| 

قيمٌ ومبادئ... ومانحوها
في اجتماع الجمعيّة العامّة في جامعة "ماكغيل" في مونتريال، والّذي تمّ في ٢٣ من شباط /فبراير الماضي، صوّت المجتمع الطّلّابي على تمرير اقتراح قطع العلاقات مع الجامعات الإسرائيليّة، بنسبة ٥١٢ – "نعم" إلى ٣٥٧ – "لا". أمّا التّصويت للمصادقة على الاقتراح، الّذي جرى على الإنترنت في ٢٦ شباط /فبراير وتطلّب من بقيّة الطّلّاب الموافقة على نتيجة التّصويت الأولى، فقد أتى به الطّلّاب ضدّ الاقتراح، بفارق ٧٠٠ صوتٍ من أصل قرابة خمسة آلاف (بنسبة ٥٧٪ - ٤٣٪). وقد علّقت نائبة المدير سوزان فرونتير على الموضوع بعد انتهاء الانتخابات النّهائيّة، قائلةً أنّ الجامعة لم ترد إبداء رأيها في الموضوع قبل ذلك لتفادي التّدخّل في مجرى الانتخابات، ثم أوضحت أنها ضد الإقتراح وتعتبره متعارضًا مع قيم الجامعة: "حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على إسرائيل الّتي، من ضمن أمورٍ أخرى، تطالب الجامعات بقطع علاقاتها مع الجامعات الإسرائيليّة، تتناقض مع قيم التّقبّل والاحترام والّتي نعتبرها أساسيّة للمؤسّسة الجامعيّة. فهي تقترح أفعالًا تتعارض مع الحرّيّة الأكاديميّة، الإنصاف، الشّموليّة، وتبادل وجهات النّظر والأفكار في حوار مفتوح ومسؤول. هذه هي المبادئ الأساسيّة لجامعة ماكغيل" .
أما "المبادئ" المادّيّة فقد لخّصها ردّ فعل المانحين للجامعة، من خرّيجين وغيرهم، إذ أتى بالغ الحدّة، بحيث هدّد بعضهم بسحب دعمهم المادّيّ للجامعة كنتيجة للتّصويت الأوّليّ على الاقتراح (في ٢٣ من شباط). فهدّد أحد المانحين، وهو خرّيج ومحامٍ يقطن في لوس أنجلس في الولايات المتّحدة، قائلًا أنّه سوف يجمّد دعمه للجامعة حتى يرى "طريقة تعامل الإدارة مع هذا الوضع". وأضاف أنّه يتوجب على الجامعة أن تخرج ببيانٍ علنيّ لتشجب الأمر، متمسّكًا بالحجّة الخلّاقة الّتي تقارب بين نقد إسرائيل (والّذي يتقبّله لكن لا يرى له مكانًا في مناخ الشّرق الأوسط اليوم) وبين اللّاساميّة. لكنّ الاقتراع النّهائيّ الّذي كان قد أفشل الاقتراح أفرج عن أسارير الجامعة وإدارتها القلقة، بحيث علّق البروفوست كريستوفر مانفريدي على الاقتراع النّهائيّ بقوله أنّ "الجامعة قيد الحديث مع المانحين، على أمل أن تشجّعهم نتائج انتخابات اليوم". وأوضحوا أنّه بغضّ النّظر عن نتيجة الاقتراع النّهائيّة، فإنّ الجامعة لم تكن لتغيّر من موقفها من الجامعات والمؤسّسات الإسرائيليّة.
أيّ، بكلماتٍ أخرى، رأي الطّلّاب (الّذين هم "زبائن" الجامعة الأساسيّون "ومموّلوها" الأصليّون) لا يهمّ حقًّا، فالجامعة ستتمسّك بمواقفها الأكاديميّة معهم أو من دونهم.

