| 

قبل انقضاء أقلّ من أربع وعشرين ساعة على اغتيال الشهيد عمر النايف، خاطب رئيس الحكومة الإسرائيلية نظيره البلغاري بيوكو بوريسوف، في حفلٍ عقدته الجالية اليهوديّة البلغارية في القدس، قائلاً: "يا بيوكي، كلانا واجه هجمات إرهابية من المصدر ذاته". فرد بوريسوف: "لقد حقّقنا إنجازات كثيرة معاً". وفي مستهل اجتماعٍ به في مقرّ الحكومة، قال نتنياهو: "إسرائيل وبلغاريا خلال السنوات الأخيرة عزّزتا التعاون في القضايا الإستخبارية والأمنيّة".

بلغاريا هامّة لإسرائيل
أكّد رئيس الوزراء البلغاري بيوكو بوريسوف أن إسرائيل كرّرت طلب تسليمها النايف، خلال اجتماعه بنتنياهو في القدس قبل أقل من أربعٍ وعشرين ساعة على عملية الإغتيال. لم تعلن إسرائيل مسؤوليتها عن تنفيذ هذه العملية، ولكنها حرصت عبر إعلامها على الإيحاء والتلميح لمواطنيها الإسرائيليين، كعادتها في مثل هذه الحالات، بوقوف المخابرات الإسرائيلية "الموساد" خلف العملية. هكذا فعلت الإدارة الإسرائيليّة منذ أولى عمليات الاغتيال التي استهدفت فيها منذ السبعينيات مناضلين فلسطينيين وعرباً.
القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي، مثل غالبية وسائل الإعلام الناطقة بالعبريّة، تعمّدت إبراز ردّ فعل أخت مستوطنٍ قُتل خلال هجومٍ شارك بتنفيذه النايف، في بلدة القدس القديمة في العام 1985. أعربت الأخت عن سعادتها بـ "تصفية النايف"، قائلةً: "أنا مؤمنة بأن يد الله ليست هي من أخذته وقذفت به من فوق الطوابق السبعة. ما تمّ هو إغلاقٌ للحساب معه. من المهم أن نعرف أن كلّ قاتلٍ يأتي أوان إعدامه شنقاً". أما موقع القناة الإلكتروني الإخباريّ غير العبريّ فقد اختار العنوان التالي لتقريره عن اغتيال النايف: "يومٌ مفرح: اغتيال القاتل الهارب في بلغاريا".
امتناع إسرائيل عن الإعلان عن اغتيال النايف، معطوفاً على تلميحها للإسرائيليين بأن يد "الموساد" تقف خلف العملية، جاء لتلافي إحراج رئيس الوزراء البلغاري بويكو بوريسوف أمام الرأي العام في بلاده. فمن غير المستبعد، بل من المرجّح، أن تكون العملية قد تمّت بموافقته، إذ أن إسرائيل لن تقامر بعلاقتها مع بلغاريا. فهي علاقةٌ تتطوّر بشكلٍ متسارع، وتراهـن عليها إسرائيل باعتبارها سوقاً محتملة لحقول غازها التي تفتقر لزبونٍ ضخمٍ يبرّر تكاليف الإستخراج. كما يرى فيها نتنياهو جزءاً هاماً من التعاون المشترك الذي ينسجه في مجال الغاز الطبيعيّ إلى جانب اليونان وقبرص.

