| 

يستحيل اختصار التاريخ العريق للإنتاج السينمائي في فلسطين، قبل إنشاء الكيان الصهيوني على أرضها الجغرافية، وبعد الاحتلال الإسرائيلي لها ولذاكرتها. فالمسار التاريخي الخاصّ بهذا الإنتاج، وإن لم يبلغ الإنتاج المذكور مرتبة الاشتغال السينمائي بمفهومه الآنيّ، أفرز أعمالاً متفرّقة، أنجزها فلسطينيون وعرب وأجانب على حدّ سواء، خصوصاً أن الأفلام المنجزة تلك استطاعت «أن تختزن ذاكرة غنية لا يُمكن إغفال أهمية وضرورة الرجوع إليها، ما دامت تنتمي بحقّ إلى تاريخ الناس»، كما كتب الناقد والمخرج العراقي قيس الزبيدي في مقدّمة كتابه التوثيقي المهم «فلسطين في السينما» («مؤسّسة الدراسات الفلسطينية»، الطبعة الأولى، بيروت، 2006).
وبما أن العلاقة بين الصورة السينمائية وفلسطين قديمة جداً، باتت السينما جزءاً «لا يتجزّأ من الذاكرة الفلسطينية»، كما علّق الناقد الفرنسي سيرج لوبيرون، الذي رأى أن هذه الذاكرة «انفجرت في الزمان والمكان شظايا صغيرة، قطعاً من أفلام وصُور وأصوات (...)، ونتفاً من حكايات التقطتها أشرطة»، طالب لوبيرون بضرورة «إعادة تجميعها وتصنيفها وحفظها، لأنها برهان على وجود له ماض وعلامة هوية وتاريخ بحدّ ذاته».
بالإضافة إلى المسار التاريخي المليء بالعناوين السينمائية المختلفة، المائلة إلى النوع الوثائقي/ التسجيلي الذي أرشف لحظات تاريخية مهمّة منذ مطلع القرن العشرين، وخصوصاً مع إبراهيم لاما تحديداً، فإن مخرجين عرباً وأجانب غاصوا في الحيّز الفلسطيني، والتقطوا نبض الشارع والتحوّلات، وعاشوا التفاصيل الإنسانية والسياسية والاجتماعية التي عرفتها فلسطين على مدى سنين طويلة. من العراق ومصر ولبنان، إلى دول أوروبية وأميركية عدّة، جاء السينمائيون إلى فلسطين، أو جلبوها إلى نتاجاتهم الوثائقية والروائية، التي حوّلت المشهد الفلسطيني إلى حالة إبداعية صافية. وإذا بدت تلك الأعمال أقرب إلى الشهادات البصرية المتعلّقة بمسائل سياسية ونضالية واجتماعية، منذ الهجرات الصهيونية الأولى إلى ما بعد إنشاء الكيان الصهيوني؛ فإن التجربة الأساسية التي جعلت السينما في فلسطين تعيش مرحلة جديدة، تمثّلت بـ«عرس الجليل» (1987) لميشال خليفي، الفيلم الروائي الطويل الذي اعتبره كثيرون بمثابة إطلاق نمط آخر في التعاطي مع الشأن الفلسطيني. هذا الفيلم أسّس مرحلة متكاملة من الاختبار اليومي للعيش الفلسطيني تحت وزر الاحتلال ومصاعبه وعنفه، من دون تناسي الهمّ الفلسطيني الذاتيّ. وفي المرحلة نفسها، ظهر مخرجون فلسطينيون متنوّعو الأمزجة والأساليب، غرفوا من الهمّ الفلسطيني مواد درامية جعلتهم ينقلون الوجع والأمل والحياة إلى أصقاع الدنيا، أمثال رشيد مشهراوي وهاني أبو أسعد وعبد السلام شحادة وعزّة الحسن ونزار الحسن ورائد أنضوني وآخرين، وأبرزهم إيليا سليمان.
شهد النتاج السينمائي الفلسطيني في الأعوام القليلة الفائتة (النصف الثاني من العشرية الأولى من القرن الحادي والعشرين تحديداً) ظهور ثلاث مخرجات سينمائيات التقين عند إقامتهنّ خارج فلسطين المحتلّة، واستفادتهنّ من إنتاج غير فلسطيني غالباً (مع وجود إنتاج فلسطيني متنوّع، بمستويات مختلفة)، وقراءتهنّ العلاقة القائمة بين المنفى والاغتراب الذاتي والهوية أساساً، بالإضافة إلى التمعّن الفني في شؤون الفرد الفلسطيني، وارتباطه بمحيطه الثقافي والاجتماعي والمناخ الإنساني والوضع السياسي الناتج من الاحتلال الإسرائيلي. هؤلاء المخرجات الثلاث هنّ آن ـ ماري جاسر (ملح هذا البحر) ونجوى النجّار (المرّ والرمان) وشيرين دعيبس (أمريكا). ولئن آثرت جاسر سرد حكاية الداخل الفلسطيني المرتبط بالذاكرة الفردية والجماعية، من خلال العودة إلى فلسطين لاستعادة حقّ ضائع؛ فإن دعيبس ذهبت في الاتجاه المعاكس، عندما رافقت رحلة أم وولدها الوحيد إلى الولايات المتحدة الأميركية، بحثاً عن لحظة صفاء داخلي في «أرض الأحلام»، الطالعة من صدمة الاعتداء الوحشي على برجي «المركز العالمي للتجارة» ومبنى «بنتاغون» في الحادي عشر من أيلول 2001. في حين توغّلت النجّار في بنية المجتمع الفلسطيني، من خلال قصّة حبّ بين زوجة مقاوم أسير ومدرّب رقص، وسط استمرار الحرب الإسرائيلية الوحشية ضد الفلسطينيين. وإذا بدا «ملح هذا البحر» أقرب إلى رحلة داخلية في فلسطين المحتلّة، وهي رحلة أشبه بمرآة سينمائية عكست تفاصيل شتّى من الحياة اليومية هناك؛ فإن «أمريكا» استخدم مفهوم الرحلة أيضاً، لكن خارج فلسطين المحتلّة، في مسعى جدّي إلى فهم المعاني الإنسانية والثقافية والاجتماعية للهوية والانتماء، داخل الدولة الأشدّ عداءً للفلسطينيين والعرب والمسلمين، والأكثر دعماً لدولة الكيان الصهيوني. أما «المرّ والرمان»، فأثار ردود فعل سلبية، فلسطينية أولاً وأساساً، لتشريحه القاسي وقائع العيش اليومي في بيئة فلسطينية اجتماعية تقليدية، ولدفاعه الجلي عن حقّ الفرد في اختبار انفعالاته وعيشها.


