حين كان جمال عبد الناصر في طريقه إلى مؤتمر القمة العربية في الخرطوم (بعد هزيمة الخامس من حزيران 1967) وكان رؤساء الدول العربية كلهم على موعد هناك إلا قلة قليلة منهم أبرزهم الرئيس بومدين الذي لم يكن بعد مقتنعاً بسياسة مؤتمرات القمة. ومع ذلك فإن مؤتمر الخرطوم حقق نجاحاً له قيمته في ظروفه. وربما كان أهم ما حدث في المؤتمر هو الاستقبال الذي لقيه جمال عبد الناصر في الخرطوم. فقد كان كثيرون في المنطقة والعالم يتابعونه باعتباره أول اختبار عملي للعلاقة بينه وبين جماهير الأمة العربية خارج مصر. أي خارج سلطة دولته.
وقد حدث بينما طائرة جمال عبد الناصر تقترب من أجواء الخرطوم ان قائد الطائرة كان على اتصال مع المطار، وقيل له إن الطائرة المقلة للملك فيصل ملك السعودية أمامه، ولكن تعليمات صدرت بأن تنزل طائرته هو ـ أي الطائرة المقلة للرئيس جمال عبد الناصر أولاً. وحين أبلغت هذه المعلومات لجمال عبد الناصر طلب إلى ضابط الاتصال بالطائرة أن يبلغ مطار الخرطوم أنه ما دامت طائرة الملك فيصل قد وصلت قبل طائرته فمن الأفضل السماح لها بالهبوط أولاً. وعاج برج مراقبة مطار الخرطوم يقول إن الطريق مفتوح لنزول طائرة الرئيس جمال عبد الناصر أولاً.
وبالفعل نزلت طائرة الرئيس جمال عبد الناصر أولاً وتمت مراسم استقباله بينما طائرة الملك فيصل تتأهب للهبوط على مدرج المطار. ولاحظ جمال عبد الناصر أن كلاً من السيد إسماعيل الأزهري ورئيس وزرائه السيد «محمد أحمد محجوب» يرجوانه في الانتظار حتى تهبط طائرة الملك فيصل ويقومان باستقباله، ثم يركب الاثنان (عبد الناصر وفيصل) معاً في موكب واحد عبر شوارع الخرطوم. وكان تعليق السيد محمد أحمد محجوب أن الجماهير السودانية سوف يطمئنها أن ترى عبد الناصر وفيصل في سيارة واحدة، كما أن ذلك سوف يثير حماسة شديدة لدى الجماهير تجعل الاستقبال لائقاً.
وفكر جمال عبد الناصر على عجل، ثم اعتذر عن هذا الاقتراح.
وكان الإلحاح لا يزال مستمراً عليه وطائرة الملك فيصل تلمس أرض المطار، وكان إصراره على رأيه قاطعاً. وحين أبدى له الأزهري أنه قد لا يستطيع أن يرافقه لضرورات البروتوكول، كان رد جمال عبد الناصر انه يتفهم، ويرجو الرئيس الأزهري أن ينتظر في المطار لاستقبال الملك فيصل، وأن يظل معه رئيس وزرائه. وهو يظن أن أي واحد من الإخوة الوزراء يكفي لمرافقته من المطار إلى محل إقامته.
واتجه إلى باب الخروج من المطار، وركب سيارته، وتحرك موكبه إلى شوارع الخرطوم.
وكانت شوارع الخرطوم شلالاً هادراً متدفقاً من البشر في انتظار رجل واحد.
كانت مظاهرة لم يشهد العالم العربي في تاريخه مشهداً يماثلها في صدقه وحرارته وعفويته وروح العزيمة والإصرار المتجسدة فيه، فقد كانت كتل الناس تتحرك مع الموكب في شوارع الخرطوم كأنها جبل بركاني ملتهب يتحرك في صورة أسطورية لم تخطر بخيال شاعر. كان جبل الجماهير يناديه بصوت واحد يردد اسمه ويعاهده على السير وراءه إلى ساحات النصر. وكان الأغرب من هذا أنه حين مر موكب الملك فيصل بعده، ومعه السيد إسماعيل الأزهري والسيد محمد أحمد محجوب، كانت الجماهير قد سارت هادرة وراء موكب جمال عبد الناصر إلى الفندق الذي نزل فيه. وحين لحقه موكب الملك فيصل كانت صيحة الناس له واحدة: «وراء جمال يا فيصل».
كان هذا الاستقبال حدث المؤتمر. وهو حدث العالم العربي وقتها. كما أنه كان الحدث الإعلامي الأول في العالم، فإذا صور الاستقبال هي الصفحة الأولى من كل جرائد أوروبا وأميركا، وإذا نفس الصورة هي غلاف كل مجلة صدرت فيما بعد ذلك الأسبوع، حتى أن مجلة «نيوزويك» الأميركية كتبت تحت صورة الغلاف ما معناه «إنها أول مرة يقابل فيها المهزوم بأكاليل الغار من جماهير أمته».

محمد حسنين هيكل، «حرب الثلاثين سنة»، القاهرة: مركز الأهرام للترجمة، 1990.