| 

«كان المطر غزيراً جداً، وكان الظلام قد بدأ يحلّ. تجمهر مئات الشبّان حول البيت رغم البرد القارس، واستعدوا للاشتباك مع الجيش. كان عددهم أكثر من المرّات السابقة. فهذه المرة، كان الجميع على يقين من أنهم وفدوا ليهدموا البيت». هكذا يسترجع شفيق حلبي، والد الشهيد مهند حلبي، مساء هدم الاحتلال لمنزله، قبل حوالي شهر ونصف الشهر. صالون البيت الذي استأجره في قرية سردا، شمال رام الله، يمتلئ بصور مهند، ودروع التقدير من مؤسسسات مختلفة. بيتٌ مختلفٌ جداً عن منزله الذي هدمه الاحتلال في حيّ البستان الهادئ في مدينة البيرة. «طقم الصالون هذا الذي تراه، هو واحد من أربعة صالونات كانت في بيتي»، يقول والد مهند. ويكمل: «كانت لمهند ولكلٍّ من أخوته غرفته الخاصة. لقد بنيت ذاك البيت بكدحي لسنين طويلة في إصلاح الأنابيب وصيانتها». يأخذ شفيق حلبي وقفة ليتنهد ثم يقول: «لكن كلّ هذا الفقد لا يهمني. فقد فقدت ما هو أهم وأغلى، ابني...». يرفع بصره ليقابل محاوره بابتسامةٍ توحي بالرضا والكبرياء معاً، وبصوتٍ دافئ يختم: «الحمد لله».
لكن تلك التظاهرة لم تكن بداية الالتفاف الشعبي حول عائلة مهند. ففي يوم استشهاده، تفاجأ والده برد الفعل الشعبي: «بعد أقل من ساعتين على علمي باستشهاد مهند، كان نصف شباب رام الله في بيتي. معظمهم شبان من عمر مهند، لا أعرف أحداً منهم، احتلوا بيتي من دون إذن، وبدأوا بإفراغه من محتوياته لإنقاذها من الهدم». يتابع شفيق: «جاء الجيش ومعه عناصر من المخابرات للتحقيق معي. لكن شدّة المواجهات وقربها، ودخول الغاز المسيل للدموع بكثافة إلى المنزل، أجبرت رجال المخابرات على إلغاء التحقيق والمغادرة». تكرّر المشهد مرّات عدّة إلى أن أتى الجيش بالجرافات، واشتبك لأكثر من ساعة مع الشبان قبل أن يتمكن من هدم البيت. لكن المفاجأة الكبرى لشفيق حلبي كانت بعد الهدم، إذ تقدّمت منه مجموعة من الرجال الذين كانوا حاضرين خلال عملية الهدم، وأخبروه بقرارهم: «قالوا لي، وكنت لا أعرف أياً منهم شخصياً قبل ذلك، قالوا لي: أبا محمد، سوف نبني لك بيتاً جديداً، وسنطلق حملة تبرع لهذا الغرض بعد إذنك».

ظاهرة تعود بعد غياب
بعد وقت قصير من انطلاق الهبّة الشعبية في الضفة الغربية في أوائل تشرين الأول الماضي، بدأت الحملات الشعبية لإعادة بناء بيوت الشهداء تجذب انتباه الإعلام المحليّ. ظاهرةٌ سمّتها بعض وسائل الإعلام: «عودة الحاضنة الشعبية». فقد أطلق نشطاء في القدس حملة لإعمار بيوت شهداء المدينة، ومثلها حملة في نابلس، بالإضافة لحملة خاصة بإعادة بناء منزل الشهيد ابراهيم العكاري في مخيم شعفاط. غير أن الحملة الخاصة بمنزل مهند الحلبي تجاوزت المجتمع المحلي في مدينة البيرة، فقد نصب النشطاء خيمة وسط مدينة رام الله، وضعوا أمامها صندوق التبرعات، ثم انطلقت مبادرات ذاتية في أكثر من موقع، كامتداد للحملة ذاتها. الاستجابة واضحة من كل الفئات. مجموعة طالبات عائدات من الدوام المدرسي، مثل عبير وصديقاتها، أكدن: «نحن نقوم بواجب». موظف خارج من عمله، مثل محمد الذي يعمل في مؤسسة غير حكومية، يرى أن التبرع «هو الحد الأدنى من حق الشهداء علينا». أو رب أسرة مثل أبي منير، الذي أتى بطفله خصيصاً من أجل أن يرفعه إلى علو الصندوق، كي يضع تبرعاً داخله، معلقاً: «خليه يتعلم من هلأ!». عند العدّ العلني لحصيلة التبرعات في آخر النهار في قاعة بلدية البيرة، يقف أبرز وجه في الحملة، وهو الأسير المحرر فخري البرغوثي، ليحمل أمام عدسسات الصحافة مفاجأة النهار: مجموعة من القطع الذهبية، بينها قلادة نسائية معلق بها صليب، وجدت في صندوق آخر في حرم جامعة بير زيت. المتبرعة طالبة، عُرف في ما بعد أن القلادة والصليب كانا هدية من أبيها المتوفى.

