| 

شكل المشروع الصهيوني لإنشاء دولة يهودية على الأرض الفلسطينية خطراً على مصر أيضاً، وهذا ساهم في إنشاء أرضية مشتركة التقت فوقها الأهداف والمصالح المصرية والفلسطينية. ومع ذلك، فقد كان من الطبيعي أن تدرك مصر مخاطر هذا المشروع على نحو مختلف عن إدراك فلسطين لها. فقيام دولة يهودية على حدود مصر الشرقية، وارتباط هذه الدولة ارتباطاً عضوياً بالقوى المهيمنة في النظام الدولي، شكلا خطراً على أمن مصر الوطني واستقلالها، وهددا مصالحها في المشرق العربي، في حين أنهما كانا بالنسبة إلى فلسطين خطراً على الوجود ذاته وعلى المصير، وهددا الشعب والأرض والهوية. وقد أدى هذا التباين في الإدراك، تلقائياً، إلى تباين في السياسات والرؤى بشأن أسلوب التعامل مع هذا الخطر، وذلك بسبب حجم المصالح المعرضة للتهديد ونوعيتها ومستواها. فبالنسبة إلى فلسطين، مثَّل الصراع مع المشروع الصهيوني «مباراة صفرية» شكّل أي مكسب فيها بالنسبة إلى طرف خسارة صافية بالنسبة إلى الطرف الآخر. أما بالنسبة إلى مصر، فكان من الممكن، نظرياً على الأقل، تصور إمكان التوصل إلى تسوية ما لأن الصراع المصري ـ الصهيوني ليس بالضرورة من نوع «المباريات الصفرية». ولذلك، يلاحظ أن علاقة مصر بالسلطة الفلسطينية كانت تقوى دائماً وتزداد تلاحماً كلما ازداد الصراع بين مصر والمشروع الصهيوني سخونة واشتعالاً، والعكس صحيح.
حتى حرب سنة 1948، كانت الأهداف والمصالح المصرية والفلسطينية، ولا سيما بعد اندلاع الثورة الفلسطينية الكبرى سنة 1936، تتجه نحو التلاقي إلى حد التطابق الكامل من أجل تحقيق الهدف المشترك، وهو الحيلولة بكل الوسائل الممكنة دون قيام دولة يهودية مستقلة في فلسطين. ومن أجل تحقيق هذا الهدف، شاركت قوات مصر الشعبية في جيش الإنقاذ، ثم شاركت قوات مصر الرسمية في حرب سنة 1948.
غير أن هزيمة سنة 1948 أدت إلى ظهور عاملين جديدين كانت لهما تأثيرات مستقبلية بعيدة المدى في علاقة مصر بالسلطة بفلسطين: الأول هو أن إسرائيل أصبحت أمراً واقعاً، ودولة يعترف العالم بها بعد القبول بها عضواً في الأمم المتحدة وترتبط مصر معها باتفاق هدنة أُبرم سنة 1949؛ والعامل الآخر هو غياب مرجعية مؤسسية فلسطينية تعبّر عن الشعب الفلسطيني كله وتتحدث باسمه، وخصوصاً بعد إقدام إمارة شرق الأردن على ضم الضفة الغربية إليها وإعلان قيام المملكة الأردنية الهاشمية، وخضوع قطاع غزة للإدارة المصرية لكن من دون ضمه إلى مصر. وفي ظل غياب هذه المرجعية الفلسطينية، أصبحت العلاقات المصرية ـ الفلسطينية، وخصوصاً منذ فشل مشروع «حكومة عموم فلسطين» حتى قيام منظمة التحرير الفلسطينية سنة 1964، جزءاً من كل أوسع هو العلاقات المصرية ـ العربية.
