| 

الغيوم التي تحجب السماء على امتداد مدينة رام الله تبدو كما لو أنها مرآةٌ تعكس وجه المدينة الرماديّ. الجوّ الماطر والضباب يجعلان الطريق باتجاه حيّ الشَرفة توحي بأن المنطقة خالية من حياةٍ أو حركة، لولا التواجد غير الاعتياديّ للشرطة الفلسطينية، الذي يزداد كثافةً مع الاقتراب من ميدان محمود درويش. حاجز للشرطة يمنع السيارات من العبور، وخلفه مباشرة يحتشد المئات تحت المظلات. بعد سيرٍ قصير وسطهم، وباعتلاء أقرب سور، يتضح الحجم الحقيقي للحشد: الآلاف، عشرات الآلاف حسب تقديرات المنظمين، يملأون منطقة "ميدان محمود درويش" حتى عمق الشوارع الفرعية المحيطة.


من همّ هؤلاء الآسرون؟ ولماذا هنا؟
معلمون ومعلمات من المدارس الحكومية، وطلبة إعدادية وثانوية مع أهاليهم، ومؤيدون من كلّ الفئات، بعضهم مع عائلاتهم وأطفالهم حتى، جاءوا تلبيةً لدعوة الاعتصام التي أطلقها المعلمون تحت شعار "كرامة المعلم"، في نهاية الأسبوع الأول على دخول المعلمين في إضراب مفتوح عن التدريس. الصفير والتصفيق يعلو تارةً ثم ينخفض، ليعلو مكانه هتافٌ جماعيّ: "كرامة ... كرامة". وسط الميدان، يعتلي أحد المعلمين ظهر شاحنة ويخطب في الحشد: "لهذا الاعتصام آلاف المشاركين غير الحاضرين، الذين منعتهم حواجز الشرطة الفلسطينية من الوصول من كل المحافظات!". لكن الحاجز الأخير والأهم، هو الذي نصبته الشرطة لمنع هذا الحشد نفسه من قطع مسافة ثلاثمئة متر، والوصول إلى موقع الاعتصام الأصلي: مدخل مبنى مجلس الوزراء.
هناك، ومن وراء عشرات عناصر الشرطة وسياراتهم، يزدحم ما يقارب المئة معلم ومعلمة، محاولين الإبقاء على احتشادهم الصغير وسط حلقةٍ من رجال الأمن، الذين يحاولون تفريقهم. إحدى المعلمات تصرخ في وجه الضابط الشاب: "نحن من أوصلكم إلى هنا! أهكذا تعاملوننا؟". معلمة أخرى تتوجه نحو أقرب عدسة إعلام وتعلن صارخة: "يقولون إننا مسيّرون من "حماس"! لكن أنا ابنة "منظمة التحرير"، وأبي كان مقاتلاً في لبنان!". وفي الجهة المقابلة، معلم يحاول فكّ تطويق شرطيين له وهو يصيح: "لا تبعدني عن تجمّع زملائي! أنا هنا مسالم! لا تبعدني عن زملائي!".
في طرف التجمّع الصغير، وخلف عناصر الشرطة، يجلس الأستاذ عبد الناصر طه، صاحب الإثنين وخمسين عاماً، على الرصيف، ويشرح لمحاوره تفاصيل الاعتصام: "نحن وصلنا إلى هنا منفردين قبل أن يغلقوا الطوق الأمني، ومنذ التاسعة صباحاً يحاولون من دون جدوى جعلنا نغادر". الأستاذ عبد الناصر طه يدرّس اللغة العربية في إحدى قرى منطقة شرق رام الله منذ ما يزيد عن العشرين عاماً، وهو مشاركٌ في الإضراب منذ اليوم الأول: "نحن جئنا لنطالب بحقنا بالعلاوة المستحقة لنا منذ عامين، والتي تحاول الحكومة التنصّل منها. معظم المعلمين الحكوميين اليوم يصرفون الجزء الأكبر من راتبهم على الطعام. أليست هذه سياسة إفقارٍ ممنهجة؟ واتحاد المعلمين يعقد الاتفاقات مع الحكومة على حسابنا، هل بقي لنا مخرج سوى تصعيد الإضراب؟!".
