| 

ألهمت القدس، بموقعها ومكانتها الدينية وبعدها التاريخي، الكثير من الأديان والشعوب لكنها، في جغرافيتها وطبيعة أهلها كانت واحدة فريدة لا تتغير. وعلى الرغم من أن أول ذكر محفوظ لها في التاريخ كان في رسائل تل العمارنة في القرن الرابع عشر قبل الميلاد ويحفظ لها أصلها العربي باسم ملكها عبد حبا، وكانت في ذلك العهد مدينة كنعانية حصينة ومهمة. وبعد ذلك جاء العهد اليبوسي العربي الذي أعطاها أيضا اسمها الجديد يبوس. وتصف الكتب الدينية اليهودية احتلال داوود ليبوس وقيام ابنه سليمان ببناء الهيكل الأول. ولم تعثر الأبحاث الأركيولوجية أبدا على أي دليل على وجود مملكة داوود أو هيكل سليمان. ومع ذلك فإن الأسطورة اليهودية منحت للمدينة تاريخا مختلفا ومختلقا.
ولم تقف الأسطورة عند بناء هيكل أو إنشاء مدينة بل تعدتها لتخلق لهذه المدينة تاريخاً آخر جعل منها من دون دليل مركزا لحياة اليهود الأقدمين وموضع توق وحنين ليهود الشتات. لكن التاريخ لا يشير إلا لفترة زمنية محدودة من التاريخ اليهودي في العهد الفارسي سرعان ما تحطمت على يد الاسكندر المقدوني ثم على ايدي الرومان. وفي جميع الأحوال كانت القدس مدينة صغيرة مقارنة بالمدن الأخرى، لكنها خلافا للأخريات اتسمت بقداسة أضفتها عليها الأديان لاعتبارات مختلفة.
وعندما يتعلق الأمر بالدين والمعتقدات فإن الناس يتحفظون في العادة عن المجابهة بالوقائع وتميلون إلى الالتفاف. وفي جميع الأحوال فإن هذه المعتقدات سرعان ما تحولت في الحركة الصهيونية إلى أدوات في الصراع على الهيمنة مثلما كانت الحال في الماضي إبان الحروب الصليبية.
غدت القدس موضع صراع متجدد في العصر الحديث مع ضعف الدولة العثمانية وطمع القوى الاستعمارية صغيرتها وكبيرتها في اقتسام تركتها. ويمكن القول إن المعركة على القدس بدأت بتسمية الحركة الاستعمارية اليهودية نفسها بالصهيونية على اسم جبل في المدينة في إشارة للرابطة الأسطورية.
ولعب وعد بلفور دورا محوريا في تعزيز المطامع اليهودية في القدس بعد أن أقر هذا الوعد بحق اليهود في وطن قومي في فلسطين. وشكلت القدس أحد أهم تجليات هذه المطامع بعد الاحتلال البريطاني لفلسطين وفرض الانتداب عليها وتحديد مقر المندوب السامي ومراكز الحكم فيها.
لكن ما إن تحولت المطامع الصهيونية إلى وقائع حتى تدخلت عناصر أخرى في تحديد مصير مدينة القدس. وأشار قرار التقسيم الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1947 إلى وضعية خاصة للقدس. لكن حرب 48 انتهت بتقسيم القدس فعليا بين شرقية وغـــربية وهــو ما غدا تعبيرا سياسيا جغرافيا يفصل بين السيطرة العربية في المدينة والسيطرة اليهودية. وكانت حكومة إسرائيل أول من أعلن في الخامس من كانون الأول 1949 عن أن القدس عاصمة لدولة إسرائيل. وبقيت القدس على هذه الحال حتى العام 1967 عندما احتلتها إسرائيل وأعلنت توحيدها. ومنذ ذلك الحين اتخذت الأمور وجهة أخرى تلخصت في تنفيذ مخططات واسعة لتهويد المدينة من جهة وإفراغها من سكانها العرب من جهة أخرى.

قلب الصراع
ما إن احتل الجيش الإسرائيلي القدس الشرقية في حرب 1967 حتى نادى بعض القادة بإلغاء الطابع العربي لها بل بإعلان يهوديتها. ومن المعروف أن الحاخام الأكبر للجيش الإسرائيلي إبان تلك الحرب، شلـــومو غورين، طلب من قائد الجبهة الوسطى عوزي نركيس ووزير الدفاع موشيه ديان تدمير المسجد الأقصى. لكن القيادة الإسرائيلية رفضت حينها هذا الطلب. إلا أن مساعي السيطرة على الحرم القدسي لم تتوقف لكنها اتخــذت طابعـــا تدريجــيا. فبعــد إعلان توحـــيد المدينة جـــرت عملـــية تطهـــير منطـــقة باب الأســـباط من سكانها العرب ليقام عليها الحي اليهودي. وتم هدم الكثير من البيوت العربية قرب حائط البراق لتوسيع باحة حائط المبكى.
بدت الأمور مع مرور الوقت أبعد من مجرد السيطرة على حي في القدس الشرقية أو حتى السيطرة على البلدة القديمة بأسرها. وبحسب المعطيات فإن القدس الشرقية تحت الحكم الأردني كانت تغطي 6000 دونم فقط فيما كانت القدس الغربية تمتد على مساحة 38 ألف دونم. لكن فور توحيدها أعدت السلطات الإسرائيلية خطة هيكلية أضافت بموجبها إلى حدود المدينة الموحدة ما يقرب من 70 ألف دونم من أراضي الضفة الغربية التابعة لـ 28 قرية بعضها يتبع بيت لحم وبيت جالا.