«ملح هذا البحر» لآن ماري جاسر:

رحلة في الداخل الفلسطيني

تنتمي آن ماري جاسر إلى جيل من الفنانين الفلسطينيين الناشئين في بلاد الشتات. أنجزت باكورتها الروائية الطويلة هذه (لها أفلام وثائقية وقصيرة عدّة، أبرزها «اثنا عشر مستحيلاً»، الذي أنجزته عام 2002) مستوحاة من تفاصيل عامّة، مضافة إلى شيء ذاتي بحت. أرادت، في «ملح هذا البحر»، أن توزان حبكته الدرامية بين بُعدين اثنين أساسيين: استعادة الذاكرة لتأكيد حضورها في الوعيين الفردي والجماعي، و«السفر» داخل فلسطين المحتلّة، في رحلة قد يُقال إنها سياحية، وقد توصف بكونها محاولة سينمائية متواضعة للتأكيد على الحقّ الفلسطيني الشرعي والتاريخي بأرضه المحتلّة. الحكاية، في ظاهرها، تكاد تكون عادية: ثريا (سهير حمّاد) تقرّر العودة إلى بلدها، هي المقيمة في الولايات المتحدّة الأميركية (حيث تقيم جاسر حالياً) مع والديها اللاجئين من حيفا، بعد اكتشافها أن المدخّرات المصرفية لجدّها لا تزال موجودة في أحد مصارف يافا، منذ عام 1948، وهي تريد استعادتها مهما كان الثمن. أثناء ذلك، تلتقي عماد (صالح بكري)، الحالم بالهجرة إلى كندا. بين «حلم» العودة إلى فلسطين (ثريا) واستعادة الحقوق المسلوبة، و«حلم» الهجرة إلى الخارج (عماد)، بحثاً عن خلاص نفسي وروحي وجسدي من وطأة العيش في بؤس الحياة اليومية في فلسطين المحتلّة، بدت آن ماري جاسر كأنها مكتفية بطرح سؤال العلاقة (هل أقول الملتبسة؟) بين الفرد وبلده، في ظلّ أسئلة الاحتلال والمقاومة والتمسّك بالحقوق (حقّ العودة، حقّ الإقامة في البلد الأم، حقّ التاريخ والجغرافيا، إلخ.).
لا تستطيع ثريا الحصول على حقّ جدّها وأبنائه وأحفاده باستعادة ممتلكاته. كأنها بهذا تكشف عجزاً ما عن استعادة حقوق أخرى لها ولأبناء بلدها. لكن هذا الحقّ، الذي تمسّكت به ابنة مهاجرين، يتناقض ورغبة المقيم في بلده المحتلّ، في البحث عن منفذ لعيش مختلف. ونهاية الفيلم، إذ تقع على الحدّ الفاصل بين الوهم والحقيقة، تجعل الأسئلة معلّقة، والأجوبة أصعب، إذ تبقى المهمّة الأولى للسينما طرح الأسئلة والتحريض على البحث الدائم عن أجوبة. والرحلة، المُقامة داخل الأراضي الفلسطينية المحتلّة عام 1948، إثبات (متواضع سينمائياً) للحقّين التاريخي والجغرافي للفلسطينيين في أرضهم وذاكرتهم وفضائهم الإنساني والثقافي والاجتماعي. لكن الفيلم مائلٌ، في مقتطفات عدّة من نصّه، إلى شيء من الخطابية، في حين أن بعض حواراته ضعيفٌ.


