| 

عدسة: هيفاء رملي
مسحت أم مروان الصورة باهتمام بالغ وحذر، ثم ما لبثت أن أدنتها منها: «أريد أن اشمّ رائحة بحر عكا».
أخفت السيدة السبعينية غصة تمتد لأكثر من نصف قرن، لكنها لم تقدر على المقاومة، فذهبت في البكاء. «الله يخسف اليهود». قالت، ومضت تتأمل الصور: «هنا، بيت جدي، وهنا البلدة القديمة، خان الشونة وسبيل الطاسات الذي يقع في أسفل مسجد الجزار. سُمي بالطاسات لأن الناس كانت تشرب منه بطاسات من المرمر.. وكان الماء الجاري يأتي من ينابيع الكابري».
في صورة أخرى: «البرج البني وكنيسة اللاتين الواقعة في خان الافرنج... مئذنة جامع الجزار.. وهذا مسجد الميناء.. وهناك برج الساعة فوق خان العمدان».
هكذا.. تستعيد أم مروان التفصيلات: «السور.. سجن عكا.. الاحتلال البريطاني اعتقل وأعدم كثيراً من المجاهدين هنا في ثورة 1936». «بلادنا أجمل بلاد العالم.. يا رب أرجع وأشوفها، واشم ريحة ترابها.. والله بموت لمّا شوف علم إسرائيل فوق أرضنا..».

قبعة بونابرت
يتأمل البحر الأزرق عكا، ويبتسم، كاتماً في سره غيرةً من مدينة لم تعرف الهدوء قط.
هو البحر الذي يحيط بها، أم هي التي منحته شيئاً من عبق البخور والزعفران، وتاريخاً صاخباً، حلّ في الصدارة، وأحداث التاريخ.
لم تخرج عكا من «أسوار الحكاية»، وهي التي ضحكت انتصاراً من نابليون بونابرت، بعد أن رمى قبعته فوق أسوارها، قبل أن يرحل بعيداً عنها، جاراً أذيال الهزيمة والخيبة: «على الأقل، مرت قبعتي من فوق أسوارك يا عكا... تحطمت أحلامي على أسوارك يا عكا، سلامٌ عليكِ... سلامٌ لا لقاء بعده».
وتستعيد أم مروان الحكاية بفخر، كما سمعتها عن والدها الذي نقلها بدوره عن والده: بعد قتال استمر 22 ساعة، وفي الساعة الواحدة وأربعين دقيقة من بعد منتصف ليل 18 أيار، وقّع محمد عبده وأحمد طيبان ومعهم بقية أعضاء البلدية وثيقة الاستسلام. وفي ساعات الصباح الباكر فتح عرب عكا بوابات البلدة القديمة».

مفتاح فلسطين
أطلق على عكا «مفتاح فلسطين» لموقعها الاستراتيجي، حيث يسجل التاريخ أنها برزت إلى واجهة المشهد كميناء كنعاني، وأسموها «عكو» أي الرمل الحار. وعرفت بصناعة الزجاج والأصبغة الأرجوانية الملوكية.
تنقسم المدينة الحالية الى: «المدينة الجديدة» التي شُيّدت لتستقبل المهاجرين اليهود الجدد. و«البلدة القديمة» التي قطن فيها نحو خمسة آلاف عربي، إضافة إلى أقلية مسيحية، وبعض جماعات من المعمدانيين والدروز.
يحجّ أبناء الطائفة البهائية إلى المدينة، لأنها تضم في جوارها قبر مؤسس ديانتهم «بهاء الله»، في «البهجة». ويعد هذا المكان من أهم الأماكن البهائية قدسية إلى جانب المعبد الموجود في أعالي الكرمل.

حمص وفول
في الليل، تعود عكا القديمة «فلسطينية مئة في المئة»، هكذا يقول أحد الأشخاص الذي زارها أخيراً، مشيراً إلى أن اليهود يقصدونها من كل حدب وصوب، خصوصاً في يوم السبت، لتناول الحمص والفول والهريسة.
ولا ينسى الزائر سوقها الشعبية، متذكراً كيف توقف طويلاً أمام بائع البهارات، وهو يشمّ روائح الكزبرة والسمّاق والزعتر والزعفران والفلفل والبخور... ويطلق ضحكة خجولة، عندما يتذكر: «المقويات الجنسية الطبيعية، وأعشاب تخفيف الوزن».

اقعدوا خيّا
تقف أم مروان، بعد أن هدّتها الذكريات، تتكئ على عصاها، تجول في أطراف بيتها، من دون سبب واضح. تعاود النظر في الصور القديمة وترسم ابتسامة عندما تشاهد صورة العرس العكاوي، وذاك الفتى الممتطي الفرس، ماراً بالأزقة بانتظار أن يرى عروسه، ليشرعا في تكوين أسرة تولد وتكبر وتشيخ في عكا.
نهمّ بالمغادرة.. تسارع أم مروان للقول بلهجتها: «اقعدوا خيّا...».