«أوسلو» صادرتها، و«الأقصى» حيّدتها
فخري برغوثي كان أحد المبادرين للحملة يوم الهدم. أبو شادي، كما يناديه الناس في الشارع، صار الوجه البارز للحملة، كونه شخصية معروفة وتحظى بشعبية، خاصة منذ خروجه من الأسر مع ألف فلسطيني آخر في صفقة شاليط في العام 2011. بالنسبة إليه، فإن وجود شخصية معروفة في أيّ مبادرة شعبية يضمن مصداقيتها، وبالتالي استجابة الناس معها. لكنه في الوقت نفسه يؤكد: «الناس هم الأساس. بدون جهدهم الجماعي، لا يكون شيء». أبو شادي قضى ثلاثين عاماً في زنازين الاحتلال، وبالنسبة إليه، فإن للتفاعل الشعبي الحالي مع شهداء الانتفاضة أسبابٌ تفرضها المرحلة: «اذا قلنا أن الحاضنة الشعبية تعود، فهذا يعني أنها كانت غائبة لفترة من الوقت. في الواقع، المنظومة التي أتى بها واقع «أوسلو» تركت آثارها. الظروف الاقتصادية تغيرت، وصار هناك اعتماد أقل على النفس في المجتمع الفلسطيني. وصارت هناك سلطة، لها مؤسساتها الرسمية، تتحمل المسؤوليات التي كانت تتصدر لها الحراكات الشعبية في الانتفاضة الأولى». ويضيف: «عسكرة الانتفاضة الثانية جعلتها حكراً على التنظيمات، وحيّدت الجانب الشعبي الأساسي لأي انتفاضة». الاحتكار التنظيمي للمبادرة شكّل موضع انتباه أبو شادي وزملائه منذ اللحظة الأولى: «ارتأينا أن تقتصر اللجنة على المبادرين الأولين، الذين نبعت فكرة الحملة منهم، من فوق ركام منزل الشهيد مهند يوم الهدم. بهذه الطريقة، تجنبنا نقاشات عقيمة حول تمثيل الفصائل والجهات المختلفة داخل اللجنة». كانت رؤيا الحملة واضحة بالنسبة للمبادرين، فيلخصها أبو شادي: «أردناها عفوية، وشعبية، على صورة الانتفاضة نفسها».
«العفوية» و «الشعبية» تضمنان، بحسب أبي شادي، الاستجابة الواسعة غير المقتصرة على جمهور معين، ومشاركة أكثر حيوية من الناس. بل إنها تشجع مجموعات شعبية أخرى على مضاعفة المبادرات للهدف نفسه، ما يقر أبو شادي بأنه لم يزعج المبادرين: «أراد الكثيرون التعامل معنا كمرجعية وطنية مركزية لدعم أسر الشهداء. لكننا لم نر أنفسنا كمرجعية لأي شيء. لهذا فرحت عندما أطلق طلبة جامعة بيرزيت حملتهم من أجل مهند الحلبي بشكل مستقل، وإن تواصلوا معنا من أجل التنسيق». لكن ذلك كله لم يمنع استمرار محاولات التبني والاحتواء من قبل الأحزاب والتنظيمات المختلفة: «حاول كثيرون، وبطرق مختلفة، وبلا انقطاع»، ويكمل أبو شادي: «بعضهم بشكل مباشر، وبعضهم بشكل غير مباشر، كمحاولتهم الدخول في اللجنة باسم فصائلهم. لكن الموقف كان واضحاً وحاسماً من قبلنا، ولم نترك مجالاً لأن يحتوينا أحد». يؤكد والد مهند: «لم يأت أي مسؤول حتى لتقديم العزاء. ربما كانوا خائفين، لكن الآن لا أريدهم أن يأتوا»، ويصرّح بثقة: «الدعم الشعبي يكفيني».