«أمريكا» لشيرين دعيبس:
حلم الهجرة وتداعيات الحادي عشر من أيلول

في التعريف الصحافي الرسمي بها، جاء أن شيرين دعيبس اختيرت، عام 2009، من بين «أفضل عشر مخرجي منوّعات»، وأنها «مخرجة مستقلّة»، وأن «أمريكا» أول فيلم روائي تكتبه وتخرجه. دعيبس مقيمة هي أيضاً في الولايات المتحدّة الأميركية. أي إنها «ابنة» ثقافة غربية أضيفت إلى ثقافة بيئتها وتراثها وتاريخها. الإقامة في تلك البلاد مفيدة، لأنها تساهم في تطوير الوعي المعرفي، وتفتح آفاقاً جديدة للراغبين في العمل السينمائي. «أمريكا» صورة مختصرة عن حكايات فلسطينيين (وعرب ومهاجرين من أصقاع الدنيا كلّها أيضاً) يسعون إلى الهجرة بحثاً عن فرص عيش وعمل مختلفة. غير أن ميزته كامنةٌ في خصوصيته الفلسطينية. أي إن هجرة الأم منى (نسرين فاعور) وولدها فادي (ملكار معلم) إلى تلك البلاد الشاسعة، وتحديداً إلى منطقة ريفية في ولاية إلينوي، تتميّز بميزتين اثنتين: هجرة الفلسطيني من أرضه المحتلّة، وهجرته إلى بلد يعاني «فوبيا» خطرة من العرب والمسلمين. هناك، تحاول منى، المقيمة وابنها عند شقيقتها رغدة (هيام عباس) وزوجها الطبيب نبيل (يوسف أبو وردة)، بدء حياة جديدة. لكن المعاناة بدت، في اللحظات الأولى، شبيهة بمعاناة البلد الأم: قسوة الحياة اليومية جرّاء رفض المجتمع الجديد كل وافد عربي/ مسلم إليه، وهذا ينسحب على العمل (هناك صعوبة ما في الحصول على وظيفة) والحياة المدرسية (بعض الطلاب يتملّكه الغضب العنصري من كل عربي/ مسلم). شيرين دعيبس أرادت، في «أمريكا»، أن تلتقط تفاصيل تلك المعاناة، من خلال المسار الصعب لمنى وفادي أولاً، ولرغدة وعائلتها ثانياً. وإذا انبنى المسار هذا على البؤس والقهر والألم والتحوّلات القاسية، فإن الخاتمة أفضل، لميلها إلى لحظة متفائلة ما. ولا يُفارق النصّ والحوار بعض الخطابية المباشرة، المتعلّقة بالوطن والتراب والحكاية التقليدية.

