| 

ما هذا الطريق السريع؟ طريقٌ سريع يمرّ أمام بيتي القديم؟ كان شارعاً هادئاً تمرّ فيه سيارة مسرعة بين الفينة والأخرى. إثنتان منها قتلتا هرّين أحببتهما حبّاً جمّاً. في المساء، كنت أجلس في أرجوحة دولاب سيارة في حديقة المنزل، وأفكر في طرقٍ للهرب من هذه الأرض حيث تنعدم الفرص التعليمية الجدية لأمثالي، بسبب فارق نقطتين لم أحصل عليهما في امتحانات التوجيهي. لا شيء كان يقطع حبل أفكاري سوى سبع الليل، كلبنا الجميل الذي ربما أزعجته ذبابة ورغب في إبعادها بنباحٍ متذمّر. أذكر يوم هرب مني سبع الليل حين تساقط الثلج على مدينتي، والثلج ضيفٌ خجول يأتيها مرّة كلّ أربع سنوات. رغبت في السير معه في الثلج كما يفعل الغربيون، ولكنه كان أقوى مني وأفلت من يدي وركض أمامي بسرعة. رغبته في الحرية كانت قوية، ولكن حبه وإخلاصه للإنسان الذي يعتني به كانا أقوى، فعاد وعلى وجهه ابتسامةٌ عريضة. لم يكن هناك فرق كبير بيننا، هو كان مقيّد قرب مدخل منزلنا، تسنح له بعض لحظات الحرية القصيرة ليعود بعدها إلى بيته الخشبيّ ليحرس منزلنا. وأنا، حريتي كفلسطينية كانت محدودة، تتحكم بها حواجز احتلال عسكرية، وجنود أتوا من بعيد، لهم القدرة على إيقافي للتحقّق من هويتي ومنعي من الوصول إلى أيّ مكان أريده. رغبت بحريّة أكبر وحياة أفضل في مكان آخر، وكان لي ذلك. غبت 18 عاماً بين نيويورك وكاليفورنيا وبيروت. ولكني عدت منذ أسبوعين إلى مدينةٍ أكاد أجهلها. ما هذا الجسر؟ أين أنا؟ أليست هذه التلة الفرنسية؟ كلا؟ إذاً أين أنا؟ وكيف يمرّ هذا القطار بالقرب من مكان خطف الشهيد محمد أبو خضير قبل حرقه حيّاً؟ كيف يحدث ذلك كلّه والمقدسيّون يمضون في طريقهم إلى أعمالهم ومدارسهم وزيارة الطبيب، في ما يسمى عيادات «كوبات حوليم» الصهيونية؟
أسماء الشوارع تغيرت. من هذه روز؟ وماذا تعني «هار هتسفيم؟» وشارع النجوم! حقاً؟ هناك نجوم بقرب مركز شرطة الاحتلال الرئيسيّ في القدس؟ كلّ هذا التاريخ ويسمّون شارعاً مقدسياً بإسم كهذا؟! الغصّة تلو الغصّة حتى أكاد أختنق حين أصل إلى محطة الحافلات الرئيسية قرب باب العامود. هناك، أقف وأنظر إلى تلك البوابة الضخمة فأرى سور القدس. أرى إبداع مهندسي السلطان سليمان القانوني، أحد عشّاق القدس من العثمانيين. هناك، ألتقط أنفاسي وأشعر بالحياة تدبّ في روحي. أخلع نعليّ، وأسير حافيةً لأني نذرت ألا أطأ باب العامود بنعلٍ كي أتجنب الدوس على دماء شهداء القدس الذين سقطوا هناك. أتذكرون محمد الذي سقط على وجهه أمام عدسة كاميرا «الجزيرة»؟ كيف لي أن أدوس دمه الطاهر بنعليّ؟
أعبر البوابة وأدخل أغلى مدينة على قلبي. بائع عصير الرمّان على يميني، وفلّاحات الضفّة يفترشن الأرض عن يساري بخضرواتهن، يدللن عليها. تلك تبيع الميرمية والنعنع، وأخرى تبيع التين، وغيرهما يبعن الكوسا. يأتين في الغالب من البلدات المحيطة بمدينة بيت لحم لقربها من القدس. يجلسن بأثوابهن الفلسطينية التقليدية ويحافظن على أجمل تراث فلسطينيّ. يأتين إلى القدس كاللصوص، عبر طريقٍ جبليّة خطرة تدعى «وادي النار»، ويتسللن إلى عاصمة وطنهن كي يعلن عائلاتهن. هنّ، ربما لا يعرفن قيمة ما يفعلن لأن جلّ تفكيرهن ينصبّ على كيفية بيع خضرواتهن كي يعدن إلى عائلاتهن ببعض المال. ولكن وجودهن اليومي في شوارع القدس، إن في البلدة القديمة أو خارجها، هو فعلٌ وطنيٌّ وبطوليٌّ من الدرجة الأولى. هن يثبتن الحق الفلسطينيّ في مدينة القدس، من دون الحصول على تصريحٍ لدخول المدينة من سلطات الاحتلال كما يفعل غيرهن من أهل الضفة. فهي مدينتهن أيضاً، ويرفضن الاعتراف بسلطة محتلة لا تمّت لهذه المدينة بصلة. تلك العجوز حدباء الظهر الآتية من بلدة بيت جالا قرب بيت لحم، ملأى بكرامة لم أرَ أجمل منها. عرضت أن أساعدها في نقل صندوقها، لكنها رفضت، وشكرتني بتسامة زادت من تجاعيد وجهها الذي يحكي تاريخ هذه الأرض المجروحة.
مَن في القدس؟ مَن في القدس، إلا هي. هي الأقرب إلى روحي بينما أهل المدينة مستمرون في شراء البضاعة الصهيونية المفروضة عليهم من قبل دولة الاحتلال في إستكانةٍ تثير حنقي. يبنون بيوتهم خارج الجدار اللعين بسبب انعدام تصاريح البناء داخل حدود القدس الإدارية. بطريقة روتينية، يجهزون بطاقات هوياتهم الزرقاء كي يمرّوا في حاجز قلنديا العسكري الذي يطلقون عليه اسم «معبر» وكأنه نقطة حدود عادية بين دولتين جارتين. القدس مدينة أشباح لا تعرفني، وبالكاد أعرفها. ترى هل سأصبح مثلهم؟ ربما أصبحت فعلاً مثلهم. ألم أعد لكي أحاول استرجاع تلك البطاقة الزرقاء التي تمنحني حق الإقامة الدائمة في القدس؟ هم منحوني هذه البطاقة حين بلغت السادسة عشرة من العمر، وألغوها قبل شهرٍ حين قطعت جسر الكرامة إلى الأردن في طريقي إلى بيروت. ألهذا السبب عدت؟ لكي أحاول إسترجاع شيءٍ هم فرضوه عليّ، كما فرضوا بضاعتهم على أهل مدينتي؟ ما هو الأسهل، وقف الحياة أو تحقيق ما عدت لأجله؟