| 

كتب عزمي بشارة مبكراً لينبّه إلى الفارق بين المجتمع المدني والمجتمع الأهلي، ولاحظ أن المجتمع المدني هو المجتمع البرجوازي. وكان هذا التفريق ضرورياً للاحتراس من تسلل منظمات غير حكومية لها جداول أعمال (أجندات) أجنبية، ومن آثار ذلك في السياسة المحلية وفي الثقافة الوطنية.
وفي ما يلي مقتطفات مما كتبه عزمي بشارة ولا سيما في كتابه «المجتمع المدني» (مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت: 1998).
كانت المنظمات غير الحكومية في الماضي خيرية. وكان أبناء الطبقات الميسورة يحتلون قياداتها كنوع من المنزلة الاجتماعية، وأيضاً كنوع من تأكيد الرابطة الأهلية (Communal Ties) التي تربط المجتمع بعضه ببعضه الآخر في غياب منظومة واضحة من الحقوق والواجبات، وفي غياب سياسة رفاه اجتماعي رغم انقسام المجتمع إلى طبقات بالمعنى الاقتصادي الحديث للطبقة. أما المنظمات غير الحكومية المعاصرة فيشغل قياداتها أبناء الطبقة الوسطى العليا والدنيا وتطمح إلى تجاوز العمل الخيري باتجاه التأثير في سياسات الدولة في مجالات جزئية.
ويعارض هذا التوجه الذي أود أن أسميه التوجه الاتحادي الشكلاني للمجتمع المدني، بالرأي القائل ان ازدياد استخدام المثقفين العرب لمفهوم المجتمع المدني راجع إلى الحاجة لوضع أداة إيديولوجية جديدة، بيد خطاب التحديث الفاشل في الوطن العربي في مواجهة الخطاب الإسلامي. ليس الهدف إذاً فهماً أفضل لآليات تطور المجتمع المدني، وإنما أداة في مكافحة المد الإسلامي. والدليل على ذلك هو إقصاء البنى التقليدية الأهلية من تعريفات المجتمع المدني المنتشرة. ولا يخلو هذا الرأي من الصحة، ولكن علينا ألا ننسى أن ما يحاول فضحه من طواعية يبديها مصطلح المجتمع المدني في خدمة أغراض إيديولوجية لا يقتصر عليه، فهذه حال قسم كبير من مفاهيم العلوم الاجتماعية، التي تتضمن جانباً أداتياً إيديولوجياً. ولكن هذا الرأي نفسه يخطئ خطأ فادحاً إذ يتجاهل حداثة المد الإسلامي، الذي سخرت هذه الأداة لمواجهته، ويعتبره جزءاً من عملية إحياء البنى التقليدية الأهلية، هذا إضافة لتجاهل التغيير الجذري في الوظيفة الاجتماعية والسياسية للبنى التي يعاد إحياؤها في ظروف تمايز الدولة والمجتمع ضمن وحدتهما في حداثتنا المشوهة.
ويخلط البعض بين المصطلحات «مدني» وما قبل سياسي ليكون باستطاعته أن يدعي فيما بعد، أن البنى الاجتماعية «ما قبل الدولة»، مثل العشيرة، بقيمها التكافلية وعصبيتها، تشكل جزءاً من المجتمع المدني الذي يبقى بعد تأسيس الدولة. وبحسب هذا الرأي لا يختلف المجتمع المدني عن الدولة بمجرد أنه يطرح سياسة ديموقراطية أخرى، وإنما بتجسيده لأنماط مختلفة من علاقات الأفراد ليس كمواطنين بل كمنتجين لحياتهم المادية، ومعتقداتهم ومقدساتهم ورموزهم.
إن التضحية بالفرق النظري بين المجتمع المدني وما قبل السياسي والأهلي (Community) يعني عدم قدرة هذه المفاهيم على «أن تصنع فرقاً» (to Make Difference) تحليلياً وإيديولوجياً أيضاً. وإذا كانت البنى العضوية تلعب دوراً مهماً في المجتمعات العربية، وهي تقوم بذلك قطعاً، فإنها تلعب هذا الدور دون الحاجة إلى تسمية «المجتمع المدني»، وهو مفهوم ينتمي إلى سياق مختلف تماماً عن علاقة الدولة ـ المجتمع ـ الفرد. وهو سياق لا يفترض وجود الدولة فحسب (بل كان هو الدولة عند توماس هوبز)، بل يفترض درجة تطور تاريخي تسمح بتخيل علاقة الفرد ـ المجتمع ـ الدولة.
يوضع المجتمع المدني في هذه الحالة مقابل البنى الجمعية، الأمر الذي يعيد إلى الأذهان تمييزات أصحاب العقد الاجتماعي. والسؤال هو: أي القيم تحقق في النهاية هيمنة اجتماعية، قيم المدينة أم قيم البداوة؟ وفي الحقيقة بالإمكان تخيل مجتمع مدني يتضمن كل هذه القيم، ولكنه مع ذلك يعيد إنتاج نفسه كمجتمع مدني، ما دامت الهياكل الطوعية التعاقدية الاتحادية تحترم في الحيز العام من قبل الدولة ومن قبل القوى السياسية والاجتماعية الفاعلة فيه، وكذلك من قبل الأفراد طوعاً أو بفعل سيادة القانون. وقد يتشكل المجتمع المدني من خلال حوار وصراع بين البنى الجمعية لدفعها تدريجياً إلى الحيز الخاص والبنى الحداثية في الحيز العام. وقيم المدينة ليست بالضرورة ديموقراطية، قد تكون أيضاً توتاليتارية في أسوأ حالاتها، وقد تكون بنى محافظة تعوض من القرية المفقودة، كما لا تقود فردية المدينة إلى الديموقراطية ضرورة، بل قد تقود إلى تذرير العلاقة مع الأمة، ثم إلى علاقة مباشرة معها دون وساطة البنى الاجتماعية المحطمة، محولاً الأمة بالتالي إلى نوع من بنية جمعية عامة ومجردة (فاشية) لا تقل قمعية عن البنى التقليدية، ولكن تقل عنها حميمية.
وكما قد تقود المقابلة المطلقة بين المجتمع والدولة إلى مواقف متخلفة معادية للسياسة وإلى تقديس التخلف والولاءات الصغيرة من ناحية، والسوق الرأسمالية التابعة ضد التنمية من ناحية أخرى، كذلك قد تقود المقابلة المطلقة بين المجتمع المدني والبنى الجمعية إلى توتاليتارية الأمة أو المجتمع المجرد على حساب الانتماءات والولاءات الصغيرة.
إذا كان المجتمع المدني مجال المؤسسات الوسيطة وليس فقط مجال المؤسسات التعاقدية للأفراد مقابل «علاقاتهم الطبيعية»، فإنه من الضروري الإصرار على أهمية كافة البنى الوسيطة: المؤسسات الأهلية والحركات والمنظمات (من الكنائس وحتى الأحزاب السياسية ومؤسسات الدعم المتبادل) كلها ذات أهمية كامنة. ومع أن النزعة القومية تميل إلى إدانتها كجزئية بحكم التعريف، فإن هذه الجزئية تحديداً هي أفضليتها، لأنه في مثل هذه الوحدات الاجتماعية الجزئية يجد الناس القدرة للتعبير عن صوت جماعي، كما يجدون إمكانية نسج العلاقات الشخصية المباشرة والمتميزة.