| 

ماذا حدث للثقافة الفلسطينية في مملكة منطمة التحرير والسلطة؟ ماذا فعلت بها هذه السلطة ودولارات الدول المانحة والمنظمات غير الحكومية؟ من عمل على تجريفها وتصحيرها عاماً بعد آخر حتى وصلنا إلى هذا الوضع التعس لأول مرة منذ تبلورت الهوية الكفاحية للشعب الفلسطيني؟ هل يعقل أننا لا نملك الآن صحيفة واحدة مستقلة أو معارضة أو نصف معارضة أو أي مطبوعة تكفل حرية الخبر قبل حرية الرأي؟ كيف حدث أننا نحن الذين أصدرنا في الشتات والمنافي أبرز الصحف والمجلات الأدبية والفكرية نكتفي الآن بيوميتين شبه رسميتين ومحطة تلفزيون بائسة الشكل والمضمون، مهنياً وسياسياً وفكرياً؟ كيف ماتت بضربة واحدة مجلات الكرمل وشؤون فلسطينية واليوم السابع والكاتب الفلسطيني؟ وكيف ضاقت السبل بمجلات ذات ضفاف أوسع من حدود أحزابها كالهدف والحرية وإلى الأمام؟ كيف خرجت المؤسسة من دورها في الإنتاج السينمائي والمسرحي؟ كيف أصبح الشعراء والروائيون موظفين سعداء بسيارات وسائقين وحراس؟ وكيف تفاقمت لدينا ظاهرة المثقف السعيد الذي هو آخر ما يحتاجه الوطن؟
نعم، آخر ما يحتاج إليه الوطن، أي وطن، هو المثقف السعيد، المروّج للرضى، الواثق داخل مرآته المتفهم دائما لسيده السياسي، المفسّر لتأتأة الحكومات الشارح لحجج العدو والمفتون بمفردة «الاستقرار». وفي أوجاع الدكتاتوريات المحلية وشرور الاحتلال الأجنبي يصبح المثقف السعيد، عبئاً على التاريخ. إنه إذ يتخصص في اختراع المساحيق المناسبة لوجه السلطة ينسى أنه يلطخ يديه وثوبه ويساهم مع الهراوة في تمرير الخديعة. وهو إذ يسارع، عند وقوع الكوارث التي لا بد من وقوعها، إلى لوم الظرف الموضوعي يتعمد إعفاء الذات الشخصية والذات الرسمية من النقد: «الخطأ ليس «هنا»، الخطأ دائما «هناك»! «الحق ليس معهم الحق دائماً «معنا»! يبتسم لرأيه ورأيه يبتسم له، لنفسه، لقائده، لحزبه، لفصيله، لمذهبه، لأيدولوجيته وأحيانا لأعدائه، ثم يتهيأ لاستقبال المكافأة مكرماتٍ وفُرَصاً تدفعه إلى مزيد من السعادة.
نقيض المثقف السعيد هو المثقف الانتقادي الذي يفكر ويختار ويجهر ويمارس عناده المكلّف ويدفع الثمن بدلا من أن يقبضه. والدور النقدي للمثقف هو مؤشر على وجود المواطن النقدي الذي يصعب أن تنطلي عليه الحجج والذرائع والتبريرات. فوجود مثل هذا المواطن هو رسالة الأمل التي يحملها للمقهورين بريد التاريخ. وممارسة النقد ليست حصراً على اللغة بل تتعداها إلى قائمة طويلة مما يقبله المرء أو يرفضه، وقائمة أطول من أشكال الفعل الخلاقة بالقلب واللسان واليدين. نشطاء الحرية على سفن الحرية من رجال ونساء هم حالة ساطعة من حالات ممارسة النقد والاستعداد لدفع الثمن.