وكان الهدف واضحا، السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي العربية وضـــمها إلى القدس الموحدة إسرائيليا ما جعلها المدينة الأكبر في إسرائيل. وأشار معلقون في حينه إلى أن المخطط الإسرائيلي غير الواقعي للقدس لم يقتصر على هذه السيطرة بل تعداه للاستيلاء على أراض أوسع تصل إلى حدود بير زيت. فكل ما كان يعني إسرائيل هو إحداث أكبر قدر ممكن من التوسع في حدود المدينة شـــرقا من ناحـــية والزج بأكبر قدر ممكن من المستوطنين فيها من ناحية أخرى. وكانت المهمة الأولى هي خلق أغلبية يهودية الأمر الذي استدعى إجراءات لتقليص عدد السكان الفلسطينيين في الحدود الجديدة لمدينة القدس.
وتكفي نظرة واحدة إلى الحدود البلدية لمدينة القدس الموحدة إسرائيليا لاكتشاف الطابع التهويدي. فمثلا من أجل الاحتفاظ بمطار قلنديا كمطار للقدس تم ضم الطريق المؤدي إليـــه ومساحة قليلة من الأرض المحيطة وتجنب ضـــم مناطق مأهولة فلسطينيا لتجنب الخطر الديموغرافي، كما جرى عند الاستيلاء على أراض قرى مثل بيت إكسا والبيرة والجيب وبير نبالا.
وكحال الفلسطينيين في جميع المناطق المحتلة لم تتعامل إسرائيل مع سكان القدس بصفة «مواطنين» بل تعاملت معهم على أنهم «مقيمون». ومن الوجهة القانونية رأت إسرائيل أن من حقها منع التصريح بالإقامة وقتما تشاء. وليس صدفة أنها اليوم بشكل رسمي تعلن سحب الإقامة من نواب «حماس» في المجلس التشريعي الفلسطيني. فالإقامة في القدس مثلت لدى الإسرائيليين امتيازا يمنحونه ويحجبونه وقتما يشاؤون، ما يجعلهم يعتبرونه منة وليس حقا للفلسطيني المقيم على أرضه.
والأدهى أن مخطط إجبار أهالي القدس على البحث عن أماكن سكن خارج حدودها البلدية ترافق مع مخطط آخر تمثل في فرض شروط على هؤلاء للمحافظة على «هويتهم الزرقاء» التي تكفل لهم حق الإقامة في القدس. ومن أجل تقليص عدد العرب في القدس قامت وزارة الداخلية الإسرائيلية بسحب حق الإقامة ممن انتقل إلى خارج القدس. واعتبرت أن غياب المقدسي عن السكن الدائم في القدس الشرقية لسبع سنوات يعني فقدانه حق الإقامة الثابتة فيها. وفرضت إسرائيل قواعد متشددة للم شمل العائلات أو تسجيل الأولاد في شرقي القدس، وبات من شبه المستحيل تسجيل زواج بين فردين أحدهما من القدس والآخر من الضفة الغربية. وشكلت هذه الوسائل غطاء لما بات يعرف بـ«الترانسفير الهادئ».
ومارست السلطات الإسرائيلية تمييزا فاضحا ضد السكان العرب لإجبارهم على الرحيل. وبين أبرز الأساليب التي اتبعت فرض ضريبة عقارية عالية في الأحياء العربية والحيلولة دون وضع مخططات هيكلية لتوسيع الأحياء بحيث تغطي حاجات النمو الطبيعي. وتشددت في منع «البناء غير المشروع» الأمر الذي جعل الهدم في الأحياء العربية مظهرا يتفوق على البناء. فقد سبق واستولت على الأرض التي كانت تشكل المجال الحيوي لتمدد الأحياء العربية وأقامت فيها مستوطنات هائلة تحت اسم «أحياء يهودية». بل انها دخلت في إطار التهويد إلى داخل الأحياء العربية لتقيم فيها «أحياء يهودية». وهذا ما نسمعه يوميا عن مخططات استيطانية في البلدة القديمة وفي الشيخ جراح وسلوان وغيرها. وأضيف إلى ذلك كله استخدام «قانون أملاك الغائبين» للاستيلاء على الأراضي في القدس حتى لو كان مالكوها من سكان الضفة الغربية أو أسقطت عنهم مكانة المقيم الدائم.
وعلى الرغم من أن ذرائــع إنشاء الجدار الفاصل كانت أمنية إلا أن النزعة الصهيونيــة بقيت على حالها: ضم أكبر قدر ممكن من الأرض بأقل قدر مــمكن من السكان العرب ما جعل القدس أكثر من غيرهـــا لوحة فريدة في غرابة تعرج الجدار حولها. فقد امتد الجدار تـــقريبا على مسافة 100 كيلو متر ليضم مستوطنات مثل معاليه أدوميم وليبعد قرى مثل بير نبالا وبيت حنينا. وأدى إنشاء الجدار إلى خلق فاصل طبيعي وقانوني وجغرافي بين الفلسطينيين في القدس البالغ عددهم نحو 230 ألفاً ومحيطهم الطبيعي في بيت لحم ورام الله وأريحا. كما أن هذا الجدار فصل القرى الفلسطينية عن مركزها الاقتصادي والثقافي مثلما فصل سكان الضفة الغربية عن مركزهم الروحي والسياسي. وصــار مطلوبا ممن يريد الوصول إلى القدس التــسلح بتصريح خــاص حتــى للصلاة في الحرم القدسي أو تلقي العلاج في المستــشفيات هناك.