| 

أعلن الطيار أننا نحلّق فوق قبرص وأن الطائرة ستهبط بعد عشرين دقيقة تقريباً. هل سأشاهد مدينتي بأم العين؟ عاينت موظفة من الشرطة جواز سفري من دون أن تتوقف عند «مكان الولادة: حيفا (فلسطين)».
كنت في دياري لكن ليس في مدينتي. عقدت النية على اكتشاف حيفا عند طلوع النهار وتمضية الليلة هذه في القدس.
ولدت في مرفأ مبني على شكل مدرج في حمى أحد الرؤوس. مدينتي معروفة بطيبة أهلها وجمال خليجها الرملي وارتفاع درجة ملوحة مائه. «ماء مالحة ووجوه كالحة»، هكذا كان الحساد يشتمون المدينة وأهلها.
لكني أنا الذاهب للقاء مدينتي هذا الصباح، لم أتذكر إلا لطف أهلي الذين غابوا عنها منذ خمسين سنة.
«عندما رحلنا، لم نكن نملك إلا الثياب التي نرتديها». هكذا تبدأ قصص البلاد المفقودة. مناجيات حزينة تنفتح على الغياب وتنغلق عليه.
«وأنت تصعد من يافا جنوباً إلى مدينتنا شمالاً... تذكر جيداً... ذات يوم ستعبر هذه الطريق وعليك ألا تتوه وتبدو مثل غريب ينزل في بلاد لا يعرفها... وأنت تصعد من يافا جنوباً إلى مدينتنا شمالاً... تسير بمحاذاة قرية سلاّمة على يمينك... فيها يرقد أحد الصحابة وهي معروفة بقبة محرابها... تحيط بها حقول القمح والشوفان وبساتين الموز والبرتقال...
«سقطت القرية في 30 نيسان 1948. وعندما زار بن غوريون الموقع، دوّن في يومياته أنه لم يبق فيها إلا «امرأة مسنة عمياء».
بعد سلامة ستمر بمسعودية ثم بجريشة فجمّاسين و... «ذات يوم ستعبر هذه الطريق. احفظ، احفظ الأسماء. لا تقلق إذا لم تجد أثراً للقرى التي دمّرت تماماً. لا تقلق، القرى ستراك، هي لا تزال هناك فالأرض معاندة»: سواطه، أبو كشك، إجليل، سيدنا علي، الحرم، قيصرية، الطنطورة، كفرلام، صرفند، عتليت، المزار، الدامون...
حيفا...
«أشتاق إلى حيفا. هناك الجميع يعرفني...».
جلت مرتين في شارعنا ولم أجد بيتنا. كنت حفظت أدق تفاصيله لكن كل شيء بدا لي أصغر مما تصورته. توجهت إلى أحد الأفران:
- هل تعرف أين يقع منزل وديع صنبر؟
لأول مرة في حياتي، لأول مرة أستعلم عن بيت أبي. وفجأة دوّى اسمه، اسمي، منفصلاً عني. صار موجوداً لذاته.
قرعت بابنا وفي غضون ثانية توقعت بلهفة مجنونة أن يُفتح الباب على وجه أعرفه. فأجابني صوت بالعربية:
- أيوه، أيوه، مَن القارع؟
- وُلدت في هذا المنزل وأود زيارته. فُتح الباب واستقبلتني امرأة عجوز ترتدي وزرة الجلي.
- أنت إذاً من يرسل كل هؤلاء الناس؟(*)
- نعم.
- نحن فلسطينيون من قرية فسوطة و...
- لديّ صديق من فسوطة يدعى أنطون شماس، هل تعرفينه؟
- ... ونسكن البيت منذ بضع سنوات. على أية حال، ندفع الإيجار إلى إدارة أملاك الغائبين.
- لا تقلقي. لم آت لأسترد البيت. أريد فقط أن أزوره.
- أنا وحدي والطقس بارد. لم أمتلك القوة لأرتدي ملابسي. لكن ادخل. ادخل. هذا أنت إذاً... أنظر في أي حال البيت. انظر... السقف ينش لكن ليس لدينا الحق في إصلاحه كما تعرف، يقولون إن عليهم أن يصونوا منازلكم حتى رجوعكم لتجدوها بالضبط كما تركتموها. عليكم إذن أن «تشكروهم» على ذلك... الجو ممطر سأشعل الضوء. هكذا تستطيع أن تراه بشكل أفضل.
- لا، لا عليك، لا تزعجي نفسك.
كانت المرأة المسنّة أقفلت كل مصاريع البيت لظنها أن ذلك يحد من البرد...
- لا عليك، لا تزعجي نفسك.
وفتحتُ كل المصاريع الواحد تلو الآخر.
