| 

طنجرة، كيسٌ بلاستيكي، وشريطٌ لاصق. قد يبدو تعداد هذه العناصر غريباً، لكن المصوّرة سمر أبو العوف حوّلتها إلى درعٍ خاصٍ بالصحافيين مبتكرةً لنفسها أدوات حمايةٍ خاصة في ظل احتدام المواجهات بين الاحتلال الاسرائيلي والشبان الفلسطينيين.
تسرد أبو العوف لـ "السفير" حكاية معدّاتها الخاصة: "أحضرت طنجرة الرأس وطليتُها باللون الأزرق ثم كتبتُ عليها بالشريط اللاصق كلمة TV، وارتديتُ الكيس الأزرق بعدما كتبت كلمة Press عليه بواسطة اللاصق ذي اللون الأبيض". وتوضح أبو العوف أن غرضها من هذا الابتكار غير التقليدي يتمثل بالحاجة الملحة لتعريف الصحافي/ة عن نفسه/ا، بما يميّزهم/ن عن الطواقم الطبية من جهة وعن الشبّان من جهة أخرى: "أن تغطي فتاة المواجهات في منطقة ناحل عوز في قطاع غزة تعدّ مغامرة خطيرة. لذلك، ارتديت معدّاتي التي صنعتها بنفسي، فالرصاص وقنابل الغاز تنهمر من كل حدبٍ وصوب على منطقة المواجهات قرب الحدود".
وتشدّد أبو العوف أن الغاية من الدرع الخاص بها تعريفية أكثر من كونها تحمي من رصاص الاحتلال، مشيرةً إلى أن الدرع الواقي الخاص والمعدّات الصحافية الأخرى اللازمة للتغطية تعدّ مرتفعة الثمن بالنسبة لصحافية حرّة لا تعمل بانتظام مثلها.

ثلاث حروبٍ
بدأت سمر أبو العوف مسيرتها في مجال التصوير في العام 2010، لكنها وجدت أن التصوير الفنيّ وغير الخطِر لا يلبّي سقف طموحها، فانتقلت لتغطية الأحداث الساخنة منذ عام 2011 وزجّت بنفسها على خط النار: "نجحت في تغطية ثلاث حروبٍ شنها الاحتلال على قطاع غزة، آخرها عام 2014. غطّيتها يومياً ولم أمتلك درعاً أو خوذة أو أي معدّاتٍ تعريفية على مدار 51 يوماً"، تقول أبو العوف.
تحدد الصعوبات التي واجهتها في تجربتها الشخصية خلال تغطية المواجهات على الشريط الحدودي خلال انتفاضة القدس معتبرة أن "أبرزها عدم توفر المعدات الكاملة للتصوير الصحافي خاصة تلك التي تتعلق بالحماية والسلامة". ولكن الأصعب هو "عدم انتظامي في مجالٍ للعمل مع مؤسسة صحافية، ومسألة المواصلات أيضاً متعبة ومكلفة خاصة في ظل استمرار المواجهات في المناطق الحدودية التي تبعد عني مسافة طويلة، ومعظم المواجهات تندلع في أيام شح المواصلات كيوم الجمعة".
أصيبت بالاختناق عشرات المرات، أخطرها كانت في منطقة جباليا قبل نحو عام، "غبت عن الوعي، وأنقذني الشبان من حولي ونقلوني للاسعاف. بالمناسبة، في الأيام الأولى لتغطية المواجهات، كُنت أشعر أنني غريبة كوني الصحافية الوحيدة في المناطق الحدودية، لكن سرعان ما انسجمت مع الواقع وتكّيفت مع الظروف، وبنيت شبكة علاقاتٍ واسعة لتسهيل العمل في المكان"، وفق أبو العوف.

