| 

تعود بدايات الهجرة الفلسطينية إلى المنتصف الثاني من ستينيات القرن العشرين، وبالتحديد إلى ما بعد حرب حزيران 1967، حيث وصل العشرات من فلسطينيي 48 إلى كندا، غالبيتهم من مسيحيي مدينة الناصرة وقضائها. حيث كانت «إسرائيل» بحسب شهادة بعض المهاجرين تشجع الحكومة الكندية على استقبالهم كجزء من خطة إفراغ المدن الفلسطينية العربية من سكانها الأصليين. إضافة إلى فلسطينيي 48،
شهدت كندا هجرة عدد من الطلبة الذين أنهوا دراساتهم في بعض الدول الأوروبية ولم يتمكنوا من العودة إلى الضفة الغربية أو قطاع غزة، إضافة إلى بعض الأكاديميين الفلسطينيين كالدكتور بهاء أبو لبن والدكتور إسماعيل زايد والدكتور فضل النقيب والدكتور إبراهيم السلطي والدكتور يوسف عمر. وشهدت السبعينيات هجرة عائلات بكاملها من مناطق 48 لأسباب سياسية واقتصادية. وحتى بداية الثمانينيات لم يتجاوز عدد الفلسطينيين في كندا خمسة آلاف مهاجر. أما في الثمانينيات فقد بدأت تتسع موجة الهجرة الفلسطينية من لبنان إلى كندا خاصة بعد الاجتياح الصهيوني للبنان ومجزرة صبرا وشاتيلا، وراحت أعداد من فلسطينيي لبنان تصل إلى كندا. الموجة الأكبر من حيث الكم جاءت بعد الاجتياح العراقي للكويت حيث تم طرد وتهجير عشرات الألوف من فلسطينيي الكويت والخليج. وساهم في ذلك تعديل قوانين الإقامة في الدول الخليجية التي تفرض خروج الأبناء الذكور ممن تجاوزوا الثامنة عشرة والمقيمين مع ذويهم. فقد شهدت تلك الفترة هجرة ما يقارب العشرة آلاف فلسطيني من مختلف دول الخليج. ونظراً لحجم المدخرات المالية لفلسطينيي الخليج، ومؤهلاتهم العلمية (مهندسون، محاسبون، أطباء، إلخ) فقد كانت الموافقة على طلباتهم تتم بشكل سريع. وبعد اتفاق أوسلو، خاصة بعد الانتفاضة الثانية، وتدهور الوضع الاقتصادي وفقدان الأمل بعملية السلام شهدت كندا موجة لجوء عدد كبير من شبان الضفة الغربية، ووصل عددهم إلى ما بين أربعين ألفاً وخمسين ألف مهاجر.

