| 

كتب على صفحته في "فايسبوك"، وهو على حافة الموت: "أشعر بالاختناق، لم أعد أحتمل.. أفكّر جديّاً بوضع حدّ لحياتي!"، مُرفقاً الكلام بصورة تعبيريّة لشاب تلتهمه النيران. لم يلقِ أحد من أصدقائه بالاً في ما يُفكّر بالإقدام عليه، على اعتبار أنّه عالمٌ افتراضيّ، والعشرات من الأصدقاء يسطّرون هذه العبارات وقتما ينظرون لبؤس الحياة وجحيمها في القطاع. بعدها بساعات، جلس بالقرب من "دوّار" عام جنوب قطاع غزّة، ارتشف آخر فنجان قهوة ابتاعه من إحدى العربات المتجوّلة هناك، دخّن سيجارتين، وعلى طريقة مُفجّر الثورة التونسيّة محمد البوعزيزي، فعل ما يفعله الصاعدون إلى الله، نسي الألم.
بعد محاولتَيْ انتحار فاشلتين، عزم الشاب عزمي البريم (33 عاماً - من منطقة "بني سهيلا" إلى الشرق من محافظة خان يونس في جنوب قطاع غزّة) على إنهاء حياته، بعدما يئس من اشتداد أزمتَيْ البطالة والفقر في قطاع غزّة. وضع عزمي حدّاً لحياته، أمام أنظار الجميع، وسكب البنزين على جسده. أشعله من آخر سيجارة دخّنها، رقد أربعة أيّام في العناية المُكثّفة، ثم مات. في البداية، قيل إن نزاعاً مالياً مع والده جعله يحرق نفسه، لكنّ الوالدين نفيا في حديثٍ مُقتضب مع "السفير" ذلك. فقد تبيّن أنّ السبب هو ذلك الوضع الاقتصادي والإنساني الصعب في قطاع غزة: حاول الشاب تغيير الوضع الراهن عن طريق التضحية بروحه.
قبلها بأيّام، عُثر على شاب وسط قطاع غزّة ميّتاً في منطقةٍ مفتوحة، ولم تُذكر أسباب وفاته. بعدها بساعات قليلة، عُثر على شاب آخر من مدينة خان يونس مشنوقاً في أرض زراعيّة في المدينة، ومن ثمّ تحدّثت وسائل إعلامية عن قيام شاب بإلقاء نفسه من الطابق السادس في رفح جنوب القطاع، لكنّ أهله نفوا أن يكون ألقى بنفسه عمداً. قبل ذلك بأقل من 24 ساعة، انتحر شاب آخر في العشرينات من عمره.. الأنباء القاتمة تتوالى، زوجة تقتل زوجها، شاب يحاول الانتحار ويفشل، آخر حاول ذبح نفسه لولا تدخّل المارة في المنطقة ونقله للمستشفى، ... جميعها حالات متتاليّة وقعت في أقل من أسبوعين، ليجري الحديث عن تسلسلٍ عشوائيّ لشبّان يضعون حدّاً لحيواتهم، نتيجة الوضع الاقتصادي والإنساني الصعب في قطاع غزة!

اليأس يحاصر الحياة
خبر انتحار الشاب عزمي البريم وقع كالصاعقة على ذويه وأصدقائه. واحدٌ منهم أكّد لـ "السفير" أن عزمي كان يُعاني كآلاف الشباب في قطاع غزّة من ندرة فرص العمل والفقر، لكنّه لم يتصوّر أن يُقدم على حرق نفسه. يضيف: "قبل وفاته بأيّام، كنا جالسين في ليلة ماطرة شديدة البرودة، أشعلنا الحطب، ورحنا نتسامر ونُدفِئ أنفسنا. حكينا عن الأوضاع الصعبة، حتّى أن بعضنا لا يجد مالاً ليدخّن سيجارة واحدة يوميّاً. لكن، في النهاية، علّقنا آمالنا على تحسّن الأوضاع قريباً، وانفراج الحال.. هذه كانت آخر ليلة أرى فيها عزمي!".
بحسب بعض المراكز الحقوقيّة في غزّة، تم الإبلاغ عن سبع حالات انتحار في شهر يناير /كانون الثاني في غزّة من أصل 30 محاولة انتحار، جميعها تمّت في بيئة تُعاني الأمرّين من انقسام داخلي، فقر، بطالة، وحصار مُحكم أدّى لتدهور خطير في مناحي الحياة كافة. الغريب في الأمر أنّ المواقع التي تُديرها "حركة فتح" يجري الحديث فيها عن ظاهرة اجتماعيّة مُثيرة للقلق، نابعة من النتائج الكارثيّة للحياة في القطاع، في حين تحاول مواقع "حركة حماس" الإسلاميّة التي تُسيطر على القطاع التقليل من حجم المأساة. مع ذلك، فإنّ الحديث يجري عن شيء أعمق بكثير، إذ أصبح اليأس من الحياة خطيراً جداً في غزّة، وعلى مستويات عامة.
بالنظر إلى قطاع غزّة بعد عشر سنوات من الحصار، وكذلك حكم "حماس" بالقوّة فيه، فإنّ الأوضاع الإنسانيّة هي الأصعب بالمُقارنة مع زمن حكم السلطة لقطاع غزّة قبل العام 2006. لا أمل لدى الشباب بتحسّن الأوضاع، خاصة أنها في تدهورٍ مستمر. باتت غزّة كالسجن الكبير الذي يستحيل الخروج منه في ظل إغلاق المعابر، والخالي من أي إمكانية يسلكها المُستقبل، لاسيما وأنّ الجامعات في غزّة تضخ 20 ألف خريج سنويّاً. بماذا يعملون؟ لا شيء. إذ لا تتوفر فرص العمل سوى لأبناء التنظيمات. البطالة وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، والفقر هنا تخطّى كل الحدود، ولا توجد كهرباء ولا ماء نظيف يمكن شربه من الصنبور.
أستاذ علم النفس والأخصائي الاجتماعي د. محمد يوسف، يُشير إلى أنّ ازدياد حالات الانتحار مؤخراً، خاصة بين فئة الشباب، يرجع إلى غياب العدالة في فلسطين عامة، وعلى وجه الخصوص قطاع غزّة: "كل هذه الضغوط أدخلت الشباب في نفق مُظلم، فهم تارة يُسافرون عبر البحر إلى أوروبا ليلقوا حتفهم في البحار، وتارة أخرى يضعون حداً لحياتهم". يُضيف: "المنتحرون غالبيتهم من الشباب، وذلك لأن هذه المرحلة العمرية مرتبطة بتحقيق الإنجازات والأمل والتفاؤل لتحقيق الذات. فإذا ما عجز الشاب عن تحقيق ذلك كله، يصبح عمره دافعاً مثالياً للانتحار".