صحافيّة سلواد
شذى حمّاد هي نموذجٌ آخر من الصحافيات اللواتي فضّلن وضع بصماتهن في الميدان بانفراد، وهي تعمل حالياً في شبكة "هنا القدس للإعلام المجتمعي"، ومع "شبكة قدس الإخبارية"، و "إذاعة صوت القدس". ورغم أن حمّاد تركّز تغطياتها الصحافية على المواد المكتوبة من تقارير وقصصٍ خاصة تتعلق بمدينة القدس، إلا أن العامين الماضييْن شكّلا علامة فارقة بالنسبة إلى مسيرتها الصحافية في الميدان: "الأحداث التي تصاعدت في بلدتي سلواد شرق رام الله خلال عامي 2013 و2014 دفعتني لمتابعة المجريات مع نشطاء المقاومة الشعبية عن كثب إثر محاولة مجموعة من المستوطنين الاستيلاء على إحدى أراضي البلدة".
الخامس والعشرون من أكتوبر /تشرين الثاني من العام 2014 هو تاريخٌ لا يُمكن أن تنساه شذى حمّاد، وقد مثّل أيضاً الانطلاقة الفعلية لها كصحافية مصوّرة في الميدان: "في هذا التاريخ، إرتقى الطفل عروة حماد شهيداً خلال المواجهات التي كانت مندلعة قرب المدخل الغربي لسلواد، وقررت منذ تلك اللحظة البدء بالتغطية الميدانية لإيصال التطورات لوسائل الاعلام وللصحافيين، ولعل الدافع الأبرز لذلك هو ملاحظتي وجود ضعفٍ في الاهتمام الاعلامي، وتهميش تغطية ما يدور بنا من أحداث شبه يومية من جهة، وتصاعد اعتداءات الاحتلال واقتحاماته من جهة أخرى"، وفق حمّاد.
توضح أنها ليست بمصوّرة صحافية محترفة، لكنها وضعت على عاتقها مسؤولية توثيق الحقائق وتطورات الأحداث، مشيرةً إلى أنها تتواصل عبر بريد الكتروني خاص لهذا الغرض مع عددٍ واسعٍ من الصحافيين، وتُرسل خبراً مرفقاً بالصور حول كافة الأحداث المتعلقة ببلدة سلواد.
تؤكد الصحافية حمّاد أنها لامسَت تطوراً ملحوظاً من ناحية اهتمام الاعلام المحلي بالبلدة، حيث تجاوبت معظم وسائله معها ونشرت ما يصلها، بعدما أصبحت الصحافية محط ثقة لهم.
"إصابةٌ بالرصاص المطاطي مباشرة.. درعٌ بشري للاحتلال أمام الحجارة.. قنابل الصوت والغاز.."، هذه بعضٌ من الصعوبات والاعتداءات الاسرائيلية التي استهدفت شذى حمّاد في أثناء تغطيتها للمواجهات: "لا تتوقف اعتداءات الاحتلال عند هذا الحد فحسب، بل إن الجنود يعتمدون الصراخ بالألفاظ النابية والمهينة، ويتعمدون البصق صوبي، وأذكر أن أحد ضباط الاحتلال حاول مصادرة كاميرتي وفشل بعد رفضي ومساعدة زميلي الصحافي علي دارعلي".
توضح أن مسؤوليتها تجاه بلدتها تعزّز استمرارها في طريقها لتغطية الأحداث الميدانية، علاوةً على واجبها كفلسطينية في كشف انتهاكات الاحتلال، لافتةً إلى أنها أضحت محط ثقةٍ لدى أهالي بلدتها أيضاً وعددٍ كبيرٍ من الصحافيين الفلسطينيين.
صحافية سلواد شذّى حماد لها رسالة يتيمة وجهتها عبر "السفير" للصحافيين دعتهم فيها لتعزيز التغطية في كافة أرجاء الوطن، إنطلاقاً من واجبهم المهني والوطني وليس فقط لمجرد كون التغطية وظيفة: "التواجد في الميدان يمنح الصحافي شعوراً بثقة كبيرة فينكفِئ عنه الخوف، وهو الشعور ذاته الذي يجعل الصحافي بعيداً عن الحزبية والفئوية. وهو ما يحتاجه اعلامنا الفلسطيني وبشدة".

اقتحام التواصل الاجتماعي
رشا حرز الله من مدينة نابلس، تعمل كمراسلة مع "وكالة الأنباء الفلسطينية - وفا". ورغم كونها موظفة في مؤسسة إلا أن تجربتها تبقى شبيهة بتلك التي خطّتها شذى: "في الحقيقة، عملي في الوكالة هو مراسلة في قسم الأخبار. لكن منذ بداية الانتفاضة الحالية، اقتحمتُ عالم التصوير، وبدأت أنقل ما يحدث في الميدان من خلال الخبر والصورة. الأحداث طورت مهاراتي وعلمتني أموراً أخرى في التصوير، كالزوايا الأفضل لالتقاط الصورة، وسرعة البديهة في تغطية الأحداث".
حرز الله هي من الصحافيات المعدودات على الأصابع اللواتي انخرطن في مجال التصوير في مواجهات الضفة الغربية، ونشطَت في تغطية منطقة رام الله والبيرة: "لم أكتفِ بعملي في وكالة وفا، فحرصتُ ذاتياً على التغطية الميدانية عبر توزيع الصور من الميدان على عدة مواقع ووكالات وصفحاتٍ إخبارية كبرى في مواقع التواصل الاجتماعي. فمهمتي لا تقتصر فقط على وظيفتي في الوكالة، بل أيضاً منوطٌ بي كصحافية أن أقدّم الصورة على الأرض إلى كافة الشرائح بوقتٍ قياسي. لستُ وحدي، ورغم أننا قليلات، استطعنا إيصال صورة الشعب بعدساتنا إلى الملايين حول العالم عبر "فايسبوك" و "انستغرام" و "تويتر" و "تيلغرام"، وغيرها من التطبيقات والمواقع الاجتماعية".
حول معدّات السلامة الصحافية والمخاطر في الميدان، توضح حرز الله أنها تمتلك كافة المعدّات لكنها أحياناً تشعر أن لا فائدة مرجوة منها، في ظل الاستهداف الاسرائيلي المباشر والمتعمّد.
"مثلاً في مواجهات المدخل الشمالي لمدينة البيرة خلال الربع الأخير من العام الماضي، قدّم الاحتلال دليلاً جديداً على وحشيته في التعامل مع الصحافيين، وعدم احترام دورهم الحيادي في تغطية المواجهات الميدانية، حيث رش ضابطٌ اسرائيلي الصحافيين بغاز الفلفل ومنعهم من التغطية"، وفق حرز الله.
تنتقل حرز الله لرسم مفارقةٍ عجيبة: "الصحافي الفلسطيني يقمعه الاحتلال، يُطلق النار صوبه ويحطّم كاميراته، ويعتدي عليه بالضرب والغاز، بينما يصل الصحافي الإسرائيلي بسهولة إلى الضفة الغربية ويغطي الأحداث".
تختتم حرز الله لقاءها مع "السفير" بالقول إن "حقل الصحافة سابقاً كان يقتصر على الرجال، لكن المرأة اليوم تقتحم هذا المجال بقوة وتثبت أنها قادرة على نقل الصورة بدقة وموضوعية ووعي سياسي واجتماعي وشجاعة".