الأستاذ عبد الناصر هو واحد من قرابة أربعين ألف معلمٍ /ة حكوميّ /ة مضرب /ة منذ منتصف الشهر الماضي، مطالبين بعلاوة تتناسب مع غلاء المعيشة، وفتح فرص التدرّج الوظيفي، واستحقاقات متراكمة على الحكومة منذ عامين، بالإضافة إلى استقالة اتحاد المعلمين وانتخاب رئاسة جديدة له. الحراك الذي شغل الرأي العام الفلسطيني بدأ من خارج أطر الاتحاد، وهو الجسم النقابي الجامع للمعلمين، واستمر من خارجه، بانضباطٍ ووحدةٍ لفتا الأنظار: "كلنا نشارك في تنظيم الفعاليات على مستوانا المحلي"، يشرح الأستاذ عبد الناصر. ويكمل: "في كل مدرسة، هناك لجنة، وهناك منابر تواصل لكلّ منطقة، ومعظم تواصلنا يتمّ عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ". إنه حراكٌ منظّم بشكلٍ أفقيّ، متجاوزاً قنوات المؤسسة النقابية، لم تتمكن إجراءات الحكومة، ولا حتى من خلال توظيف المساجد للدعوة إلى فكّ الإضراب، من كسره.

استشراس السلطة
في العام 2013، أضرب المعلمون عن التدريس احتجاجاً على عدم تلبية رواتبهم لغلاء المعيشة. انتهى إضرابهم حينها باتفاقٍ مع الحكومة، التزمت فيه الأخيرة بعلاوة نسبتها 10 في المئة للمعلمين، 5 في المئة منها يضاف إلى قيمة الراتب الحقيقية، و5 في المئة تبقى مؤجلة، تُحسب ديناً على الحكومة، وتدفع "حين تتوفّر الموارد" بأثرٍ رجعيّ.
في مطلع العام الحالي، قررت الحكومة اقتطاع جزءٍ من النسبة المؤجلة، من أجل زيادة رواتب إداريي التربية. فكان الإضراب الحالي. لكن اتحاد المعلمين الفلسطينيين سرعان ما أعلن توصله إلى اتفاق مع الحكومة، تقتطع الأخيرة بموجبه نسبة 1 في المئة من العلاوة المؤجلة المستحقة للمعلمين، لتزيد بها رواتب الإداريين بنسبة 9 في المئة. بالمقابل، تفتح باب التدرّج الوظيفي أمام المعلمين، خاصة ذوي الأقدمية. غير أن لجان تنسيق الإضراب المحلية أجمعت على رفض الاتفاق، وعلى رفض تمثيل الاتحاد لهم، ودعت إلى الاعتصام، وإلى تصعيد الإضراب.
بحسب الدكتور علاء العزّة، محاضر علم الاجتماع في "جامعة بيرزيت"، فإن عنصرين أديّا إلى انفجار الأزمة بشكلها الحالي: "الأول هو "انهيار النقابات، وعجزها عن أداء دورها بعد تحولها إلى أدوات في خدمة سياسة السلطة الفلسطينية"، أما الثاني فهو "التعامل الأمني مع الحراك الاجتماعي المطلبي". المقاربة الأمنية في معالجة الحراكات المطلبية لم تتجلَّ بصورةٍ أوضح ممّا تجلت عليه خلال حراك المعلمين الحالي. فعقب رفض المعلمين اتفاق الاتحاد مع الحكومة، وإعلانهم الاستمرار في الإضراب، أقدمت الأجهزة الأمنية الفلسطينية على اعتقال عشرات المعلمين في الضفة الغربية والتحقيق معهم، بالإضافة إلى نصب الحواجز ومنع المعلمين من دخول رام الله للمشاركة في الفعاليات المركزيّة. ولم يتوقف الأمر عند حدّ التعامل الأمنيّ المباشر، بل إن الحكومة لم تتوانَ عن اتهام الحراك بتبعيته لأجندات سياسية خاصة.
