| 

قد يبدو اسم «مغارة الشياطين» مُخيفاً للوهلة الأولى عندما تتلقفه الأذن، فلا عجب في أن بعض كبار السن سابقاً دأبوا على وصفها كمغارةٍ حالكة الظلام، تدبّ الرعب في قلب من يدخلها. لكن الحقيقة تجافي ذلك تماماً، بعدما روى أشخاصٌ معدودون على الأصابع دخلوها أنها قطعة جمالٍ إلهية ومُدهشة. قرّرت «السفير» المُغامرة ودخول المغارة في محاولةٍ لاسكتشافها مباشرة.
لا مربعة ولا دائرية
بعد مسيرٍ مُنهكٍ وطويلٍ شاقّ، حطّت رحالنا على قمّة جبل «المحفور»، الجبل الأكثر شهرةً في بلدة قراوة بني حسان في غرب سلفيت، برفقة الشاب مدحت ريّان وأشقائه. عند قمة الجبل، أخذتنا حفرةٌ كبيرةٌ محفورة اتضح أنها السبب خلف تسمية الجبل، وتعود وفق ريّان لفوهةٍ بركانيةٍ خامدة منذ قرون.
رويداً رويداً، تنقّلنا باستمتاع في أكناف الطبيعة على قمة الجبل، التي لا تكدّر صفوها إلا المستوطنات القريبة، تلوح في الأفق. إذ يُمكن للعين المجرّدة رؤية «ياكير» و «نوفيم» و «حفاة يائير» وغيرها من المستوطنات. وكنا قد وصلنا إلى عددٍ من أشجار الخروب القريبة من بعضها، لمّا صاح ريّان الذي يتقدّمنا بخطوات: «شباب، لقد وصلنا إلى مغارة الشياطين!».
وصلنا حيث يقف ريّان، وتأملنا المكان حولنا، ولم يلفتنا لافتٌ في البداية. الدخول إلى مغارةٍ يرتبط في الذهن ببابٍ قد يكون مربعاً أو دائرياً مثلاً، ولم نرَ حولنا مربعات ولا دوائر ولا حتى أبواباً. أصابتنا الدهشة عندما أشار ريّان إلى باب المغارة الضيّق الذي يكاد لا يتسع لدخول شخصٍ بمفرده. هي فتحةٌ يدخلها الشخص زحفاً، ويستمر بذلك لعدة أمتارٍ قبل أن تنسح له فرصة الوقوف في قلب الظلام الدامس.
الإنارة التقليدية غير القوية كانت كافية لإظهار جماليات المكان. فالصخور المُلوّنة تتناثر على الجنبات، والممرات، والردهات التي نحتتها الطبيعة. كأنها قطعة زخرفية صخرية، وتشبه إلى حدٍ كبير بعض مغارات فلسطينية قليلة وأخرى عربية كمغارة «جعيتا» شمال بيروت. وقد تكوّنت الأشكال البديعة في هذا المعلم المُدهش بفعل الرواسب وتساقط قطرات الماء وتسرّب المياه الكلسية.
يشير خبراء في الطبيعة إلى أن الحجارة الكلسية تذوب بوتيرةٍ بطيئة جداً عند سقوط قطرات الماء عليها، نظراً لأن الحجر يحوي ثاني أكسيد الكربون. وقد يطول ذوبان الحجر البطيء لملايين الأعوام، حتى تتشكل بفعله المناظر النادرة داخل الكهوف والمُغر الجيرية. وأوضح ريّان أن خبيراً فلسطينياً زار المكان وقدّر أن عمره يعود لنحو 15 مليون عام.
عندما تدخل «مغارة الشياطين»، تضحك من قلبك. وبلا شك ستتندر على تسمية المكان أمام روعة جماله. ستتنقل بين عدة غرفٍ تحويها جنبات المغارة، وتزخر بالأعمدة وبالأشكال الصخرية المنحوتة طبيعياً.
هو اكتشفها، وهم سرقوها
عندما وصلنا إلى الغرفة الأخيرة وهي الرابعة، لم نتقدم أكثر. فالمشهد أصبح جديداً وظننا أنه أخيراً، إذ رأينا هوّةً عميقةً يُقال إنها تعود لبئر مياه. لكن أحد الشبّان، نكايةً بنا، قال عند العــودة إلى قراوة بني حسان: «لقد خسرتكــم فرصة حياتكم. فداخل الهوة أجمل مما شــاهدتموه في الغرف الأربع!».
على طريق العودة عبر ردهات المغارة، لفت انتباهنا وجود شعاراتٍ خطّها فلسطينيون على جدران المكان تحمل أسماءهم، وشعارات أخرى تحمل أسماء تنظيماتٍ فلسطينية. واستغربنا عندما أكّد لنا من رافقونا في الجولة أن المغارة شهدت عمليات سرقةٍ قبل سنواتٍ طويلة سابقة، حيث اختفى عددٌ من الأعمدة الطبيعية المُدهشة من داخلها.
ويبقى أن نشير إلى أن المغارة ليست غريبة باسمها وبالحكايات التي نسجت حولها فحسب، بل إن قصة اكتشافها أيضاً غريبة. إذ يروي ريّان أن بضعة أشخاصٍ لا يتعدى عددهم العشرة فقط، يعرفون مكان المغارة حالياً. فأول من دخلها مزارعٌ فلسطيني كان يقطن في الخلاء في منطقة مجاورة تُسمّى «خربة شحادة»، وتقع ما بين بلدتي ديراستيا وقراوة بني حسان. كان يستهويه نصب الفخاخ لصيد النيص البرّي، وذاتٍ مرة، لاحق هذا المزارع نيصاً دخل عبر فتحة باب المغارة فتبعه إلى داخلها. واكتشفها!