«المرّ والرمّان» لنجوى النجّار:
حقّ المرأة في التعبير عن انفعالاتها

في جهة مغايرة تماماً للعلاقة القائمة بين الوطن والمهجر/ المنفى، التي شكّلت عموداً فقرياً لفيلمي «ملح هذا البحر» و«أمريكا»، غاص «المرّ والرمان» لنجوى النجّار في أعماق المجتمع الفلسطيني، وبيئته الاجتماعية والثقافية والتربوية التقليدية. عندما سئلت عن فيلمها هذا، قالت النجّار إنه «قصّة إنسانية فلسطينية، موجودة في المجتمع الفلسطيني»، مضيفة أنه «قصّة سياسية بامتياز أيضاً»، مؤكّدة، في الوقت نفسه، أن السياسيّ لا يكمن في «اللغة والصورة السياسية التي تُقدّم بها عادة المأساة الفلسطينية على شاشات التلفزيون»، بل في طيات النصّ والحبكة والعلاقات القائمة بين الشخصيات المصنوعة من لحم ودم. أكّدت النجّار، وفيلمها هذا واضحٌ في طرحه الإنساني أولاً وأساساً، على أن «المرّ والرمان» يتطرّق إلى قضايا الأسرى في السجون الإسرائيلية، والمرأة الفلسطينية ومعاناتها، ومصادرة الأراضي والجدار العنصري والاستيطان. هذه عناوين تبدو، لوهلة أولى، كثيرة جداً على فيلم سينمائي متواضع المعالجة الدرامية، وبسيط الإمكانيات الإنتاجية. لكنها شكّلت معاً مفردات التعمّق في تفاصيل البيئة الفلسطينية هذه، من خلال قصّة الحبّ العفوية التي نشأت بين زوجة أسير ومدرّب رقص. ولعلّ هذا ما أثار سخط فلسطينيين كثيرين، قالوا إنه ينتقد صمود الأسرى ويطعن ظهر الفلسطيني: «أثار الفيلم حديثاً طويلاً. كمخرجة، لا يُمكنني إلاّ أن أكون سعيدة جداً بذلك»، كما قالت، طارحةً في الوقت نفسه تساؤلات جوهرية أرى أنها، بمعالجتها الدرامية في الفيلم، سبّبت ذاك السخط الفلسطيني. والتساؤلات تلك تُختصر بسؤالين: هل لزوجة السجين حقّ في الحياة؟ أليست إنساناً ذا رغبات واحتياجات إنسانية، كأي إنسان آخر؟
في المقابل، ألم تُقدّم نجوى النجّار صورة مؤثّرة عن معنى الصمود الفلسطيني الفردي في وجه المحتلّ؟ ألم تدعم تمسّكه بحقّه في الوجود والعيش في بلده، وإن كان بلده محتلاّ؟ ألم تصوّر شيئاً من واقع العيش اليومي على تخوم الألم والقهر والغضب والقلق، ومقارعة الظلم أيضاً؟ ألم تلتقط نبض الحياة الفلسطينية بتنويعاتها ومستوياتها ومفارقاتها وفضاءاتها المختلفة، بهدف جعلها شهادة بصرية صادقة؟ لا شكّ في أن قراءة نقدية سوية للفيلم تكشف خللاً هنا وهناك، خصوصاً على مستوى الكتابة السينمائية والحوارات وبعض التقنيات. لكن هذا لا يمنع القول إن «المرّ والرمّان» جريءٌ في تأكيده حقّ المرأة في أن تكون إنساناً، وفي أن تُعبّر عن نفسها بحرية، وفي أن تعلن مشاعرها من دون خوف أو وجل. العناوين التي أرادتها النجّار ركيزة درامية لفيلمها هذا كثيرة، إلى درجة أن كل واحد منها محتاجٌ إلى فيلم أو أكثر. وهذا، ربما، أحد أسباب الخلل الطفيف الذي أصاب الفيلم. لكن نصّه الإنساني مهمّ للغاية، لأنه تحرّر من سطوة التقليد في مقاربة المواضيع الأساسية، وذهب إلى أقصى درجة ممكنة من التعبير المباشر والحيّ عن مشاكل بيئة ومجتمع، أنتج الاحتلال الإسرائيلي جزءاً أساسياً منها، لكن سلوك المجتمع الفلسطيني مسؤول عن جزء لا بأس به منها، على المستوى الاجتماعي على الأقلّ.