| 

ضمن الأقليّات العرقيّة والوطنيّة التي تعيش في المنطقة، وتحديداً في فلسطين، هناك طائفةٌ لا هي البهائية ولا من الدروز وإنما السامريّة التي تعيش في عنق الضفة الغربية، ما وراء الجدار. وقد التقطت هذه الطائفة اهتمام مراكز الأبحاث العالمية لأسباب عدّة، منها أن المؤمنين بها شارفوا على الانقراض في بداية القرن التاسع عشر، وكادت تتلاشى نتيجة عوامل عدة ندرج أبرزها لاحقاً في هذا السياق.
قبلة السامريين هي جبل جرزيم في مدينة نابلس، في قلب فلسطين. وهو يعدّ أحد كتفي المدينة، ثانيهما جبل عيبال، وهما يعتبران الأقرب إلى السماء. هنا، يعيش أقل من نصف أبناء الطائفة بقليل، وقد بلغ عددهم الإجماليّ حتى نهاية العام 2015 نحو 800 شخص توزّعوا على تجمّعين، يقع ثانيهما خلف الجدار قرب تل أبيب.
يؤمن السامريون بالتوراة والأسفار الخمسة، على عكس التوراة اليهودية التي تضم عدداً أكبر من الأسفار. وبين التوراتَين، "هناك 3 آلاف فرقة" كما يقولون، يبقى الفارق الأساسي الذي يوسّع الخلاف بينهما تقديس جبل جرزيم، إذ يؤمن اليهود بقدسية مدينة القدس. تجدر الإشارة هنا إلى أن ذكر جبل جرزيم ورد 13 مرة في التوراة السامرية، على عكس القدس التي لم يرد ذكرها ولا مرة واحدة. ويعتبر هذا أهم الخلافات التوراتية بين اليهود في دولة الاحتلال وأبناء الطائفة.
وفي مقابل القلق من انقراض المؤمنين بالسامرية، يرى الباحث في شؤون الأقليات في الضفة الغربية الصحافي جميل ضبابات أن "لا خوف من تلاشي هذه الطائفة. راهناً، تم تسجيل ارتفاعٍ في عدد السامريين. ففي سنة 1917 مثلاً، عاشوا خطراً فعلياً إذ بلغ عددهم 146 سامرياً، وكانوا يعيشون في حالةٍ من الفقر والمرض إبان الحكم العثماني كغيرهم من أبناء المنطقة، إذ كان تأثير الحكم العثماني سلبياً على الجميع. إلا أن السامريين، كونهم طائفة صغيرة، عاشوا الأثر بشكل أشد، وكادت الطائفة أن تتلاشى من شدة الفقر والمرض".

7 أعياد، 10 وصايا، وإنتمائان
"يعيش السامريون في أحياءٍ خاصة بهم، يمكن معها أن يشار إليها بالبنان، في نابلس (شمال الضفة الغربية) وحولون (قرب تل أبيب). والمشهد السامري في نابلس يعتبر جزءاً من المجتمع العام. ومن الناحية الديموغرافية، يتم إحصاء السامريين في جبل جرزيم ضمن المجتمع النابلسي، ما ينطبق عليهم في مدينة حولون ضمن المجتمع الإسرائيلي. وهم يحملون هوية فلسطينية وأخرى إسرائيلية، لذلك يتمكنون من اجتياز حدود جدار الفصل العنصريّ بسهولةٍ ويسر"، بحسب الباحث ضبابات.
ويضيف الباحث أن "الأرض المباركة"، كما يسميها، تضمن حرية العبادة والحركة للطائفة في التجوال على جانبي الجدار رغم مراحل الصراع المتعددة". ويستند ضبابات إلى وثائق تشير إلى أن السامريين عاشوا في البلدة القديمة في نابلس لقرونٍ طويلة حتى العام 1927 عندما وقع زلزال كبير وهدم أحياء بكاملها. إلا أنهم لم يبتعدوا كثيراً عن المدينة، بل اتخذوا لهم حيًا أخر جديدَا فيها حتى العام 1987 أبان الانتفاضة الفلسطينية الأولى. وحين أصبحت المدينة تعاني من عدم الاستقرار الأمني، انتقلت الطائفة إلى جبل جرزيم على دفعات وفترات وبشكلٍ فرديّ، واستمرت حالة الانتقال الهادئ هذه على نحو ثلاث سنوات".
للسامريين سبعة أعياد سنوية وعشر وصايا. جميع الأعياد دينية، وأهمها عيد الغفران. ويقومون سنوياً بالحج الى جبل جرزيم لثلاث مرات بشكلٍ جماعي، كبيرهم وصغيرهم. ومن أعيادهم، بالإضافة الى الغفران: الفسح والأسابيع، ورأس السنة السامرية، والعرش في أخر أيلول، وعيد الفطير الذي يأكلون فيه العجين غير المخمّر.
ويشارك في الأعياد السامريّة أناسٌ من كلّ الطوائف والملل، حيث يطلق السامريون على جبل جرزيم لقب "واحة السلام". ويحتفظون بعلاقات متميزة وحقوق اجتماعية لدرجة أنه يمكن للسامري/ة من سكان جرزيم التصويت عبر الصندوقين الفلسطيني والإسرائيلي. أما أقرانهم في حولون فينطبق عليهم القانون الإسرائيلي الكامل، مثل التجنيد للجيش في وظائف إدارية، والتأمين الوطنيّ، وغيره من القوانين.
وللسامريين تقويمٌ يختلف عن التقويم اليهودي. فنجد خلافاً بين السنة السامرية والسنة اليهودية، ويحملون أسماءً من التوراة السامرية، ومن ثقافتهم عدم تسمية الأبناء على اسم موسى النبي، حرصاً على قداسة الاسم كما يقولون، وعدم ذكر اسم الله إلا في الدعاء والصلاة.
يمتلك السامريون أيضاً ثقافة وأدب خاصين، ولديهم صحيفة عمرها نحو خمسة عقود تصدر في حولون بأربع لغاتٍ: العبرية القديمة، والعبرية الحديثة، والعربية، والإنكليزية، وهي تعدّ نافذتهم على العالم ومصدراً لمراكز الأبحاث العالمية، إذ تعبّر عن ثقافة الطائفة.