الحرب هي حلّ؟
تعقيباً على حالة اليأس المُطلق في قطاع غزّة، ذكرت تقارير حقوقيّة في الآونة الأخيرة أنّ نتائج الأزمة لا يمكن حصرها بجدار على الحدود، وبالتالي المطالبة بتحسين الوضع الاقتصادي والإنساني المتدني في القطاع. وقد رأت أن ضغط الحياة قد يؤدي إلى ضغط الرأي العام على "حماس"، خصوصاً الذراع العسكري لها، لمهاجمة إسرائيل. فقبل الحرب الأخيرة التي فرضتها إسرائيل على القطاع في العام 2014، كانت "حماس" عاجزة عن دفع رواتب موظفيها، وأملت من المقاومة أن تساهم الحرب في رفع بعضٍ من الحصار.
الكثيرون في غزة يدّعون أن الشارع في القطاع لا يريد التصعيد، وقد يكونون مصيبين في ذلك. ولكن، في الأسابيع الأخيرة، علت أصوات تنادي بالحرب. بكلمات أخرى، الوضع الإنساني الصعب ينتج حالة من اليأس في وسط السكان تجعلهم يطالبون برفع الحصار حتى ولو كان الثمن حرباً أخرى. فهم يعتقدون أن الحرب على غزّة يُمكن، بحال من الأحوال، أن تُغيّر الوضع القائم، فالأوضاع لن تؤول إلى ما هو أسوأ من القائم حاليّاً.
أحد العوامل الأساسية للشعور بالحصار أو ما يسمّونه "السجن الكبير" هو عمليات الجيش المصري ضد الأنفاق في منطقة رفح، وتدميره مئات الأنفاق التي كانت تزود خزينة "حماس" بمئات ملايين الدولارات. بقيت أنفاقٌ معدودة فقط لا تكفي احتياجات الغزيين. أيضاً، 40 ألف شخص كانوا يعتاشون بشكلٍ مباشر أو غير مباشر من أعمال الأنفاق صاروا بلا عمل.
إغلاق الأنفاق منع تهريب الأسلحة لحركة "حماس"، وقلل من تهريب المخدرات للقطاع، أيضاً. على سبيل المثال، شريط "الترامادول" (مخدّر مهدّئ كان منتشراً بشكل كبير في قطاع غزة) الذي يحتوي على 10 حبّات، كان في الماضي يُباع بـ 20 شيكل، وصار سعره 200 شيكل، وأحياناً أكثر.
الإغلاق أدّى إلى هبوطٍ دراماتيكي في دخل "حماس" المبني على اقتصاد الأنفاق، مع معدل البطالة المرتفع الذي تصل نسبته إلى 38 في المئة. كذلك، ما يقارب 100 ألف مواطن أصبحوا بلا جدران بعد الحرب الأخيرة. يمكن تخيّل الحياة اليوم في القطاع، علماً أن الشتاء الأخير فاقم المشكلة، في حين أن أغلب المنازل لا يصلها التيار الكهربائي لأكثر من 10 ساعات أو 14 ساعة في اليوم. لا تمكن تدفئة البيوت بواسطة الكهرباء إذاً، ولا بديل متوفر: يعاني القطاع أزمة غازٍ حادّة أيضاً!