الحكومة الكنديّة:
هل من جديد تحت الشّمس؟

جرى اقتراع المجتمع الطّلّابي الأول في مناخٍ سياسيّ جديد-قديم، بعد يومٍ من تصريح الحكومة الكنديّة الجديدة (٢٢ شباط) الّتي ابتدأت عملها في تشرين الثّاني الماضي برئاسة جاستين ترودو وحزب اللّيبراليّين، عن دعمها لتمرير اقتراح شجب الكنديّين الّذين يدعمون حركة المقاطعة. أي أنّهم صوّتوا بأغلبيّة ٢٢٩-٥١ على تمرير اقتراح الحزب المحافظ (الّذي حكم كندا طوال العقد الأخير)، والّذي ينصّ على شجب "المنظّمات أو المجموعات أو الأفراد الكنديّين الّذين يروّجون لحملة المقاطعة، داخل كندا أو خارجها". ودعم مجلس العموم الكندي ذلك بتصريحه أنّه بناءً على "تاريخ الصّداقة بين كندا وإسرائيل، كما العلاقات الاقتصاديّة والدّبلوماسيّة طويلة الأمد بينهما، يرفض المجلس حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، والّتي تروّج لشيطنة وسحب الشّرعيّة من دولة إسرائيل...". ومن المفيد التّوقّف هنا على استخدامهم لكلمة دينيّة، "شيطنة" في سياق الحديث عن الدّولة الإسرائيليّة، بحيث تربط الأخيرة بتاريخ الشّعب اليهودي كشعب مضطهد على مرّ العصور، وهي ترتبط أيضًا باستخدام العديد من السّياسيّين الإسرائيليّين لخطاب التّخويف والتّرهيب من ذلك الماضي، وبالتّالي شرعنة جميع الوسائل المتوفّرة للحؤول دون العودة لتلك الحال. في المقابل، هنالك الكثير من التّعليقات والنّقد المستمرّ لتمرير هذا الاقتراح منذ أيّام. فعلّق العديدون، منهم أعضاء من الحزب اللّيبراليّ وأحزاب وشخصيّات أخرى، على تعارضه مع الميثاق الكنديّ وحرّيّاته، بحيث يجرّم الكنديّين تعبيرهم عن رأيهم.
ولم تفاجئ هذه الحركة النّاشطين في حملة المقاطعة. فقد صرّح جاستين ترودو عبر حسابه على "تويتر" في آذار / مارس من العام الماضي بأنّه يعارض الحملة، ولا يرى لها مكانًا في الجامعات الكنديّة: "لا مكان لحملة المقاطعة، كما لا مكان لأسبوع الأبارتهايد الإسرائيلي، في حرم الجامعات الكنديّة. كخرّيج من جامعة ماكغيل، لقد خاب ظنّي". وألحق تعليقه هذا بهاش-تاغ #EnoughIsEnough، أي "كفى يعني كفى". وهو موقفٌ قد يتعارض، بطريقةٍ أو بأخرى، مع الحرّيّة الأكاديميّة الّتي تتغنّى بها فرونتير. وهو يتعارض مع سياسة كندا تجاه دولٍ أخرى. فبينما قاطعت وتقاطع كندا عشرات الدّول لخرقها حقوق الإنسان لأسباب مشابهة (أو أقلّ "سوءًا") لتلك الّتي تخرقها الدّولة الإسرائيليّة في فلسطين، يبدو أنّ الحكومة الكنديّة لا تراها بالمنظار ذاته، ربّما بسبب تلك الصّداقة المنشودة.