وعلى الرغم من أن الوثائق التاريخية تشير إلى أن مصر كانت مستعدة، نظرياً على الأقل، ولا سيما خلال فترة 1949 ـ 1950، لأن تقبل بتسوية سياسية مع إسرائيل، فإن العلاقات المصرية ـ الفلسطينية لم تشهد حتى سنة 1967 توترات حادة، وذلك لسببين: الأول، رفض إسرائيل رفضاً باتاً شرطي التسوية المصرية، وهما وضع النقب تحت السيطرة العربية ضماناً للتواصل الجغرافي بين مصر والمشرق العربي، وتطبيق قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 لسنة 1948 الخاص باللاجئين الفلسطينيين على أساس العودة و/او التعويض. والسبب الآخر هو دخول العلاقات المصرية ـ الإسرائيلية مرحلة تصعيد جديد، وخصوصاً بعد اشتراك إسرائيل مع بريطانيا وفرنسا في مؤامرة العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956، وهو الأمر الذي أدى إلى تطابق المصالح والأهداف المصرية والفلسطينية مرة أخرى.
الواقع أن مصر، وفي العهود كلها، حددت الكثير من مواقفها تجاه القضية الفلسطينية عامة، من منظور تأثير هذه القضية في دور مصر الإقليمي وفي مصالح مصر في العالم العربي ككل، وفي المشرق العربي تحديداً. وكان بين الدوافع التي حدت مصر على دخول حرب سنة 1948 للحيلولة دون قيام دولة يهودية على حدود مصر الشرقية، إدراكها أن مثل هذه الدولة يمكن أن يشكل حاجزاً جغرافياً يحول دون اتصال مصر بالمشرق العربي، وحاجزاً سياسياً يمكن أن يؤدي إلى إضعاف (إن لم يكن إلى تهديد) دور مصر الإقليمي في العالم العربي ككل، وحاجزاً اقتصادياً يضر بمصالح مصر الاقتصادية في العالم العربي. ولا يزال هذا الإدراك عميقاً لدى النخبة المصرية، على الرغم من حدوث تغير في إدراك هذه النخبة على صعيد أسلوب إدارة الصراع مع إسرائيل.
ويلاحظ أيضاً أن مصر أظهرت خلال المرحلة الأولى لاستكشاف إمكان التوصل إلى تسوية مصرية ـ إسرائيلية (1949 ـ 1955)، سواء في عهد الملك فاروق أو في عهد عبد الناصر، أصرارها على أنه لا بد لأية تسوية من أن تتضمن تخلي إسرائيل عن منطقة النقب ووضعها تحت السيادة العربية، المصرية أو الأردنية، ضماناً لاتصال مصر بالمشرق العربي جغرافياً.
ولأن مصر كانت تتصور لنفسها دوراً إقليمياً، بوصفها الدولة المؤهلة طبيعياً لقيادة العالم العربي، فقد كان لها على الدوام موقف معارض لأي تحالفات أو تجمعات أو تجارب وحدوية موجهة نحو تقليص نفوذها في العالم العربي أو لا تكون طرفاً فيها. ومن هذا المنطلق، عارضت مصر مشروعي سورية الكبرى والهلال الخصيب، وجميع المشاريع الوحدوية التي كانت تقودها الأسرة الهاشمية في المنطقة، وكانت فلسطين جزءاً منها. وبعد هزيمة سنة 1948، اعترضت مصر بشدة على قيام الأردن بضم الضفة الغربية إليه، ثم خشيت أن تؤدي الاتصالات الأردنية ـ الإسرائيلية، التي كانت تجري سراً في أثناء الحرب وبعدها، إلى قيام علاقة خاصة بين الأردن وإسرائيل تكون موجهة ضد مصر في الأساس. ولذلك، سارعت مصر إلى محاولة قطع الطريق على الأردن، وتقدمت بمشروع القرار الشهير الخاص بقومية القضية الفلسطينية إلى مجلس جامعة الدول العربية سنة 1950، وهو القرار الذي حرّم أن تقوم أية دولة عربية، بمفردها، بالتشاور أو بإجراء مفاوضات أو توقيع أية اتفاقات مع إسرائيل، وفرض على الدول الأعضاء في الجامعة مقاطعة أية دولة عربية تقدم على مثل هذه التصرفات، واعتبارها مفصولة من الجامعة. وقد ترسخت هذه السياسة كثيراً واستقرت بديهية أو مسلمة في ظل زعامة مصر الناصرية للعالم العربي، ولا سيما خلال الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين.
* حسن نافعة رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة القاهرة.
ـ لمزيد من التفصيلات انظر: حسن نافعة، «العلاقة المصرية ـ الفلسطينية: رؤية تحليلية»، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 29، شتاء 1997.