| 

بعيداً عن الزحف العمرانيّ الذي أخذ يزيّن أطراف مدينة غزّة جاعلاً إياها مختلفة عمّا كانت عليه في السابق، لا تزال البلدة القديمة التي تقع في قلب مدينة غزّة تحتفظ ببعضٍ من معالمها التاريخية والأثرية. أزقّةٌ تزخر بالتراث المعماريّ العثمانيّ والمملوكيّ، وهما آخر حكمين تعاقبا عليها قبل حلول الإنتداب البريطاني على فلسطين. وعلى الرغم من قدم تلك الآثار المعمارية، إلا أنها اصبحت تنال حظاً وافراً من الاهتمام، بعدما قامت عدّة مراكز بترميم عددٍ منها، وغدت محط أنظار السكّان ومحل إقامة فاعليّاتهم الثقافية والشعرية والفنية.

"بيت السقا"
في أزقة ضيّقة متعرّجة، ووسط ضجيج الباعة المتجولين المصطفين على جانبي الطريق، وبين أصوات المارة التي لا تُسمع إلا همساً، وفي كنف روائح الطعام الخارجة من فتحات البيوت والمختلطة بنسمات الهواء، يقع بيت "السقا" الذي تمّ تأصيل عمره الزمنيّ إلى ما قبل 350 عاماً، عائداً إلى حقبة الحكم العثماني لفلسطين.
حوائط جدرانه مبنيّة بأحجارٍ بنيّة عريضة، تحكي حكاية كلّ من سكنوا فيه، في تحفٍ معمارية يمنع هدمها أو التصرّف بها من دون إذن وزارة السياحة والآثار، علماً أنها الجهة المشرفة على جميع البيوت الأثرية في القطاع.
عبرنا البيت من بابه الذي غيّر أصحابه مدخله قبل خروجهم منه ليكون أكثر ملاءمة لمستجدات الحياة، ووجدنا انفسنا وسط "الفناء"، وهو ساحةٌ واسعةٌ غير مسقوفةٍ تقع في مركز البيت وتطلّ عليها جميع غرفه. يمد الفناء البيت بالإضاءة والتهوية، وتقام فيه جميع النشاطات المنزلية واجتماعات العائلة، إلى جانب اعتباره صالة للأعراس.
يقابل الفناء في أحد اتجاهاته "الإيوان"، وهو عبارة عن غرفةٍ ترتفع عن الفناء بدرجتين أو ثلاث، لها ثلاثة جدران رابعها مفتوحٌ عبر أقواسٍ كبيرة على الفناء، ويتميز سقفها بالتجويف الذي يسمى بالعقد المتقاطع الذي يميز معظم المعالم الإسلامية القديمة.
وفي إحدى زوايا "الفناء"، كانت "المزرية". وهي تجويف عميق داخل الحائط كانت تستخدم للاحتفاظ بالماء، إذ لم تكن هناك خطوط لإمداد الماء في البيوت، وكان السقا الذي يبيع الماء يأتي على البيوت فيعبئ لسكانها "مزيرتهم". وبجوار المزيرة أسفل الحائط، توجد فتحة متوسطة الحجم بشكل مقوس، وهي مكانٌ كان يستخدمه أصحاب المنزل لتخزين مؤونتهم.
أما "اليوك" التي لا تخلو أيّ غرفةٍ منها فهي عبارة عن فتحاتٍ في جدران حوائط البيت السميكة، وكانت تستخدم كخزانات للملابس أو لوضع أغراض البيت عليها.
وتجد الواحدة نفسها مذهولةً أمام الزخارف التي تملأ جدران البيت ونوافذه لدقّة الرسوم التي نقشت عليها. فعلى الرغم من صعوبة النقش والحفر يدوياً آنذاك، إلا أن أصحاب البيوت كانوا يهتمون بتلك النقوش ويتفاخرون بأجملها وأكبرها، كونها تميز بيتاً عن الآخر.
وحيث ان العائلات في الماضي كانت ممتدة، يتكوّن البيت من طابقين، يضم بين جنباته عدداً من الغرف. فينقسم الطابق العلوي إلى جزءين يفصلهما درجان يودي كلّ درجٍ منهما إلى قسم. وترتفع المسافة الفاصلة بين الدرجة والأخرى، على خلاف ما هي عليه حال الأدراج الحالية، فيتطلب الصعود إلى الطابق العلوي شخوصاً في النظر خوفاً من الوقوع. خلف حائط الدرج، تقع حديقة صغيرة تسقفها السماء، وتزين جدرانها النقوش الزخرفية.