موقف الحكومة من استمرار الحراك، اتفق معه اتحاد المعلمين. أحمد سحويل، رئيس الاتحاد الذي يطالب المعلمون باستقالته، لا تنقصه الصراحة في تقييم الحراك "بان للقريب والبعيد أن الإضراب مسيّس ومسيّر لأجندات خاصة. ففي الأيام الأولى من الإضراب جاء إلى مكتبي أفراد من جهات سياسية لا أريد تسميتها، يعرضون تقاسماً للحصص". ويعتبر سحويل أن اتفاق الاتحاد مع الحكومة كان "اتفاقاً نوعياً، يفتح باب التدرج الوظيفي للمرة الأولى أمام المعلمين، ويضمن العدالة بينهم وبين الإداريين، الذين برغم قلة عددهم مقارنة بالمعلمين، لم يحظوا بعلاوة على راتبهم"، معتبراً أن السبب الرئيسي وراء استياء المعلمين هو "مماطلة الحكومة وتأخرها في الإيفاء بالتزاماتها".
رئيس حكومة تسيير الأعمال الفلسطينيّة رامي الحمد الله، كان قد صرّح في بداية الإضراب أن الحكومة طبّقت اتفاق 2013 على أكمل وجه، وأوفت المعلمين حقهم. لكن كلماته لا تجد صدىً في بيت الأستاذ عبد الناصر طه. محاطاً بطفليه، يصطحب الأستاذ الزائر إلى مطبخه ويسترسل شارحاً: "خلال الشتاء، تزداد تكاليف الغاز، لأننا نحتاج إلى جرّة للطهي وأخرى على الأقل للتدفئة. مع تكلفة الطعام وفاتورة الماء والكهرباء، نصرف ألف شيكل بسهولة. كمصاريف إضافية، عندي طفلان يستلزمان مصروفاً يومياً غير الملابس وحاجات المدرسة، وعندي ثلاثة أبناء كبار أدخلتهم جميعاً الجامعة بعملي وكدحي. هم اليوم موظفون ويعتمدون على أنفسهم، لكن مصاريف الصغيرين والمواصلات اليومية من وإلى العمل، التي تصل شهرياً إلى 400 شيكل، تأخذ مني ألف شيكل أخرى.. ناهيك عن الالتزامات العائلية المتفرقة".
راتب الأستاذ عبد الناصر أعلى من متوسط راتب المعلم الحكومي في فلسطين، الذي يتراوح بين 2000 و2500 شيكل. وعلى الرغم من ذلك، فهو يعمل نجّاراً بعد الظهر كي يغطّي جميع التزاماته الشهرية: "جميع زملائي يعملون في مهن أخرى بعد الدوام. فأنا نجار، وذاك حداد، وذاك سائق عمومي، وآخر يعطي الدروس الخصوصية... لو اعتمدنا على رواتبنا وحدها لما استطعنا العيش بالحد الأدنى من الكرامة". يوضح الأستاذ عبد الناصر ذلك وهو يجلس أمام شاشة حاسوبٍ بيتيّ، يناقش أمر الإضراب مع زملائه في "منبر خط القرى الشرقية" عبر موقع "فايسبوك". يبتسم بشيءٍ من الحياء عند سؤاله عمّا توصل إليه حديثه مع زملائه، ويجيب باقتضاب: "لا جديد. الإضراب مستمر".

"فتح" في الناحيتين
عند سؤاله حول مطلب المعلمين باستقالته، يجيب رئيس الاتحاد أحمد سحويل: "أنا لم أعد رئيساً للاتحاد. فقد قدمنا، أنا وكل هيئة الاتحاد، استقالاتنا أمام اللجنة المركزية لحركة "فتح"، ومفوضية المنظمات الشعبية في الحركة. فأبناء "فتح" يشكلون السواد الأعظم من الاتحاد". لا يجد سحويل تناقضاً بين تقديم استقالته من اتحادٍ وطني جامع أمام هيئة حزبية، وبين اتهام حراك المعلمين بالتسيّس. بل إنه يصرّ على أن "الخروج على الاتحاد يخدم مصالح فئوية مسيّسة، لا مطالب نقابية، والمعلمون مسيّرون لأجندات خاصة وإن لم يعلموا". بحسب الدكتور علاء العزة، فإن هذا المنطق يعود لكون الاتحاد "جزءاً من منظومة السلطة، كونه أصلاً أحد هيئات منظمة التحرير، التي تماهت اليوم مع السلطة الفلسطينية". منطق يؤكده أحمد سحويل، إذ يُسأل عمّا إذا كان الاتحاد لا يزال يمثل المعلمين فيجيب: "الاتحاد يمثّل الجسم النقابيّ الشرعيّ في إطار منظمة التحرير الفلسطينيّة، ولهذا فهو يمثل كلّ المعلمين".
