا أصلا وحدة جيولوجية واحدة في الكتلة العربية ـ النوبية الصلبة. فالتشابه الجيولوجي مشترك بين الجميع، سيناء ومصر والجزيرة. وسيناء في هذا هي العقدة الجيولوجية مثلما هي العقدة الجغرافية بين الجانبين، إلا أنها دائما أقرب جيولوجيا إلى صحراء مصر الشرقية.
وبهذا المعنى فإن السؤال «أفريقية أم آسيوية» محسوم علميا، ولا مبرر لحيرة أو لتناقض. فسيناء، على المستوى الطبيعي، أفريقية أكثر مما هي آسيوية، مصرية أكثر منها عربية. هذا على مستوى الجيولوجيا والجغرافيا والأرض، أما في التاريخ فتلك قصة أخرى وكل ما يمكن أن نقوله هنا هو أن مصر كما هي في أفريقيا بالجغرافيا فإنها في آسيا بالتاريخ. وفي هذا المفهوم فإن مصر تزداد آسيوية بالضرورة كلما اتجهنا شمالا بشرق، فالصحراء الشرقية أكثر آسيوية إلى حد ما من الغربية، وسيناء في النهاية لا تزيد آسيوية ولا تقل أفريقية عن مصر. إنها بكل بساطة جزء لا يتجزأ من مصر، كما تذهب تذهب.
وموقع سيناء البوابي هو مدخل مصر الشرقي والأول بلا نزاع. ولهذا كانت سيناء بعامة على اتصال مباشر ومتواتر عبر برزخ السويس مع وادي النيل. ومن ثم نجد معظم قبائلها العربية، التي تتكرر غالبا في فلسطين والجزيرة العربية، تمتد غربا إلى شرق الدلتا، وكان معظمها يعمل في حرفة التجارة والنقل وخدمة قوافل الحج.
في الاتجاه نفسه جاءت مأساة سيناء كأرض المعركة في الصراع العربي ـ الإسرائيلي لتزيد من عمق الارتباط مع، والانصهار في، مجتمع وادي النيل، ولتخفف من عزلة سيناء، بل ولتعدل نوعا ما من نمط حياتها الرعوي البدوي وتطبعه بالطابع المصري أكثر. فتهجير العديد من أبناء سيناء إلى قلب الدلتا أثناء العدوانات الإسرائيلية، وأقامتهم في القرى النيلية واختلاطهم بالفلاح المصري، علمهم الزراعة والاستقرار، وهذا بدوره انعكس على حياتهم في سيناء بعد العودة إليها.
على أن سيناء إذا كانت تقليديا أقل صحارينا عزلة، فإن هذا إنما يصدق على المستوى العام فقط، أما على المستوى التفصيلي فهو لا يصدق إلا على شمالها وحده. ونستطيع لهذا أن نميز بين نطاقين: نطاق اتصال يتفق مع المستطيل الشمالي، ومنطقة عزلة تتفق مع مثلث شبه الجزيرة الحقيقي. وسيناء بهذا تذكر، على نطاق مصغر جداً بالطبع، بشبه الجزيرة العربية حيث الهلال الخصيب شمالها طريق حي مطروق عارم بالعمران بينما الجزيرة العربية جيب هائل معزول على جانبه إلى الجنوب بين آسيا وأفريقيا.
فأما نطاق الاتصال فهو قطاع غزة، الذي يحمل كل طرق سيناء التاريخية بين الشرق والغرب. وهي طرق ثلاثة أساسا تتحدد في الواقع بمعالم السطح. فحول نطاق الكثبان الرملية في الشمال تدور الحركة وتتشعب إلى طريقين: واحد شمالها هو الطريق الساحلي، والآخر جنوبها هو الطريق الأوسط. ثم بين رأسي الخليجين يجري الطريق الثالث الجنوبي والأخير ليحمل طريق الحج إلى الأراضي المقدسة. أي أن الطريقين الأولين يؤديان إلى فلسطين والشام «طريق الشامات»، والأخير إلى الحجاز والجزيرة العربية «درب الحج».
والجغرافية التي تتمثل في مستطيل تلك الصحراء بأسرها. أنها، كما قلنا، تصغير مثلما هي امتداد للصحراء الشرقية. لكن سيناء، فضلاً عن ذلك، سيناء هي «المفصل charniere» أو العقدة الطبيعية التي تلحم أفريقيا بآسيا، ومصر عموما بالمشرق العربي مباشرة. بل أن فيها تجتمع مصر والشام والجزيرة العربية جيولوجياً وتضاريسياً. فالسهل الساحلي إنما هو استمرار لسهول فلسطين، والهضبة الوسطى امتداد مباشر لهضبة صحراء أو بادية الشام، أما كتلة الجبال الجنوبية فعقدة الالتحام المشتركة بين جبال حافتي الأخدود الانكساريتين في حوض النيل والجزيرة العربية.
ـ لمزيد من يمكن الاطلاع على كتاب جمال حمدان المهم «شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان» (الجزء الأول)، القاهرة: عالم الكتب، 1980.
سيناء هي العقدة الطبيعية التي تلحم إفريقيا بآسيا، ومصر عموماً بالمشرق العربي مباشرة، بل أن فيها تجتمع مصر والشام والجزيرة العربية. ومصر نفسها. وكما أنها أفريقية بالجغرافيا فإنها آسيوية بالتاريخ