النشاط السياسي

نظراً لقلة عدد المهاجرين العرب والفلسطينيين في كندا، باشرت بعض الشخصيات ذات التوجه القومي (الدكتور جورج حجار، الدكتور إبراهيم السلطي، الدكتور بهاء أبو لبن، الدكتور عاطف قبرصي وغيرهم) بتأسيس الاتحاد العربي الكندي، ليشكل القوة السياسية المنظمة لتمثيل الجالية العربية، والتحدث باسمها في الشؤون التي تهم الجالية العربية والفلسطينية خاصة فيما يتعلق بالشأن السياسي، وليشكل بداية قوة ضغط عربية في مواجهة اللوبي الصهيوني في كندا. وعلى الرغم من حداثة تأسيسه فقد تمكن الاتحاد العربي من أن يترك بصماته في أروقة البرلمان الكندي، الذي شكل بعض أعضائه تجمعاً برلمانياً مؤيداً للقضايا العربية خاصة قضية فلسطين، وكان أبرزهم النائب والسناتور الحالي مارسيل برودوم، إضافة إلى إقامته شبكة علاقات مع النقابات والكنائس وبعض الدوائر الأكاديمية، التي أنشأت بدورها مؤسسة تضامن مع الشعب الفلسطيني، وكان أبرز قيادتها الأستاذ الجامعي جيمس غراف. ونتيجة لازدياد عدد المهاجرين العرب والفلسطينيين وبروز دور منظمة التحرير الفلسطينية، بات من الطبيعي أن تتألف جمعيات عربية على أساس الانتماء القطري فانتشرت في المدن الكندية المختلفة (تورونتو، مونتريال، لندن أونتاريو، هاليفكس، فانكوفر) الجمعيات الفلسطينية لتمثل الكيانية الفلسطينية في المهجر الكندي. وتحول الاتحاد العربي الكندي من منظمة تضم الأفراد العرب إلى منظمة تضم الجمعيات العربية المختلفة في اتجاهاتها وميولها السياسية، ما أضعف موقف الاتحاد بشكل عام. مع توقيع اتفاق أوسلو «إعلان المبادئ»، تراجع العمل السياسي الفلسطيني في كندا، واتخذت بعض الجمعيات الفلسطينية موقفاً مؤيداً للاتفاقية معتبرة أن الانفتاح على القوى اليهودية والصهيونية في كندا سيعزز السلام في المنطقة. ونال هذا التوجه دعماً سياسياً حكومياً، من خلال تشجيع مؤتمرات الحوار المشترك. وتراجع دور المنظمات الأخرى بعد إضافتها إلى لائحة المنظمات «الإرهابية» والتي تم حظر نشاطها في كندا. ومع عودة القيادة الفلسطينية إلى غزة والضفة عاد العشرات من الفلسطينيين الكنديين من أصحاب الخبرات الإدارية والأكاديمية والمهنية المختلفة، وأصحاب رؤوس الأموال للمساهمة في بناء المؤسسات الوطنية والاستثمار في الاقتصاد «السنغافوري» الموعود. إلا أن غالبية أولئك لم يلبثوا أن رجعوا إلى كندا لعدم قدرتهم على التأقلم مع الأوضاع الجديدة في الأراضي الفلسطينية، خاصة بعد الانتفاضة الثانية.
في السنوات الست الأخيرة، استوعب الجيل الكندي ـ الفلسطيني حركة المجتمع الكندي ومفاهيمه وطرق مخاطبته ومخاطبة وسائل إعلامه. وتوج هذا النشاط النوعي بتشكيل «تحالف مكافحة إسرائيل» (CAIA) و«طلبة من أجل الحقوق الفلسطينية» (SPHR) ومنظمة حق العودة. في دراسة صدرت مؤخراً عن واحدة من مؤسسات البحث الصهيونية، تم اعتبار مدينة تورونتو واحدة من أهم المدن التي تحوي نشاطاً معادياً لإسرائيل، الأمر الذي أدى بالحكومة الإسرائيلية إلى رصد مبلغ مليون دولار للقنصلية الصهيونية في تورنتو للقيام بحملة تسويق إسرائيل باعتبارها دولة تربطها بكندا قيم الديموقراطية والإبداع واحترام حقوق الإنسان. ونظراً لموقف الحكومة الكندية بقيادة حزب المحافظين المؤيد بدون شروط لإسرائيل فقد مارست ضغوطاً كبيرة من خلال المنظمات الصهيونية على الجامعات الكندية لعدم التصريح بأي نشاط لمكافحة العنصرية الصهيونية الذي امتد إلى أكثر من خمسين جامعة في العالم. ومن أبرز إنجازات العمل الفلسطيني في كندا، اتخاذ نقابة عمال البريد، ونقابة موظفي الحكومة في محافظة أونتاريو قراراً بمقاطعة إسرائيل ومؤسساتها والدعوة إلى سحب الاستثمارات منها، ومقاطعة بضائعها في السوق الكندية. وعدم استقبال ممثلي نقاباتها ومقاطعتهم في حال وجودهم في كندا. وهنالك إنجاز نوعي آخر يتمثل بإقامة مهرجان تورونتو للفيلم الفلسطيني الذي يقام لمدة أسبوع تعرض خلاله أفلام فلسطينية وأفلام أجنبية تتناول القضية الفلسطينية، ويلقى هذا المهرجان إقبالاً كبيراً من الجمهور الكندي.