لم أزر بيتنا حقاً ولم أبق فيه إلا قليلاً من الوقت.
الوقت لأقوم بجولة عابرة في الغرف؛ لأراقب بعيني النقوشات المزهرة على البلاط، لأعاين الكوة الصغيرة التي كانت تمرر منها الأطباق من المطبخ إلى غرفة الطعام، لألاحظ أن صور أجدادي لم تكن معلقة على جانبي النافذة الكبيرة في الصالون، لأتخيل الكنبتين المصنوعتين من المخمل الأخضر عند المدخل، لأسمع أمي تصرخ بالأولاد وتنبّههم ألا يقتربوا من حافة البئر، لأتنشق روائح طعام أيام الآحاد، لأرى أبي مجدداً عبر شق النافذة يبتسم لأحد المصورين الموجودين في الحديقة، لأخرج إلى الشرفة وأتأمل جمال الرأس الداخل في البحر، لأرى قبالة منزلنا بناية عمي حبيب وأتذكر أنه كان مولعاً بالشعر وأنه لدى ولادتي أهداني قصيدة، لأنظر إلى البحر والمرفأ وأرى والدي ينزل عند كل صباح الأدراج القليلة المؤدية إلى الحديقة ويفتح البوابة الحديدية الصغيرة التي تحدث صريراً ويحيّي السمان المجاور ويتجه يميناً حتى آخر الشاعر فيقرع نافذة أخته: «وديع هذا أنت خيّا، أهلاً أهلاً أدخل لنشرب فنجان قهوة».
لم أزر بيتنا حقاً ولم أبق فيه إلا قليلاً من الوقت، ومع ذلك لم أكن مستعجلاً ولم يداهمني الوقت.
- حسناً، أشكرك، الآن سأمضي، لكني وجدت غرفة مقفلة وكان بودي زيارتها هي أيضاً.
- آه نعم، الغرفة في آخر الرواق... أعذرني إنها غرفة ابني طوني. يضع أغراضه فيها ويقفل عليها وهو ليس هنا، اعذرنا.
- أغراض؟
- نعم، أشياء تخص عمله...
- لكن ما هذا الابن الذي لا يثق بأمه؟
- أنت شكلك صاحب نكتة. أنت إذاً من يرسل كل هؤلاء...
- نعم، نعم، نعم، أنا من يرسل...
ورحلت.
بعد عام من عودتي من فلسطين، وجدت رسالة في بريدي الخاص. المرسلة امرأة فرنسية لا أعرفها. وهذا هو نص الرسالة:
سيدي
لا أعرف إن كنت تذكرني، طلبتُ منك فهرس مجلة الدراسات الفلسطينية إبان جولة التعرف على الآداب الفلسطينية، وأرسلتَ إليّ ما طلبته منك بكل لطف وهذا ما أشكرك عليه ولو جاء شكري متأخراً.
أنا أيضاً لديّ ما أبعثه لك، صور من حيفا.
هذه الصور جئت بها من عند طوني. إنه تاجر أنتيكا وهو من فسوطة ويسكن في منزلكم وكان يجهل ذلك قبل أن أعلمه به.
أُخذَت الصور في الغرفة التي لم أستطع زيارتها. كانت مليئة «بالأغراض»، العائدة للتاجر وأدركت أنها بمثابة مخزن لطوني.
من بين الصور التي التقطتها مندوبتي السرية صورة كبيرة مؤطرة. كانت الصورة بالأسود والأبيض، تمثل رجلاً واقفاً بين مقعد صغير وآنية أزهار موضوعة في قفص من القصب المجدول. كان الرجل يعتمر طربوشاً ويرتدي بذلة من ثلاث قطع وينتعل جزمة قصيرة من الجلد. كان ضخماً إذا أردنا أن نحتكم إلى انتفاخ صدريته المزررة.
في أسفل الصورة، كان التدوين الآتي:
«الياس صنبر، ولد في حيفا وتوفي فيها 1878 ـ 1932».
لم أعرف قط من الذي حمل اسماً مشابهاً لاسمي. عجائز العائلة الذين لا يزالون على قيد الحياة لا يذكرون الرجل والشبان لم يسمعوا به.
لم أسعَ لمعرفة المكان الذي عثر فيه طوني على هذه الصورة.
لكني أعرف أنه منذ اليوم الذي دخلت فيه إلى بيتي، كان اسمي موجوداً في غرفة مقفلة.
المصدر «مُلك الغائبين»، بيروت: دار النهار، 2007 (ترجمة: ماري طوق غوش). (*) المقصود الصحافيين وغيرهم الذين كان الياس صنبر يرسلهم لتفقد منزله الوالدي في حيفا.