تدليل الأفاعي وزخرفة الحطام

في المشهد الفلسطيني الممتد لا يمكننا أن ننكر تجاور المثقف «السعيد» والمثقف «الانتقادي» جنباً إلى جنب في مختلف مراحل الصراع، لكن مثقفينا السعداء كانوا دائماً قلّة. فالروح النقدية كانت، في الغالب الأعم، هي روح الثقافة الفلسطينية، شواهدها كتاب وشعراء ومفكرون يسائلون ويتساءلون، يمارسون القلق العفيّ والارتياب الشريف لا بشأن ما يقال لهم فقط، بل أيضاً بشأن ما يقولون ويكتبون، يحاولون خلخلة المستقر، يدعون إلى التجديد، ويحدقّون بإخفاقات الذات الشخصية والجمعية، لا يحاولون تدليل الأفاعي خلسة ولا يعملون على زخرفة الحطام وتعطير الكوارث.
الجديد المؤسف الذي ألمّ بالثقافة الفلسطينية منذ سنوات هو تآكل الدور النقدي والغياب شبه الكامل للمثقف صاحب الرأي المستقل المجاهر باختلافه عن اي إجماع ملفق والمدافع عن الحقائق المهجورة والمغدورة. وهذا يتم تحقيقه في البداية بوأد المنابر وإعدامها حتى لا يجد الكاتب الحر شرفة يطل منها على قرائه وبعد ذلك لا يبقى لمن يريد الخوض في المسائل الجوهرية إلا تبنّي رواية المؤسسة ورؤيتها، أو تجنب الخوض في الجوهري أصلا والانشغال في عز المحنة بالحديث عن نقّار الخشب!
يرجع الكثيرون غياب المشروع الثقافي الفلسطيني إلى غياب المشروع الوطني الفلسطيني، ويصعب الاتفاق معهم على هذا الرأي فالمشروع الوطني مصاب بالتأتأة والارتباك والتقلّب الفاضح وهذا أسوأ من غيابه. والثقافة التي «تتبع» بدلا من أن «تسبق وتتقدم» لا بد لها من أن تحمل العدوى كلها والأوصاف كلها. وهكذا ارتبكت «الجملة الفلسطينية» التي كانت عنوانا نبيلا من عناوين الثقافة العربية على امتداد الخريطة.
إن جيلا كاملا من المبدعات والمبدعين الفلسطينيين يتكون الآن في مخيمات المدن الفلسطينية وفي القرى والبلدات وعلى امتداد قطاع غزة ونابلس وطولكرم وجنين والخليل وسواها وينتج قصصاً وقصائد ومقالات جميلة تنبئ بمواهب حقيقية وتفكير نقديّ مستقل عن المؤسسة، تضيق بإنتاجهم منابرها القليلة ذات اللون الواحد والمتركزة في مدينة واحدة هي رام الله. أضف إلى ذلك عمليات التضييق في غزة على حرية الفنون والإبداع المرئي أو المسموع أو المكتوب وإعادة تعريف ذلك كله تعريفاً يرجعنا قروناً إلى الوراء.