التنظيم لا يزال حاضراً
الشعبية والعفوية لا تعنيان بالضرورة غياب التنظيم. على الأقل، هذا ما أكّده محمد عرار، مسؤول في لجنة الخدمات الشعبية في مخيم الجلزون (شمال رام الله)، حيث نظمت حملة محلية لدعم أسرة الشهيد الحلبي أيضاً. «هنا في الجلزون، انطلقت المبادرة من أفراد هيئة موقع الجلزون لحركة فتح»، يوضح محمد عرار، جالساً أمام صورة كبيرة للرئيس ياسر عرفات، في مقر لجنة الخدمات الشعبية. «لم يأتنا قرار تنظيمي، بل إننا بادرنا لوحدنا في الجلزون، وكانت الاستجابة من كافة فئات المخيم وبكثافة». بالنسبة لمحمد عرار، فإن مبادرة التنظيم إلى تحشيد الدعم الشعبي هو مسؤولية تقع على التنظيمات جميعاً: «التنظيم ليس غريباً. التنظيم هو جزء من المجتمع، وبالتالي عليه أن يتفاعل مع حركة المجتمع»، ويقرّ: «لعل دور التنظيم وكيفية أدائه يتغيران. فالمبادرة في هذه الهبّة هي شعبية، قامت من الجماهير، وفي سياقها يؤدي التنظيم دوره». يرى محمد عرار أن معظم شبان هبّة القدس الحالية قد تربوا سياسياً في بيئة التنظيمات وأطرها الطلابية. «الدور التربوي هو أساسي بالنسبة للتنظيمات. وحملة دعم أسرة شهيد هي عملية تربوية، خاصة للأجيال الصغيرة». يتحدث عرار بنبرة افتخار لا يخفيها: «أكثر من تحرك في المخيم كانوا لطلبة المدارس. نحن أطلقنا الدعوة ووضعنا الصندوق وسط المخيم، لكن الطلبة كانوا يأتون يومياً بالمجموعات للتبرع، ولتشجيع الناس على التبرع، ويأتون بالأطفال الأصغر سناً الذين يتحلقون حولهم بشكل تلقائي». ولكونه هو نفسه والداً، يلح محمد عرار على البعد التربوي للحملات الشعبية: «عندما يتبرع ابني بمصروفه اليومي من أجل عائلة شهيد لا يعرفه، فإنه يكتسب خبرة ستلازمه طوال عمره، وسيتعلم قيماً وطنية تبقى جزءاً من شخصيته».

بداية نموذج بديل في «بيرزيت»
سمر، ابنة الإثنين وعشرين عاماً، بادرت مع مجموعة من أصدقائها لإطلاق حملة دعم أسر الشهداء بشكلٍ عام في قرى شرق رام الله، جاعلين من قريتهم مركز الحملة: «رهاننا على الجيل الناشئ. يجب أن يتربى على قيم وطنية بعيدة عن الفئوية، وأن يؤمن بقدراته الذاتية. حملة كهذه تكسبهم هذه القيم». نظّمت سمر وأصدقاؤها الحملة في أيام قليلة بجهدهم الخاص. اشتروا الصناديق من مالهم، وتواصلوا مع مؤسسات بلدتهم ومع البلدات المجاورة. أذاعوا النداء في الجوامع والكنائس، ووضعوا الصناديق في المدارس كي يتبرع الطلبة. «لم ننتظر مؤسسة أو تنظيماً»، تقول سمر: «إن كنا نريد القيام بشيء، علينا أن نبادر إليه بأنفسنا. الأهم اليوم هو أننا نعرف أننا قادرون على ذلك».