من ناحيته، لا يغفل الأستاذ عبد الناصر طه الجانب السياسيّ في كون الاتحاد جزءاً من "منظمة التحرير": "نحن نعلم هذا الأمر ونعيه جيداً. لذا، تعمدنا أن يتقدم معلمون محسوبون على حركة فتح الاعتصامات ومنابر الاحتجاج، لكنهم يتجاهلون حتى هذه الحقيقة، وهي أن معظم المضربين من أبناء منظمة التحرير. نعم، هناك معلمون من جميع الانتماءات، وآخرون مثلي لا يتبعون أيّ حزب، لكن أليس من المفترض أن يمثل الاتحاد جميع المعلمين؟". بالنسبة إلى الأستاذ عبد الناصر، فإن مطلب استقالة الاتحاد ورئيسه لا يزال قائماً: "استقالتهم غير حقيقية. عليهم أن يقدموا استقالاتهم أمام اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، لا أمام حركة فتح". ويضيف: "سحويل انتُخب بمئتي صوت، في اجتماعٍ انتخابيّ دعوا إليه من أرادوا دعوتهم. نحن نطالب بانتخاباتٍ جديدة على أسسٍ نزيهة يشارك فيها الجميع".

سرّ تنظيم الحراك
لكن علامة الاستفهام الكبرى لا تزال تحوم حول كيفية تمكّن المعلمين من الانتظام، بلا قيادة، وبشكلٍ منضبطٍ وموحّد، خارج إطار الاتحاد وبمواجهته. يشرح الأستاذ عبد الناصر أن "المعلمين يلتقون دورياً في دورات أو لقاءات تدريبية تنظمها الوزارة، وهذا سهل علينا معرفة بعضنا البعض في مناطقنا والوطن بشكل عام. من هنا، بدأت لجان المدارس تتواصل عبر "منابر" على شبكات التواصل. فلكلّ منطقةٍ منبرٌ يُستخدم من أجل تبادل الخبرات والتواصل التربوي بشكلٍ عام. ما شكل أساس انتظامنا الحالي".
هذه المنابر التي بدأ اسمها يبرز في الإعلام المحلي، راحت تتحول، أثناء الإضراب، إلى أجسامٍ تنظيميّة نقابيّة، لها وجوهها الأبرز داخل الحراك، كما يؤكد الأستاذ عبد الناصر. ويصرّ على أنها "لن تكون في يوم بديلاً عن الاتحاد. فالاتحاد هو مؤسستنا التاريخية ونريد الحفاظ عليها بإصلاحها. لكننا كقاعدة للاتحاد ننظم أنفسنا لتمثيل أنفسنا، حين يعجز الاتحاد عن ذلك".
هذه الأزمة في القدرة على تمثيل القاعدة، هي التي يرى فيها الدكتور علاء العزة جوهر الإشكالية بين المعلمين والاتحاد، "فعلى البنى المؤسساتية أن تبرر شرعيتها باستمرار، وبالتالي تجدد قدرتها على تمثيل قواعدها، وهذا ما تعجز عنه المؤسسات الفلسطينية اليوم". أزمة يراها الأستاذ عبد الناصر في طريقها إلى التصعيد، إذ بدأت القاعدة تتحرك وتنطق باسم نفسها.

ديماغوجية السلطة:
"فلنتوحّد ضد الاحتلال"!

