| 

في غزّة، تعاظمت ظاهرة عزوف المصطافين عن ارتياد استراحات الشاطئ في السنين الأخيرة مع تدهور الوضع الاقتصادي ووصول الفقر والبطالة لمعدلات قياسية. ما انعكس على نواحي الحياة كلها بما فيها الترفيه، ذيل أولويات المواطن/ة الغزي/ة. فيروي المصطاف ناصر البرعي أن استئجار خيمة وطاولة ومقاعد يكلّفه 100 شيقل (25 دولاراً)، عدا عن وجبات الطعام والمشروبات ـ التي يشترط طلبها من الاستراحة ـ علماً أن يكون سعرها هناك أعلى بكثير من سعرها في السوق. وتضاف إلى كل هذه التكاليف أجرة المواصلات لنقل العائلة، ذهاباً وإياباً. صار يرتاد الشاطئ في مناطقه الخالية من استراحات.
ويتابع ناصر حديثه لـ «السفير»: «أنا أعمل مدرساً في مدرسة حكومية، وراتبي مقطوع من رام الله. كل ما أتقاضاه هو 1200 شيقل (300 دولار) من حكومة غزة، فلا يكفي مصاريف شخص أعزب، بينما أعيل عائلة من ثمانية أفراد. لذلك، ليس وارداً أن أتحمّل هذه التكاليف، فأكتفي بالجلوس على الشاطئ محاولاً تجنّب كل ما يمكن تجنّبه من المصاريف».
يشرح الخبير الاقتصادي الدكتور ماهر الطباع أن ظاهرة عزوف المصطافين عن الاستراحات هي ظاهرة طبيعية جداً، «فالعديد من العادات الاستهلاكية هنا تغيّرت، وتكيّفت مع الوضع الاقتصادي الحالي. قطاع الترفيه هو أكثرها عرضة للتغيير أو حتى الإلغاء».
في المقابل، تعيش المناطق الخالية من الاستراحات واقعاً مزرياً لا يتناسب مع كونها المناطق الأكثر اكتظاظاً بالمصطافين طوال فصل الصيف، فيشتكون من تهميش البلديات لهذه المناطق. ويقول جهاد الرزي، أحد المصطافين على شاطئ بحر دير البلح، أن البلدية لا تهتم بالمناطق التي لا تكون فيها استراحات كونها لا تجلب لها رسوماً وضرائب: «يفصلنا 100 متر عن أنابيب الصرف الصحي، وتلك المنطقة خالية من الاستراحات. ولكن، هذه المنطقة من الشاطئ هي الوحيدة المتاحة لسكان دير البلح، نظراً لاكتظاظ باقي الشاطئ بالاستراحات. ورغم أن الكثيرين يقصدون هذه المنطقة إلا أنها غير مزوّدة بإضاءة، ولا منقذ بحري.. ناهيك عن أكوام القمامة». إلا أن الظروف الاقتصادية لم تستطع أن تسلب رحلة الاصطياف كامل بهجتها، إذ صارت هذه المناطق المجانية أشبه بكرنفالات احتفالية.
على امتداد شاطئ البحر، تبدو ملامح السعادة على وجوه المصطافين، فيعزف رجلٌ خمسينيّ بشبابته، ويحتشد حوله عدد من المصطافين، يتفاعلون مع ألحانه. وغير بعيد منه، يشدّ النظر شابٌ يصمم مجسماً رملياً على شكل قلب، ويتصور بجواره المصطافون. ومع أن مساحة الشاطئ ضيقة في هذه المناطق المهمشة، ولكنها تتسع لمجموعة من الشباب يرقصون على أغانٍ مصرية شعبية بحركاتهم المتمايلة، ولسان حالهم يقول بأن السعادة ليست حكراً على الأغنياء.
يعتبر أصحاب الاستراحات أنفسهم أيضاً ضحية هذا الوضع الاقتصادي الصعب، يرافقه ارتفاع تكلفة استئجار مساحة الاستراحة على الشاطئ من البلديات. بحسب قولهم، أصبحت هذه المشاريع غير مجدية اقتصادياً، والأكثر عرضة للخسارة. فيقول محمود أبو لبدة، صاحب إحدى الاستراحات على شاطئ دير البلح في وسط قطاع غزة، إن «إقامة استراحة في هذا الموسم تعتبر مجازفة اقتصادية، والإقبال ضعيف بسبب وضع الناس الاقتصادي». ويعزو محمود في حديثه لـ «السفير» ارتفاع الأسعار في استراحته إلى «ارتفاع رسوم الإيجار التي تجبيها البلدية، وفواتير الماء والكهرباء والضرائب»، مشيراً إلى أن «تخفيض البلدية لأسعار إيجاراتها سيخفض أسعار استراحته بأثر رجعي». ويتابع: «في السنين الثلاث الأخيرة شهد المردود المادي للاستراحات تراجعاً كبيراً، حيث تكبّدنا في خسائر. وعلى المستوى الشخصي كنت أقيم ثلاث استراحات، تستوعب 11 عاملاً. ولكن منذ بداية هذا الصيف، قررت الإبقاء على واحدة وثلاثة عمال، لكي أقلل من حدّة الخسارة في حال حصلت».
ويشير بيده إلى خيام فارغة عدة: «في هذا الوقت من العام، من المعتاد أن يكون الضغط على استراحتي كبير. وكان يتمّ حجز الخيمة قبل بيوم نظراً للإقبال الكبير. الآن، هذه الخيام خالية ولا حجز ولا إقبال».
في ظل هذا الواقع، يتبارى أصحاب الاستراحات لجذب إعجاب المصطافين واستقطابهم بأية وسيلة، فيضيفون تصاميم وخدمات جديدة، ولافتة على استراحاتهم. وضمن الإضافات الجديدة: تزيين الاستراحة بأعلام فرق رياضية مشهورة، إتاحة خدمة الإنترنت داخل الاستراحة، تخصيص حيّز للألعاب الرياضية كطاولة البلياردو والتنس وكرة الطائرة، شاشات عرض كبيرة تعرض مباريات كرة القدم الهامة، والبرامج الغنائية والكوميدية، لعلّها تنجح في كسب المصطافين.