سمر تتابع السنة الثانية من دراستها في كلية الحقوق في جامعة بير زيت، حيث رأت بنفسها استجابة الطلبة لحملة جمع التبرعات لإعادة بناء بيت مهند الحلبي: «فكرت في أمرين: الأول أنه يجب أن تكون هناك حملة لباقي الشهداء، والثاني أنه لا بد من حملة تشرك أهالي القرى التي لم تدخل الهبّة بعد، وبأوسع مشاركة ممكنة». بالنسبة إلى سمر، «ما نقوم به هو تحدي حقيقي للاحتلال. هو يقول لنا إنه سيهدم بيوت الشهداء من أجل ردع الانتفاضة، ونحن نرد بأننا سنبنيها من جديد وبجهودنا الجماعية». رأي يوافقها فيه زياد، ابن الرابعة والعشرين، وأحد القائمين على الحملة. يرى زياد أيضاً أن «الحراك الشعبي يمكن أن يتطور، طالما أن القيادات السياسية للفصائل لم تحل أزماتها. فبينما هم يتجادلون حول المصالحة والمفاوضات، يعود المجتمع لطاقته الذاتية كي يجد بديلاً». وتأخذ سمر الفكرة إلى أبعد: «يمكن أن تكون هذه بداية لنظام من التعاون الشعبي المنظم، الذي قد يغنينا في المستقبل عن المؤسسات ويضمن استمرار الانتفاضة». حماسية يتعامل معها أبو شادي، فخري البرغوثي، بحذر من لا تنقصه التجربة: «الجهد الشعبي لا يستطيع أن يقوم بكل شيء. هو فقط يملأ فراغاً تعجز عنه المؤسسة الرسمية، لكنه لن يستطيع أن ينتج بديلاً عنها، وليس هذا هو هدفه أصلاً». لكنه يقرّ: «من حق الشباب أن يخوضوا تجربتهم وأن يصوغوا رؤيتهم وأن يجرّبوها، كما فعلنا نحن قبلهم».

الخبرات بين الأجيال
الحوار العملي المبني على التجربة الواقعية بين أجيال النضال الفلسطيني، يمكن أن يلخص جانباً من جوانب هبّة انتفاضة القدس التي لم تتوقف بعد. حوار يقتحم كل بيت، كما اقتحم بيت شفيق حلبي الذي يعترف: «هذا الجيل فاجأني. كنت أقول لمهند وأخوته على الدوام أن جيلهم هو جيل الـ»جِل» و «الواكس» و «الفايسبوك» وسماعات الأذنين، وأنه لن يخرج منه شيئاً. لم أتوقع أن ما سيخرج منه سيخرج من بيتي، وسيعود إلى بيتي، بهؤلاء الشبان الذين لم يتركوني لحظة منذ استشهاد قرينهم مهند». يتابع والد مهند بحماسة: «لم يزرني مسؤول واحد، ولم أر أي مساعدة مادية من أي حزب أو مؤسسة، لكن الدعم الشعبي الذي بدأه هؤلاء الشبان والرجال واستجاب معه الآلاف كفاني وزاد!».
عندما ينتهي شفيق حلبي من تذكر تفاصيل هدم الاحتلال لبيته، يذكر تفصيلاً اختاره خاتمة لتلك الذكرى: «حين انتهى الجيش من هدم البيت، كان شعوري بالفخر وابتهاجي بتصدي الشبان للآليات والجنود، وإعاقتهم مرات عدة للهدم، أكبر من ألمي لفقد البيت نفسه، حتى أنني كنت أبتسم لا إرادياً. مر الضابط من أمامي منهكاً، غاضباً، مبتلاً بالمطر من رأسه حتى قدميه، ووقف أمامي وسألني: لماذا تضحك؟ فلم أجبه، بل ابتسمت فقط». وبتنهدٍ أخير، يبوح: «ثمرة تضحية مهند أراها في الانتفاضة، ورأيتها عن قرب في المئات، بل الآلاف الذين احتضنوني وآزروني لا لكوني أنا، بل لكون مهند شهيد الوطن. منذ أن احتل الشبان بيتي وبدأوا بإفراغه، رفع أبو شادي تلك القلادة بالصليب الذهبي في قاعة بلدية البيرة».