قبل أن يدخل السبت
يشرح عزيز يعقوب، الكاهن صاحب الـ63 عاماً وهو الخبير بما يطلق عليه اسم "حساب الحق القمري" لـ "السفير": "إنتماء السامريين في جرزيم إلى نابلس وفلسطين، وانتماؤهم في حولون إلى إسرائيل، رغم أن هناك نصّ في التوراة اليهودية يعتبرنا كفاراً. أنا سامري فلسطيني ووطني، عقيدتي سامرية، وأتحدث اللغتين العربية والعبرية".
تجدر الإشارة هنا إلى مفارقة ذات دلالة تفيد بأن بعض أبناء الطائفة في حولون يتجنّدون في جيش الاحتلال بوظائف إدارية، بينما هناك من تجندوا في صفوف التنظيمات الفلسطينية في نابلس. فأحد أبناء الطائفة هو نادر السامريّ، محكوم بالسجن لست مؤبدات في السجون الإسرائيلية نتيجة انتمائه لصفوف "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين". وهو متهم بالمشاركة في خلية للجبهة عرفت بعدة اشتباكات مسلحة مع جيش الاحتلال، وقد استشهد أعضاؤها في مخيم عين بيت الماء في نابلس خلال انتفاضة الأقصى، فيما اعتقل رفيقهم نادر السامري وهو لا يزال قابعاً في سجون الاحتلال.
يعود عزيز بالذاكرة إلى سن طفولته، ثم يحكي وهو ينظر إلى الأفق: "تعلّمت في مدارس نابلس عندما كنت صغيراً، وكان الأطفال يطلقون عليّ لقب "يهودي" لأن المعلم كان يخرجني من حصة الدين الإسلامي. آنذاك، لم أكن أفهم ما تعنيه كلمة يهودي، لأنني لست يهوديًا بل سامرياً. ما كان يشعرني بالغضب. وعندما كبرت، علمت أن اليهود يطلقون علينا لقب الكفار، والعرب يطلقون علينا لقب اليهود. نحن لسنا كذلك، نحن سامريون فلسطينيون".
السبت، كما يروي عزيز، هو اليوم المقدس لدى الطائفة. وهو يبدأ مع بداية ميلان الشمس نحو الغرق في الغروب بين العصر والمغرب في يوم الجمعة. يرتدي الرجال الطربوش التركي الذي كان يوضع على الرأس من قبل علية القوم ("الآغاوات")، والزي العربيّ القديم: "الديماية المخططة وتعرف أيضا باسم القمباز، تيمنًا بيوسف النبي الذي كان يرتدي قميصاً من الحرير المخطط عندما عاد إخوته لوالدهم يعقوب النبي به، ملطخاً بدماء الشاة، مدّعين أن الذئب أكل يوسف.. علماً أن تسمية "الديماية" لدى السامريين والعرب أتت نسبةً للدماء على قميص يوسف".
يحفظ الكاهن عزيز التاريخ السامريّ عن ظهر قلب، ولا يحتاج إلى تقليب الصفحات لتعزيز روايته، خاصةً عندما يتحدث عن أصول الدين السامري، والصلاة التي تعتبر قريبة جداً من الصلاة عند المسلمين. يقول: "الدين لله. كلنا نتشابه في أداء العبادات، لكن أهل السياسة هم من يعقدون العلاقات بين الناس". ولكنه لا ينكر التشدّد السامريّ في أداء العبادات بوجه عام.