صداقاتٌ اقتصاديّة مع جنوب أفريقيا، آنذاك
يكتب النّاشط والكاتب الكنديّ إيف إينغلر أنّه ما بين السّنوات ١٩٨٦ و١٩٩٣، أيّ فترة فرض العقوبات الاقتصاديّة على جنوب أفريقيا، تابعت كندا علاقاتها التّجاريّة مع جنوب إفريقيا، محصّلةً ١.٦ بليون دولار من تجارتها – وأنّ الاستيرادات الكنديّة من هناك بلغت معدّل ١٢٢ مليون دولار في السّنة خلال فترة العقوبات. وخلال فترة رئاسته الحكومة الكنديّة بين الأعوام (١٩٦٨ و١٩٨٤)، تعاونت حكومة ترودو الأب (بيير ترودو) مع نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا (على الرّغم من موقفها الرّسميّ ضدّ النّظام)، بحيث استثمرت عدّة شركات كنديّة أموالها هناك. على النهج ذاته، جدّد ستيفن هاربر، رئيس الحكومة الكنديّة السّابق ورئيس الحزب المحافظ، عهده والتزامه للدّولة الإسرائيليّة وتجارته معها، موقّعًا على بروتوكول اتّفاق يقضي بتطوير ودعم العلاقات التّجاريّة بينهما. وهو ربّما ما سيفعله ترودو الابن في عهده الحاليّ. ستظهر الأيّام ذلك أو عكسه.
أمّا اليوم فيتوجب على الجامعات والمنظّمات والمجموعات الدّاعمة لحملة المقاطعة الرّدّ على الاقتراح المذكور أو الصّمت أو سحب دعمها للحملة أو تثبيته، مع كلّ ما يستتبعه ذلك من عواقب.

حملة مقاطعة لحملة المقاطعة
بينما يزداد موقف المجتمع الدّولي من إسرائيل حدّةً، نرى أيضًا ازديادًا لسياسات دوليّة تمرّر وتمارس ضدّ حملة المقاطعة وداعميها، كحال كندا في سياستها الخارجيّة والدّاخليّة، وكحال مجموعة من شيوخ "السّينات" في ولاية نيويورك، الّذين مرّروا اقتراحًا جديدًا لمنع الولاية من عقد أيّة علاقات تجاريّة بينها وبين أيّة شركة تدعم حملة المقاطعة – أيّ أنهم أطلقوا حملة مقاطعة لحملة المقاطعة.
وقد يشكّل ذلك رادعًا للدّاعمين للمقاطعة، أو قد يزيدهم تمسّكًا بها ويحفّزهم على الإستمرار. لكن من المهمّ التّطرّق أيضًا للرّادع النّفسي على هؤلاء، وما الّذي ستعنيه هذه المواقف والسّياسات لمستقبل الحركة. إنّ اهتمام الحكومة الإسرائيليّة وغيرها في الآونة الأخيرة بحملة المقاطعة وقلقها من نتائجها قد يعني نجاح الأخيرة، ولو الجزئيّ، في تحقيق ما كانت قد فشلت غيرها من المحاولات في تحقيقه في السّياق الفلسطينيّ. ولكنّه يعني أيضًا ازدياد الضّغوطات على الحملة وداعميها، في المستقبل القريب أو البعيد.
في الأكاديميا، يعني ذلك الضّغط على الطّلّاب والعاملين والأساتذة في امتناعهم عن إبداء رأيهم في سياسات دولةٍ أخرى، بشكلٍ عمليّ، اقتصاديّ، أو كلاميّ، حرصًا على شهاداتهم، وظائفهم، ومناصبهم هناك. في الشّركات، ذلك يعني خوف العاملين فيها أو أصحابها من خسارتهم وظائفهم أو أموالهم، وهلمّ جرًّا. بطبيعة الحال، الحديث المتكرّر عن حملة الحرب على حملة المقاطعة قد يمنح الأولى وزنًا لا تستحقّه، والمبالغة في قوّتها، قد يضعف من الأخيرة. لكن من المهمّ تجميع ودراسة وتحليل التّوابع الاقتصاديّة والحرب النّفسيّة المرافقة لها، وبالذّات في المؤسّسات الأكاديميّة، حيث من المفترض أن يحصل، أقلّه نظريًّا، النّقد الموضوعيّ لما حدث ويحدث في محيطها. فعندما تكون تلك مربّطة بصداقات ومصالح مادّيّة من خلفيّات معيّنة، تتغيّر الحال (المتغيّرة أصلًا) ويصبح كمّ الأفواه أسهل، ولو أنّه حاصلٌ بطريقة "قانونيّة،" ومرفق بابتسامة ديموقراطيّة.