يقول تيسير السقا (55 عاماً)، وهو أحد ورثة البيت والمولودين فيه، أنهم هجروا البيت في أواخر السبعينيات لأسبابٍ متعلقة بموقع البيت في منتصف السوق، بالإضافة إلى زيادة عدد أفراد الأسرة، إذ كلّ فرد منهم تزوج /ت وصارت لهم /ن عائلة، "ولا أحد يفضّل السكن في بيت العائلة كما كانت الحال في السابق". في المقابل، يؤكد السقا أن فكرة الهدم أو بيع البيت "مرفوضة تماماً"، إذ رفضت العائلة عدة عروض لبيعه، منوهاً بأنهم يعتبرونه قيمة أثرية لا تقدر بثمن: "أبي قبل وفاته كان ينوي أن يجعله متحفاً، ولكن الظروف لم تساعده"، يقول السقا.
وحول موافقتهم على ترميم "مركز عمارة التراث - إيوان" للبيت مقابل استئجاره منهم لمدة سبع سنوات، يقول السقا: "وافقنا خوفاً على البيت من الانهيار والتصدع، ولكي يبقى مزاراً تاريخياً تتعرّف الأجيال اللاحقة من خلاله على طبيعة الحياة والبناء في الدولة العثمانية"، مشيراً إلى صعوبة ترميم البيت على حساب العائلة الخاص.
"بيت العلمي" الذي يعود إلى أواخر الحقبة المملوكيّة، لا يبعد كثيراً عن "بيت السقا" لكنه يتميّز عنه بأنه لا يزال يحتفظ بـ "الدهليز". إذ كانت البيوت تُبنى على أساسه في الدولة الإسلاميّة، وهو عبارة عن حائط ذي زاوية قائمة تفصل مدخل البيت عن خارجه، ليحفظ خصوصيات أهل البيت ويمنع رؤية أهله في الداخل.
"بيت أبو شبعان" يجاور "بيت العلمي". وعلى رغم من تهدّم الجزء الأمامي من بيت أبو شعبان، إلا أن أصحابه ما زالوا يسكنون فيه، ولا تزال أعمال الترميم جارية عليه لحمايته من التصدّع والهدم. أما بيت العلمي فمهجور بلا سكّان، ولكنه أيضاً خاضع لترميم.

مبادرة الترميم: كيف تتم؟
حول مشاريع الترميم، تشرح منسقة المشاريع في "مركز عمارة التراث-ايوان" نشوى الرملاوي أن "مشروع تأهيل وصيانة البيوت الأثرية في غزة بدأ في العام 2009 في بيت العلمي المهجور، كما في بيوتٍ أخرى مسكونة وبحاجة إلى ترميم جزئي". والهدف الأساسي هنا، بحسب الرملاوي، هو الحفاظ على التراث المعماريّ الموجود في مدينة غزّة، ووضع حدّ لأعمال التخريب والهدم، كما نشر الوعي بأهمية القيمة التاريخية والثقافية والحضارية والجمالية لتلك البيوت، وتمرين خبراء مختصين في أعمال الترميم من خلال التطبيق العملي في المشاريع.
وحول معايير اختيار البيت لترميم، تبين الرملاوي أن أول معيار هو آلية الوصول إليه، والتوافق مع مالك البيت على أعمال الترميم ضمن شروط تختلف من بيتٍ لآخر، بالإضافة إلى القيمة الجمالية والتاريخية للبيت نفسه، وحالته الإنشائية، "إذ أن البيوت الأثرية التي يكون وضعها حرجاً من حيث البناء، تكون لها الأولوية"، مبيّنة أن "إيوان" تمتلك أرشيفاً بالمواقع الأثرية في مدينة غزة. وتشرح أن البيوت المسكونة تخضع لعملية صيانة، أما البيوت المهجورة فيتم الاتفاق مع مالكيها على أن يتم الترميم مقابل استئجار "إيوان" للمنزل لمدة تختلف من منزل إلى آخر: "بعد الانتهاء من الترميم، يتم عرض البيت للإيجار للمؤسسات الخدماتية في المجتمع بسعرٍ رمزيّ، لتتم الاستفادة من المنزل وتجنّب هجره مرة أخرى، ولكي تتمكن جميع شرائح المجتمع من زيارته والتعرف إليه"، تقول الرملاوي.