توافق سرّي على الاغتيال؟
نتنياهو يعتبر بويكو بوريسوف صديقاً شخصياً له. وبحسب الإعلام العبريّ، فقد شكره على دعم بلغاريا لإسرائيل أمام المحافل الدوليّة المختلفة. وكان بذلك يقصد امتناعها عن التصويت لصالح الاعتراف بفلسطين كدولةٍ بصفة مراقب في الهيئة العامة للأمم المحتدة، وقبول عضويتها في اليونسكو. وتحفظت بلغاريا أيضاً على قرارات الإتحاد الأوروبي المتعلقة بالإستيطان. وأضاف نتنياهو إلى الشكر إعلاناً: "نحن ننوي خفض الضرائب على البضائع المتبادلة بين الدولتين". إن إستعادة هذه التفاصيل تؤكد فرضيّة أن تعزيز العلاقات هام جداً بالنسبة إلى الطرفين، وخطوة مثل اغتيال النايف لا يمكن أن تمرّ من دون تنسيقٍ وإلا فهي قادرة على وضع تلك المخططات في مهبّ الشكّ.
في حال استبعاد ضلوع أحد من العاملين والمتواجدين داخل السفارة في جريمة الإغتيال التي تمت في ساعات الليل لمّا كان النايف وحيداً هناك، فمن المفترض أن توثّق الكاميرات الأمنيّة أيّ تحركاتٍ في محيط السفارة. تلك هي أبسط الإجراءات القائمة في محيط أي سفارة، ناهيك عن سفارة فلسطين تحديداً التي لجأ إليها النايف بعد إفلاته من محاولة الشرطة البلغارية اعتقاله في منزله تمهيداً لتسليمه لإسرائيل. فلجوء عمر النايف هو حدثٌ من شأنه أن يدفع بأيّ جهاز شرطةٍ أو مخابرات لتشديد الإجراءات في محيط السفارة، لسببين: أولاً لرصد النايف واعتقاله فوراً في حال حاول أن يغادر السفارة، وثانياً، لمنع اغتياله داخل السفارة لاسيما وأن إسرائيل تطالب بتسليمه لها. ومع ذلك، تمّت عملية الإغتيال، واصرت السلطات البلغارية على عدم وجود كاميرات أمنية في محيط السفارة، وهو أمرٌ مستحيل الوقوع في دولة أوروبية.

أسباب الاغتيال: عمر، وأبعد
عمر النايف، بالنسبة إلى جيش الإحتلال وأجهزته الإستخبارية، هو رمزٌ لفشلها. والقضاء عليه يصبح تالياً أمراً مُلحّاً. فقد نجح أولاً بتنفيذ هجومٍ. وبعد أسره، نجح ثانياً بالفرار من سجانيه. ثم أفلح بمغادرة فلسطين إلى دولة عربية، ومنها إلى بلغاريا. وفي حال توافرت الظروف لإنهاء "قصة النايف" على نحو مُرضٍ لإسرائيل، فالأخيرة لن تتردّد في ذلك. هذا هو المنطق الذي يحكم عمل "الموساد".
خلال الشهور الماضية، ظهرت الحكومــة الإسرائيلية وأجهزتها الإستخبارية في موقع العاجز في عدّة ملفاتٍ لعلّ أهمها إخفاقها في عرقلة الإتفاقية الدولية حول المشروع النووي الإيراني، ودفع المجتمع الدولي للإبقاء على العقوبات المفروضة على إيران. ويأتي ذلك بالتوازي أيضاً مع فشلها في إستعادة الشعور بالأمن الشخصيّ للمستوطنين، إذ فقدوه بسبب استمرار انتفاضة المهاجمين الفرديين. وفي ظلّ هذه الحالة، فإن عملية اغتيال مع هامش خطورةٍ قليلٍ جداً تستعيد لـ "الموساد" صورته كالقادر على كلّ شيء، وتعزز ثقة الإسرائيليين بأذرعهم الطويلة. وبذلك أيضاً، يضيف نتنياهو ورئيس "الموساد" الجديد يوسي كوهين الذي عُيّن قبل عدة شهور، عمليةً ناجحة إلى سجلهما. وبهذا، يكون كوهين قد زرع في وعي الإسرائيليين أنه باشر بإنجاز المهمة الرئيسية على جدول أعماله، التي أعلن عنها عند توليّه منصب قيادة الجهاز، وهي: الحفاظ على القدرات العملياتيّة للجهاز.
من بين الرسائل التي أرادت إسرائيل أن ترسلها مع اغتيال النايف، أتت واحدةٌ موجّهة إلى الأسرى الذي تحرّروا عنوةً من سجونها بموجب صفقة شاليط، وغادروا فلسطين. تريد أن تقول لهم: أنتم لستم في مأمن، وأذرع إسرائيل ستلاحقكم أينما كنتم. وهي محاولة لثني المحرّرين عن مواصلة نضالهم، ولدفعهم إلى تبديد جزءٍ كبير من جهودهم للحفاظ على أمنهم الشخصيّ، بدلاً من مواصلة النضال ضد الإحتلال.
أما الرسالة الأخرى الهامّة فهي موجّهة لسلطات أيّ دولة تقبل بإقامة أيّ أسيرٍ /ة فلسطيني /ة محرر /ة على أراضيها، بأنها ستجد نفسها محرجة أمام رأيها العام. أبلغت هذه السلطات بأن إسرائيل تغتال أعداءها فوق أيّ أرضٍ تحملهم، ومن دون الإلتفات لأيّ اعتبار.