في أكثر من مناسبةٍ خلال خطاباته في السنتين الأخيرتين، طلب الرئيس الفلسطينيّ محمود عباس من النقابات عدم زيادة الضغط على السلطة الفلسطينية، مراعاة "لاشتباكها الدبلوماسي" مع إسرائيل والضغط الدولي الخارجي عليها. منطقٌ ردّده مسؤولو الحكومة خلال إضراب المعلمين الحالي، وانضم إليه اتحاد المعلمين نفسه. بالنسبة إلى أحمد سحويل، رئيس الاتحاد، فإن "الاستمرار في الإضراب يثير قضايا جانبية تشتت الجهود، بينما يجب توحيد الجهود ضدّ المحتلّ". يأتي هذا الخطاب في سياق إضرابٍ نقابيّ يتزامن مع استمرار هبّة شعبية ضد الاحتلال الإسرائيلي، تنتج الشهداء والأسرى بشكلٍ يومي.
بالنسبة إلى الأستاذ عبد الناصر، فإن هذا الخطاب "لا يقنع أحداً، لأنهم عندما يعطلون نضالنا النقابي، لا يقاومون الاحتلال. بل إننا إذا أردنا مقاومة الاحتلال، فسيمنعوننا أيضاً"، ويؤكد أقواله: "نحن المعلمين استلهمنا من شباب الانتفاضة القدرة على تنظيم أنفسنا والنضال خارج وصاية أي مؤسسة، تماماً كما يخوضون هم الانتفاضة خارج إطار الفصائل". ويضيف: "مجال حراكنا ليس سياسياً، لكنه في صلب القضية الوطنية. فالحقوق الوطنية لن تحصل ما دام المعلم يُحرم من حقه".
ويذكّر هنا الدكتور علاء العزّة بأنه "في فترةٍ سابقة، كانت الحركة النقابية هي المحرك الأساسي للنضال الوطني وللانتفاضة. ففي كلّ مكانٍ في العالم، يعتبر الحراك النقابيّ ذا بعدٍ سياسيّ، وبالتالي، يتكامل دوره الاجتماعي مع دوره الوطني". دورٌ يثبت المعلمون أنهم يعونه جيداً، ويعرفون كيف يتعاملون معه: "تحرر الوطن يبدأ في غرفة الصف"، يقول الأستاذ عبد الناصر طه وهو يحتضن أحد طفليه: "لا يمكنني أن أعلّم طلابي كرامة الوطن إن كنت أنا أفتقد لكرامتي كإنسان".
الكرامة. هي الشعار الذي احتل مركز احتجاجات المعلمين، والكلمة التي وحدت أكثر من سواها أصوات المعتصمين في ميدان محمود درويش، وقد وجدت صداها في الشارع الفلسطيني الذي تفاعل مع "كرامة المعلم" بحيويةٍ لا تقل عن حيوية تفاعله مع شهداء الانتفاضة.
شعارٌ وجد فيه الفلسطينيون عنواناً يعكس الفراغ الذي يرزح عنده واقعهم الاجتماعي، والسياسي، والوطني، في ظل غياب قضايا الإنسان الفلسطيني وظروفه عن جدل العملية السياسية، داخلياً في سياق الانقسام، وخارجياً في مواجهة غطرسة الاحتلال وشلل العملية التفاوضية.
شعار الكرامة الذي لخّص مطلب الإنسان الفلسطينيّ المنتفض، وجد صداه أيضاً في الشرطي الفلسطيني الواقف على الحاجز الذي يمنع مرور المعلمين إلى مبنى مجلس الوزراء. فيبتسم وهو يتكئ على درعه البلاستيكي بينما يردد بصوتٍ منخفض مع صوت الحشد: "كرامة... كرامة"، فيما تلوح فوق رؤوس المحتشدين لافتةٌ كبيرة تحمل شعار "كرامة المعلم" إلى جانب اسم "محمد القيق" الأسير البطل في سجون الاحتلال. تهزها يد حاملها على إيقاعٍ الهتاف.
على ظهر شاحنة، وقف معلّمٌ يخطب، فعلت كلماته وسط الجو الماطر: "أمامكم حراك ثوري، ثواره يحملون القلم والدفتر..."، فيما تحجب الغيوم الملبدة السماء عن رام الله، كمرآةٍ تعكس وجه المدينة الرماديّ الراهن على امتداد الأفق.