وتشرح الرملاوي لـ"السفير" عن المشاكل العمرانية التي تعاني منها البيوت الأثرية والمتمثلة بالرطوبة الكبيرة والاملاح والشروخ والتسريب، ما يؤدي إلى تصدّعٍ وانهيار أجزاءٍ منها. وعن المواد المستخدمة في عملية الترميم، تبين الرملاوي أنها من المواد الطبيعية ذاتها التي بنيت بها سابقاً البيوت الأثرية، مثل "الفخار والإسمنت الأبيض والفحم والرمل والحجر الطبيعي والمياه المقطرة"، منوهة إلى أنهم يستفيدون من البيوت الأثرية المهدمة كليا عن طريق جمع حجارتها الرملية أو الصخرية لاستخدامها في بيت آخر، بشرط أن تكون من نفس الحقبة الزمنية.
وحول الأسباب التي تدعو المؤسسات لإستئجار البيوت الأثرية، تقول رئيسة مجلس إدارة مؤسسة "زاخر لتنمية قدرات المرأة الفلسطينية" أنعام حلس التي استأجرت "بيت السقا": "البيت ملائم جداً، إذ كلّ ركن فيه يعبّر عن تاريخ فلسطين، ويجسّد الماضي بتفاصيله الرائعة، وهو يقع في وسط البلد، وقريب من المنطقة التي نعنى بتقديم الخدمات لها"، مشيرة إلى أن خدمات المؤسسة متنوعة تشمل الدعم والتمكين والثقافة والفن والصحة والبيئة والتعليم والتثقيف: "المكان كان إضافة لـ "زاخر" إذ أن الأمسيات والحلقات التلفزيونية تقام في فناء البيت احتفاءً به، والناس يزورون المكان بغرض التعرف إليهن ما ساهم في ترويج عمل المؤسسة، تقول أنعام.

800 ألف دولار، وأكثر
يوضح جمال أبو ريدة، مدير عام الآثار والتراث الثقافي في وزارة السياحة والأثار، أن عدد البيوت الأثرية في مدينة غزة يبلغ 110 بيوت، تعود معظمها إلى العهد العثماني الذي حكم فلسطين لمدة 400 عام.
وحول تمركز تلك البيوت في البلدة القديمة في مدينة غزة، وتحديداً في أحياء الشجاعية والدرج والزيتون، يقول أبوريدة لـ "السفير" أن "هذه المناطق تقع في قلب مدينة غزّة، وما زالت حتى الآن تعتبر مركز المدينة. ما الحاضر إلا امتداد للماضي".
ويتابع أبو ريد شارحاً أن معظم أصحاب هذه البيوت يحاولون بيعها أو الحصول على قرار بالهدم والإزالة "لعدم إيمانهم باهميتها التاريخية والحضارية والثقافية، إذ ينظرون إليها نظرة مادية فحسب". ولكنه من موقعه يرى أن "القيمة المالية لهذه البيوت عالية جداً، إذ تبلغ قيمة أحد البيوت في حيّ الدرج 800 ألف دولار"، يقول أبو ريدة.
يذكر هنا أن القانون الفلسطيني يمنح الحق لوزارة السياحة والأثار في عدم السماح لأصحاب البيوت الأثرية بهدمها أو إزالتها من دون إذنٍ منها.
ولفت أبو ريدة إلى أن الوزارة تحاول التشبيك مع المؤسّسات المعنيّة للحصول على الدعم الماديّ اللازم، مستدركاً أن الوزارة لا تملك الإمكانيات المادية واللوجستية، وليس لها موازنة خاصة لمشاريع الترميم. وبيّن أن الوزارة قدمت مشروعاً لمؤسسة "تيكا" التركية لترميم 10 بيوت وتنتظر الموافقة عليه، منوهاً بأن تكلفة ترميم البيت الواحد قد تبلغ 100 ألف دولار. ويوضح أبو ريدة هنا أن "مواد الترميم باهظة الثمن، إذ لا يتم استخدام مواد البناء العادية، بل هي مواد طبيعية خاصة تلائم الحقبة الزمانية للبيت، إلى جانب ندرتها وعدم توفرها لعدم سماح الإحتلال الإسرائيلي بإدخالها".
الحروب المتتالية على قطاع غزّة أثّرت سلباً على المباني الأثريّة بشكلٍ عام، إذ تصدّع عددٌ كبيرٌ منها نتيجة الإهتزازات الناتجة من أصوات القصف، بالإضافة إلى أن عدداً آخر تم استهدافه بشكلٍ مباشر، خاصةً في حيّ الشجاعيّة.