المثقف إذ يتوسل السلطة

قد يأخذنا الاستعجال إلى محطة أوسلو كبداية لهذا الانهيار الثقافي في فلسطين لولا أننا نلاحظ الانهيار ذاته في البلدان العربية الأخرى، فبعد أن كانت سمة الثقافي هي النضال لانتزاع استقلاله عن السياسي والحفاظ على المسافة الضرورية بينه وبين القصر أصبحنا نرى تدافع الكتّاب والشعراء والنقاد واتحاداتهم إلى الجلوس في حضن الحاكم: فمعارض الرسم ومهرجانات الشعر وحلقات النقد الأدبي وتدشين المؤلفات تتم غالباً تحت رعاية الوزير أو الأمير أو بتمويل حكومي مشروط دائماً، والكارثة أن المثقف هو الذي يتوسل للرسمي أن يرعى معرضه أو أمسيته الشعرية أومهرجانه الأدبي بل ويغضب إن لم ينفق عليه. وهذا كله أهون من التزام الصمت عندما تلتبس الأمور. انتشرت قصيدة الهذيان وبات «المبدع» يفزع أن يدل عمله الإبداعي على موقف أو يحمل أي معنى. وفي عالم النقد الأدبي والصحافي انتشرت الكتابات النقدية التي تسمّع محفوظاتها من الترجمات الرديئة لنقّاد الغرب. هكذا اجتمعت لدينا في وقت واحد ركاكة النص وركاكة الموقف، وخلا الميدان للسياسي يصول ويجول بلا منتقد. ففي تاريخنا القريب تغيرت مواثيق وانقلبت مفاهيم وتناقضت سرديات وماتت أحزاب من دون أن تثير أي زلزال ثقافي بل من دون قرع جرس صغير.
هل بدأ الانهيار باتفاقات بكامب ديفيد وإسقاط ما أسماه السادات «الحاجز النفسي» مع العدو حتى إذا انكشفت مخاطرها هرعت اتفاقات أوسلو لإسقاط الحواجز الإضافية عند أصحاب المأساة المباشرين هذه المرّة؟ هل أدى ذلك إلى طمس ملامح المشروع الوطني بحيث أنه أصبح «غيره»؟ هل أدى ذلك إلى اليأس من النصر وإلى الإيمان بالهزيمة؟ ربما. لكن كثيرا من كتاب لبنان والكتّاب العرب رفضوا الاعتراف بانكسار خطط عدوهم الإسرائيلي في تموز 2006 إلى حد أن جنرالاته ومفكريه وصحافته تعترف بتعثره بينما كتّابنا هم الذين لا يعترفون!
لكن انزلاقات كامب ديفيد وأوسلو وحدها لا يمكن أن تبرر انزلاق المثقفين إلى اعتناق «معنى» عكسيّ للقضية برمتها وإلى غيبوبة واعية تبدد الجوهريّ وتموت فيها مفاهيم بأكملها. كيف يفسر لنا مثقفونا السعداء سكوتهم عن موت المعنى الفلسطيني وإسقاطه من عقولهم وكتاباتهم؟ هل يغتفر لمثقف أن يقبل إعادة تعريف نقطة البداية في صراعنا التاريخي الطويل فلا يبدأ تحليله السياسي إلا من نقطة الرابع من حزيران أو الخلاف بين فتح وحماس، أو حصار غزة، فيشتري من السياسي العابث مفردات مثل «هم بدأوا لا نحن» «لا بد أن ينصاعوا وإلاّ» ثم ينقسم المثقفون على مقياس انقسام سياسييهم وبنفس درجة العمى عن مسارات تاريخية بأكملها، لأن الثقافة الراضية السعيدة كانت تمارس نعاسها الأبدي وتحصر الصراع في ربع ساعته الأخيرة؟ هل يعقل أن تصبح «المصالحة» التي يهندسها أمنيون في دول الجوار هي القضية الفلسطينية! وهل يغتفر للمثقف السعيد أن يقبل إعادة تعريف الشعب الفلسطيني بصفته سكان مناطق السلطة الفلسطينية فقط، فلا يقترب من قضايا شعبنا الباقي في أرضه منذ انفجار الصراع على الساحل الأول أو قضايا أبناء الشتات واللجوء والنزوح والمخيمات والمنابذ والمنافي؟ وهل يعقل أن يشتري المثقف تلويث المصطلح ويتبناه فيصدق أن عملية السلام سلام وأن البرلمان برلمان وأن الانتخابات انتخابات وأن الشرعية شرعية وأن المعارضة معارضة وأن الواقعية واقعية بينما الواقع يقول لنا إن الأسماء زاغت عن مسمياتها ونأى عن اسمه كل مسمّى؟


حرق المعنى

لا ينحصر اللوم هنا على مدح المثقف أو هجائه لتفاصيل سياسة متغيرة وعابرة ولا على موقفه من هذا القائد أو ذاك ولا على قبوله فرصة أو منصباً أو رشوة معنوية تقع في باب الضعف البشري، فلا أحد يتوقع أن يكون الناس (والمثقفون منهم) جيشاً من القدّيسين، لكنّ الخطر يكمن في مكان آخر هو عندما يساهم أبناء الثقافة وبناتها في «حرق المعنى»: يعرض السياسي بضاعته المعطوبة للبيع فيزورّ عنها الناس ويرفضون شراءها فيلجأ إلى حلَّين متزامنين، العصا والثقافة. السياسة تقمع أو تهدد بالقمع، والثقافة تقفز فوراً لتسويق البضاعة بمهارتها التي لا يتقنها غيرها. وأكثر البضائع رواجاً هي بالطبع خلق عصابات ثقافية موازية للعصابات السياسية، تتبادل توجيه الاتهام بلغة «مثقفة». هكذا يتم تلويث المعاني وأولها معنى النقد ذاته.


لا تأييد بلا نقد

نتذكر إدوارد سعيد وصيحته المجلجلة التي أصبحت إنجيل مثقفي العالم الأحرار وأبلغ تلخيص لضرورة الجهر بالحقيقة أمام صاحب السلطة أن «لا تأييد بلا نقد» فنرى في فلسطين تأييداً ولا نرى نقداً، نتذكر ناجي العلي الذي لم يمسك ريشته مرة واحدة إلا ليفضح بخطوطها من تليق بهم الفضيحة، ونبحث عن نموذجه بيننا فلا نجد، ولأن المشهد ضم كثيرين غيرهما من المبدعين فلن نواصل التعداد، كما أننا لن نبدأ في تسمية الكتاب والشعراء والباحثين «السعداء» ذوي المراتب والرواتب ممن يعبدون مراياهم لأننا لو بدأنا فلن ننتهي.