سلطانة وسط نابلس:
الحب شبه المستحيل

راحل هي سيدة تمتلك محلاً لبيع الملابس النسائية في وسط المجمّع التجاري في مدينة نابلس. أطلقت عليه اسم "سلطانة"، حيث تستقبل زوارها بابتسامة دائمة حتى يظن المرء أنها سلطانة فعلاً لكثرة ما لديها من الأصدقاء والزبائن الدائمين في السوق. تقول راحل: "أنا أول سامرية من حولون تزوجت في نابلس. لم يكن سهلاً عليّ التأقلم في بداية الأمر، وكنت خائفة ومترددة، إلا أنني بعد هذه السنين أيقنت ان الحياة مع العرب جميلة وطبيعية. أشعر بالأمان وبمحبة الناس لي ولعائلتي. هنا في نابلس الكلّ يبتسم لي، ومعظم الناس يأتون إلينا في الأعياد. نشعر بالأمان".
تصف راحل نابلس بـ "دمشق الصغرى"، وتقول: "أنجبت أربع بنات، من بينهم اثنتان تدرسان في جامعة النجاح بنابلس. نعيش مثلنا مثل سكان المدينة، ولدينا الكثير من الأصدقاء المسلمين والمسيحيين، ونعتمد في مطبخنا على الأكل الشامي والتركي. نعيش في منطقة لها بابٌ يغلق ليلاً ويفتح في الصباح. نحن نشبه في حياتنا السوريين في مسلسل باب الحارة.. الله يحفظ سوريا وتراثها الجميل".
يرى الباحث جميل ضبابات أن الغرام شبه مستحيل بين أفراد الطائفة، فهو إن وقع، يقع بين شاب وفتاة قدّرا لبعضيهما من العائلة، نتيجة ندرة الإناث. فالسامري لا يتزوج إلا من سامرية، ولذلك يعتمدون تقنية الزواج البدل". فشادي مثلاً هو شاب سامري يبلغ من العمر 29 عامًا، ويعمل كمحامٍ في "مركز القدس للمساعدات القانونية"، يقدم الاستشارات ضد انتهاكات جيش الاحتلال في الضفة الغربية. وهو دائم البحث عن فتاة أحلامه، ولكنه لا يجدها كون نسبة الذكور تزيد عن ضعف نسبة الإناث في الطائفة، وليست لديه شقيقات لتأمين اللازم لصيغة الزواج البدل. يقول شادي لـ "السفير" إن "متوسط سن الزواج لدينا هو 31 عاماً، إذ نعتمد زواج البدل. ولكن نحن ثلاثة شبان أشقاء وليست لدينا شقيقات، ما يجعل أمر زواجي من إمرأةٍ سامرية شبه مستحيل. لم أدخل قصة حب في حياتي لأن كل فتاة يرتبط اسمها مع شخص آخر في اتفاق على زواج البدل".
ولكن البديل الوحيد الذي أصبح متاحاً للشبان فقط هو الزواج من فتيات من روسيا أو من أوكرانيا، شرط أن تدخل الفتاة في ديانة الطائفة. ومن أجل تنفيذ هذا المشروع، يتوجب على الفتاة الوافدة، إن وافقت على الفكرة تغيير دينها الى سامرية، أن تعيش في كنف الطائفة لمدة ستة أشهر حتى تعتاد على العادات والديانة، ومن ثم يقرر الكاهن تزويجها من الشاب الذي أتى بها من بلدها.
بدأت هذه العادة في السنوات الأخيرة، لمّا أتى ست رجال من السامريين بفتياتٍ روسيات وتزوجوا منهن بعد اعتناقهن الدين السامري، ما فتح المجال لمقاربة جديدة على المجتمع في مسألة الزواج هذه. يختم شادي سرده بالقول: "في حال اعترض الكاهن على جلبي لفتاة من روسيا مثلاً، سأقول له: زوّجني ابنتك".